تدهور القطاع الصحي في شمال سوريا بسبب سوء الإدارة والتمييز بين الكوادر الطبية

تراجع القطاع الصحي في مناطق ريفي حلب الشمالي والشرقي، المعروف بمنطقتي (درع الفرات وغصن الزيتون)، تدريجيًا إلى مستويات متدنية، نتيجة العديد من العوامل التي ظهرت مؤخرًا انعكاساتها على واقع تقديم الرعاية الصحية للأهالي المقيمين والوافدين إلى الشمال السوري.

ويشتكي السوريون في المنطقة من سوء الخدمات الصحية التي تقدمها المشافي العامة التي تعرف محليًا بالمشافي التركية، التابعة للمكاتب الطبية في المجالس المحلية التي تشرف على إدارتها الولايات التركية الجنوبية المحاذية للحدود السورية التي تسيطر عليها المعارضة.

ويدير كل مشفى يتبع للمكاتب الطبية طبيبان أحدهما سوري والآخر تركي، بكوادر تركية وسورية مشتركة: الأولى تشرف إداريًا، بينما الكوادر السورية تقوم بالعمل الصحي، وتنتشر المشافي في مدن وبلدات أعزاز وسجو ومارع وأخترين والراعي والباب وجرابلس وعفرين في ريفي حلب الشمالي والشرقي.

صورة
تفريق في الأجور بالمشافي التركية في الشمال السوري بين الكوادر السورية والتركية

ورغم نجاح المشافي التركية في الشمال السوري أول انطلاقتها، فإنها باتت تعاني من الترهل وسوء إداري تنظيمي بعدما ظهرت فوارق عديدة يتم التعامل بها بين الأطباء السوريين والأتراك، ومعظمها تمنح الأطباء الأتراك الأولوية لا سيما في المرتبات الشهرية التي يحصل عليها الموظفون الأتراك وتشكل أضعاف مرتبات الأطباء السوريين.

فارق الراتب يؤجج غضب الكوادر الطبية

حصلت الكوادر السورية العاملة في المشافي التركية بالشمال السوري على نسخة من قائمة الرواتب الخاصة بزملائهم الأطباء الأتراك العاملين في المشافي التركية التي يدعمها الاتحاد الأوروبي ضمن مشروع SIHHAT-2 بإشراف وزارة الصحة التركية.

ويبلغ راتب الطبيب المختص التركي نحو 19128 ليرة تركية، بينما يبلغ راتب الطبيب العام وطبيب الأسنان 16365 ليرة تركية، ويحصل الممرض وفني الأشعة وفني المختبر على 10485 ليرة تركية، بينما يحصل الطبيب النفسي والعامل الاجتماعي على 11619، أما طاقم إحالة المرضى يحصل على 7793 ليرة تركية، بينما يحصل المترجم على 9210 وفريق الدعم يحصل على 6234 ليرة تركية.

وتعتبر هذه المرتبات أضعاف مرتبات الأطباء والكوادر السورية العاملة في ذات المشافي، وبشأن ذلك أكدت مصادر لموقع تليفزيون سوريا، أن العاملين الأتراك يتقاضون زيادة على راتبهم بنسبة 100% تقريبًا مقابل "مهمة خارجية" و"بدل حماية وخطر"، ما يعني أن راتب الطبيب التركي المختص يبلغ قرابة 40 ألف ليرة تركية.

صورة

في المقابل يحصل الطبيب السوري المختص الذي يعمل في ذات المشافي على مرتب شهري قدره 4900 ليرة تركية بينما يحصل الطبيب العام وطبيب الأسنان على 3500 ليرة تركية، أما الصيدلاني فيحصل على 2400 ليرة تركية، وموظف صحي مساعد يحصل على 1300 ليرة تركية، بينما يبلغ مرتب أدنى موظف في المشافي ذاتها من الطاقم السوري 700 ليرة تركية بصفة مستخدم، بحسب الزياد الأخيرة مطلع العام 2022.

