أعلنت منظمة الدول المصدر للنفط "أوبك" قرارها بالإبقاء على حجم إنتاجها النفطي الذي يبلغ 30 مليون برميل يومياً.

جاء ذلك في الإجتماع الذي عقد أمس في "فيينا" دام لمدة أربع ساعات، ناقش خلالها ممثلو الدول الأعضاء مشكلة انخفاض أسعار النفط في العالم ليصل سعر البرميل من خام برنت إلى 71.25 دولار للبرميل الواحد، منخفضاً بأكثر من 6 دولارات، في أكبر انخفاض يومي منذ عام 2011. أما الخام الأمريكي فقد تراجع سعره هو الآخر بشكل حاد ليصل إلى 67.75 دولارًا للبرميل، ويعد هذا السعر هو الأقل منذ مايو 2010.

وشهدت أسواق النفط العالمية حالة من التخبط في الشهور الأخيرة جعلت أسعار النفط تنخفض بشكل حاد على الرغم من أن الظروف الإقليمية المؤثرة على الدول النفطية الكبرى كمشلكة داعش والأزمات في العراق وليبيا مما يجعل فكرة انخفاض النفط أمر غير متوقع.

لكن هذا التراجع في أسعار النفط يرجع إلى الوفرة الكبيرة في العرض المرتبطة بزيادة الإنتاج في الشرق الأوسط، حيث أن العقوبات الغربية على إيران جرى تخفيفها بالفعل في الشهور القليلة الماضية، نتيجة للتقدم في المباحثات حول برنامج إيران النووي. بالإضافة إلى أن ليبيا التي توقفت عن تصدير النفط بصورة ملموسة في العام الماضي، عادت مؤخرًا لتصدير ما يقارب 800 ألف برميل يوميًا.

ومن ناحية أخرى نجد طفرة في إنتاج الولايات المتحدة الأمريكية من الصخر الزيتي وارتفاع سعر صرف الدولار. فباعتبارها القوة الاقتصادية الرئيسية في العالم وأكبر مستهلكي الطاقة، عادت أمريكا من جديد لتصبح المنتج الأول للنفط، متفوقة بذلك على السعودية، يرجع ذلك إلى التسهيلات التي وفرتها إدارة "أوباما" لإنتاج النفط في مناطق لم يكن مسموحًا لشركات النفط العمل فيها، وبفعل التطور الكبير في إنتاج النفط الصخري، الأمر الذي أثر على الأسعار بشكل كبير.

أما من ناحية الطلب على النفط في السوق العالمية، نجد أن هناك انخفاضًا ملحوظًا في عملية الطلب الناتجة عن ضعف النمو الإقتصاد العالمي. مما يعني أن سوق النفط يشهد فائضًا غير مسبوق ووفرة في الطلب، في الوقت الذي يواصل فيه السوق العالمي انخفاضًا في الاستهلاك النفطي.

 وجاء قرار "أوبك" باستمرار الإنتاج بنفس الوتيرة انتصاراً لموقف السعودية ودول الخليج العربية على حساب كل من العراق وأنجولا وإيران وفنزويلا.

وبحسب شبكة الجزيرة، فإن السعودية كانت ترى أن هناك أسبابًا موضوعية وليست سياسية وراء هبوط أسعار النفط، وهي بطء النمو الاقتصادي في الصين وأوروبا، وطفرة إنتاج النفط الصخري بالولايات المتحدة، وتحسن سعر صرف الدولار.

وأوبك هي منظمة غير حكومية دولية مقرها فينا تضم 12 دولة منتجة للنفط، والتي تضم الجزائر وأنجولا والإكوادور وإيران والعراق وليبيا والمويت ونيجيريا وقطر والسعودية والإمارات وفنزويلا، حيث تنتج هذه الدول 40% من إنتاج النفط في العالم. وتعمل على إلزام أعضاءها بتوحيد نسب الإنتاج مما يؤثر بشكل مباشر على الأسعار.

لكن التوازنات السياسية والإقتصادية خلقت فريقين داخل المنظمة، أحدهما مع خفض الإنتاج لرفع الأسعار والآخر ضده. ونجحت السعودية ودول الخليج العربي في الإبقاء على نفس معدل الإنتاج مما يعني استمرار انخفاض الأسعار خلال الأيام القادمة، بسبب استمرار ارتفاع النسبة المعروضة في السوق، مقابل الهبوط في الطلب.

ونجح وزير البترول السعودي "علي النعيمي" في إقناع دول المنظمة أنه إذا نجحت المنظمة في رفع سعر النفط في العالم بتخفيض الإنتاج فإن ذلك سيساعد في تحسين صورة الربح الناتج عن الصخر الزيتي الذي تنتجه الولايات المتحدة الأمريكية، وسيعمل ذلك على تشجيع الحفارات الأمريكية لضخ المزيد من الإمدادات في السوق العالمية، مما يجبر دول المنظمة عاجلاً أم آجلاً على زيادة الإنتاج لتبقى أسعار منتجاتهم رخيصة وبذلك تحفظ للمنظمة نصيبها في السوق.

ويتوقع مراقبون بأن يستمر الهبوط طالما حافظت أوبك على إنتاجها، مالم يشهد موسم الشتاء في أوروبا والولايات المتحدة موجة برد قارس ترفع الطلب على المحروقات، وبالتالي تزيد من الطلب العالمي على النفط.