صورة

دعوات للاحتجاج ومحاولات للقمع

دفعت تلك الفوارق الكبيرة في المرتبات الشهرية الأطباء السوريين إلى الاعتراض على هذا التمييز بينهم وبين زملائهم الأتراك، رغم أن الطرفين يعملان في ذات المؤسسة، ومن بينهم خالد الشيخ، الذي يعمل فني تخدير في مشفى الراعي، فقد اعترض الشيخ على كشف المرتبات الشهرية التي يحصل عليها الموظفون الأتراك خلال دردشة مع زملائه في مجموعة خاصة بالمشفى، ما دفع مدير المشفى إلى إزالته من المجموعة عنوة في محاولة منه لإقصائه ومنعه من الاعتراض، ما أثار غضب الكوادر الطبية.

تواصل موقع "نون بوست" مع فني التخدير خالد الشيخ، للوقوف على تفاصيل الحادثة، وقال خلال حديثه إنه يعمل فني تخدير ولا يتجاوز راتبه 1300 ليرة تركية، وهذا الراتب بالكاد يغطي جزءًا يسيرًا من أيام الشهر، بينما يتقاضى الموظفون الأتراك أضعاف الراتب الذي يحصل عليه علمًا بأنه يؤدي الواجبات الطبية ويقتصر عمل الكادر الطبي التركي على الإدارة والإشراف فقط.

وأضاف أن عمله في المشفى التركي يمنعه من مزاولة أعمال إضافية أو العمل خارج أوقات الدوام في مشافي أخرى بسبب استنزاف طاقة الكوادر الطبية خلال ساعات الدوام، إلى جانب منع الإدارة التركية للمنظمات من تقديم الدعم للمشافي التي يعمل بها العديد من الأطباء السوريين.

الدكتور أبو الحكم - اسم مستعار -، طبيب يعمل في مشفى مدينة الباب، يرى أنه من حق أي موظف المطالبة براتب مجزٍ وبالمثل كما هو موقع في العقود منذ العام 2017، ولا يحق لأي شخص فصل الموظف لأن هذا التصرف لا يليق بالكوادر الطبية.

وقال خلال حديثه لـ"نون بوست": "ظهرت الفوارق عندما تغير صرف الليرة التركية مقابل الدولار الأمريكي كون الراتب بالليرة التركية، وفي بداية العقود كانت كل 3 ليرات تساوي دولارًا أمريكيًا واحدًا، ورغم انخفاض الليرة التركية وخسارتها أضعاف قيمتها السابقة بقي المرتب ثابتًا بالليرة التركية وانخفضت قيمته الفعلية أمام الدولار".

انخفاض المرتب الشهري يدفع الكوادر الطبية إلى الاستقالة والالتحاق بالمستشفيات التي تدعمها المنظمات

وأضاف "العمل والمسؤولية الطبية على الكوادر الطبية السورية من الألف إلى الياء، بينما يقع على عاتق الكوادر الطبية التركية الإشراف الإداري، والمرتبات التي نحصل عليها هي منحة، والميزات التي يحصل عليها الأطباء الأتراك العاملون في المشافي مقدمة من دولتهم".

وأوضح قائلًا: "انخفاض المرتب الشهري يدفع الكوادر الطبية إلى الاستقالة والالتحاق بالمستشفيات التي تدعمها المنظمات، والمستشفيات الخاصة، وبعضهم يضطر للبقاء بهدف الحصول على إذن الدخول والخروج المجاني من المعابر السورية التركية، ما يؤثر سلبًا على الخدمات الصحية المقدمة في المشافي التركية".

ويعتبر ذلك نتيجة سوء الإدارة والتنسيق بين القائمين على العمل الطبي في الداخل السوري والإدارة التركية، لا سيما قضية منع المنظمات من دعم المستشفيات والكوادر الطبية العاملة في المشافي التركية، التي من الممكن أن تسمح للأطباء بالحصول على أجور إضافية تساعدهم على تقديم واجباتهم الطبية بالشكل الأمثل.

فروقات وتمييز

تبدو تفرقة الإدارة التركية بين الموظفين الأتراك والسوريين جلية، وباتت تطارد السوريين حتى داخل حدودهم، فيبدأ التمييز بالتعامل الشخصي اليومي، مرورًا بفرق الأجور الذي يصل إلى ثمانية أضعاف لصالح الموظفين الأتراك، ولا ينتهي بعقود العمل الموقعة، بين عقود تراعي حقوق الموظف التركي وعقود إذعان وإذلال للموظف السوري.