وبحسب الأسعار التي سجلت بعد قرار أوبك، فإن أسعار الخام تكون قد تراجعت بنسبة أكثر من 50 % من المستويات القياسية التي سجلت الصيف الماضي، إذ تجاوز "خام برنت" مستوى 114 دولار للبرميل في الـ15 من يونيو 2014، بينما سجل الخام الأميركي قد 106.76 دولار للبرميل يوم الثامن من يونيو 2014.

وترجع كل التحليلات السابقة إلى لغة القوى الإقتصادية، لكن البُعد الآخر من المسألة سياسي بحت، فقد اعتبر البعض أن ما يحدث من قِبل السعودية الآن بصفتها متزعمة الأطراف الداعية للحفاظ على نفس نسبة الإنتاج ماهو إلا "مؤامرة"سياسية تمارسها السعودية مع أمريكا بغرض إيقاع الضرر بإقتصاديات إيران وروسيا، وأن الأمر أشبه بتوافق الثمانيننيات الذي هبط بأسعار النفط إلى مستوى كاد يقوض اقتصاد الاتحاد السوفيتي وإيران، وساهم في النهاية في الإسراع بالانسحاب السوفيتي من أفغانستان وقبول طهران بوقف إطلاق النار في الحرب مع العراق.

وتحاول السعودية التضييق على إيران بالأخص وذلك بتقليل سعر النفط العالمي مما يقلل من مدخلات إيران من النفط فيزيد ذلك من أزمتها الإقتصادية ويزيد كذلك من معدلات التضخم في إيران. ويرى البعض أن المملكة العربية السعودية تقوم بهذا لكي تحتفظ لنفسها بنصيب الأسد في الشرق الأوسط.

وهذا ما تنبأت به الإدارة في طهران والتي ضغطت في اتجاه خفض إنتاج النفط فقالت قبل الاجتماع بأنه على الدول غير الأعضاء في أوبك المشاركة في خفض الانتاج. وقد صرّح "بيجان نامدار" وزير البترول الإيراني للصحفيين قبل البارحة الأربعاء، أن التعامل مع الزيادة المتنامية من عرض السوق لن يقع على كاهل المنظمة فقط وأنه على المنتجين من خارج أوبك بحاجة للتعاون لتخفيض انتاج النفط. وأضاف " للتعامل مع هذا الوضع نحن بحاجة إلى مساهمة من هم خارج أوبك لإدارة السوق". الأمر الذي لم يتم في النهاية.

والحال نفسه عند فنزويلا والتي اقترحت خفض حاد للإنتاج لأنها تحتاج إلى أن تصل أسعار النفط إلى سعر 117،50 دولار للبرميل لتحقيق التوازن في الميزانية الحكومية في العام المقبل. وصرّح وزير الخارجية الفنزويلي "رفاييل راميريز" للصحفيين أن بلاده ترى ضرورة تخفيض مليوني برميل من الإنتاج اليومي في السوق.

وفي نفس السياق، انخفضت قيمة الروبل الروسي إلى مستويات جديدة صباح اليوم الجمعة، جاء هذا الانخفاض في العملة الروسية بسبب رفض أوبك خفض الانتاج.

وهبط الروبل إلى أدنى مستوى له على الاطلاق عند 49.90 مقابل الدولار في الدقائق الأولى من بدء التداول في بورصة موسكو صباح اليوم، قبل أن يعود ليتعافى قليلاً إلى 49.57 ليصل إلى إلى أقل انخفاض هذا العام بنسبة 34% مقابل الدولار.

وكان البنك المركزي الروسي قد أتاح تعويم الروبل بحرية أمام الدولار واليورو منذ أوائل نوفمبر في تدخل مسبق من شأنه أن يحد من خسائر العملة، الأمر الذي يراه البنك ضرورياً لضمان الاستقرار المالي في روسيا.

من جهة أخرى، فإن السعودية -العضو الأكبر في أوبك- تلجأ لسحب الاحتياطي النقدي لها من المؤسسات النقدية لتعويض الانخفاض الكبير في دخلها من النفط في إطار دعمها لهذا الانخفاض الهائل في الأسعار مقابل الاستمرار في الإنتاج.

وكانت السعودية قد سحبت ما قيمته 50 مليار (13.3 مليار دولار) من مؤسسة النقد العربي "ساما"، إذ يعدّ هذا السحب هوالأول من نوعه منذ 5 سنوات.

ويبدو أن آثار انخفاض أسعار النفط سوف تكون أكثر ضررًا من التفاؤل الذي يتعامل به المسؤولون السعوديون خصوصاً "على النعيمي" وزير البترول مع الأزمة، إذ يبلغ نصيب القطاع النفطي 47% من الناتج المحلي للدولة النفطية المصدرة الأولى في العالم؛ مما يعني أن إقتصاد المملكة سوف يتأثر بشكل كبير جدًا إذا ما استمر انخفاض الأسعار بهذه الوتيرة، أو على الأقل إذا ما استمرت الأسعار على هذا الثبات من الانخفاض.

وأعرب الأمير "الوليد بن طلال" في رسالة مفتوحة إلى وزير البترول السعودي  ووزراء آخرين في أكتوبر الماضي عن دهشته من تقليل "النعيمي" من الآثار السلبية التي تقع على المملكة بسبب انخفاض أسعار النفط: "نود أن نعبر عن دهشتنا واستغرابنا بل واستنكارنا لتصريحات نقلت عن النعيمي وتهدف إلى التقليل أو التهوين من الآثار السلبية الكبيرة التي ستلحق بميزانية واقتصاد المملكة العربية السعودية من جراء التراجع الكبير في أسعار النفط".