يرى المدون معتز ناصر أن الفوارق وجدت لأسباب سياسية في الشمال السوري المحرر الذي لا يوجد له توصيف سياسي أو قانوني، والتدخل التركي فيه غير محصور بتوصيف تبنى عليه حقوق وواجبات لكل طرف، ما يعمق الشرخ والنزعة العنصرية لدى الشعب التركي، التي يتم استثمارها وتأجيجها من تيارات سياسية تركية، وتكون موجهة بشكل مخصوص ضد السوريين.

وقال ناصر خلال حديثه لـ"نون بوست": "الكوادر التركية لا تؤدي أي دور حقيقي في خدمة القطاع الطبي بشهادة كثير من المختصين والعاملين فيه، بل لعل كثير منهم دوره تعطيلي وسلبي، ويشكلون استنزافًا لموارد الشمال السوري المخصصة للصحة، بسبب كثرة الموظفين دون احتياج حقيقي وارتفاع الرواتب والبدلات التي يتقاضونها".

وأضاف "فارق الرواتب يزيد الشرخ بين الزملاء السوريين والأتراك في نفس القطاع، ويخلق جوًا من العنصرية والعنصرية المضادة بينهم، ويسيئ إلى سمعة وصورة الحكومة التركية والمؤسسات التابعة لها، ويساهم في عملية طرد مستمرة للأطباء من القطاع العام لصالح الخاص أو الهجرة خارج سوريا".

آثار كارثية على الواقع الصحي

انعكست تلك المشكلات التي تواجه الكوادر الطبية العاملة في المشافي الحكومية بالشمال السوري على واقع تقديم الخدمات الطبية للأهالي، بسبب تجاهل الكثير من الأطباء العاملين في المشافي لمرضاهم، إلى جانب استقالات بالجملة في معظم المشافي، لا سيما مشفى مارع، وما يؤكد ذلك الإعلانات الشهرية للشواغر المتوافرة في مشفى المدينة.

صورة

قال المريض في مشفى مدينة مارع محمد منصور، خلال حديثه لـ"نون بوست": "المشافي التركية في المنطقة غير قادرة على توفير الرعاية الصحية للمريض، وكلما أراجع المشفى لا أجد أطباء مختصين نتيجة استقالة أو غياب الأطباء بشكل متكرر".

وأضاف "لا يقتصر الأمر على الرعاية الصحية والمراجعات، وإنما يتعلق أيضًا بقسم العمليات، فالعديد من الأهالي يضطرون للانتظار لأيام وحتى أسابيع للحصول على دور في غرفة العمليات، وعندما تصل إلى يوم العملية يتغيب أحد العاملين في غرفة العمليات كفني التخدير أو الطبيب المناوب، ما يدفع الأهالي إلى الانتظار أو اللجوء إلى المشافي الخاصة التي تبلغ أدنى عملية فيها نحو 150 دولارًا أمريكيًا".

وقال المدون معتز ناصر: "الواقع الطبي في ريف حلب المحرر يتجه من سيئ إلى أسوأ في السنوات الماضية، ويعود ذلك في الدرجة الأولى لسوء إدارة الجانب التركي وضغطه المستمر على العاملين في المجال الصحي ومنعه لأي مبادرة تسهم في تطويره، ما يدفع الأطباء للتسرب من القطاع العام لصالح الخاص أو لصالح الخروج من سوريا بالمطلق، وترك المنطقة تواجه كوارث صحية".

مضيفًا أن السوريين سئموا من الوضع المزري الذي وصلوا إليه بفعل الإدارة التركية غير الحكيمة للشمال السوري المحرر، وتوالت الانتفاضات والإضرابات والعصيانات بشكل مكثف، ونخشى مع استمرار لامبالاة الجانب التركي أن تنفجر الأمور بشكل غير قابل للسيطرة، لا سيما أن لا أحد يستمع إلى مطالب الأهالي، والانفجار لن يقتصر على قطاع الصحة وإنما معظم القطاعات العاملة في المنطقة.

وشكل غياب الأطباء وتخلي البعض عن عملهم في المشافي التركية سوء الخدمات الطبية، ما نتج عنه واقع صحي مظلم، في ظل حاجة الأهالي الماسة للحصول على الطبابة المجانية بسبب صعوبة توفيرها وارتفاع تكاليفها في المشافي الخاصة، لا سيما أنهم غير قادرين على تحمل نفقات إضافية في ظل الأزمات المعيشية المتكررة التي تشهدها المنطقة.