تستمر المواجهات وسط مدينة عتق، عاصمة محافظة شبوة جنوب شرقي اليمن، بين القوات الموالية للحكومة وميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة إماراتيًّا، وسط سقوط قتلى وجرحى من الطرفَين وفي صفوف المدنيين.

اشتعلت شرارة القتال بين الطرفَين عقب نصب قوات دفاع شبوة، التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات، كمين مسلح على أحد مداخل مدينة عتق لقائد قوات التدخل السريع، الرائد أحمد لشقم العولقي، قائد كتيبة الطوارئ بمحور عتق، وأردته قتيلًا مع مرافقيه. 

ويعيش السكان في مدينة عتق حالة من الرعب، حيث تحوّلوا إلى سجناء داخل منازلهم، من دون ماء ولا طعام، فالمسلحون والقنّاصون من الطرفَين ينتشرون على أسطح المنازل، فضلًا عن اندلاع المواجهات في الكثير من شوارع وحارات مدينة عتق. 

المحافظ عوض بن الوزير يواصل التحشيد للقتال، وإصدار أوامره للقوات الموالية للمجلس الانتقالي، والتي تُسمّى دفاع شبوة، ومجاميع من قوات العمالقة بمواصلة القتال

ولا توجد إحصائية دقيقة بأعداد القتلى والجرحى، لكن مصادر محلية أكّدت لـ"نون بوست" مقتل نحو 5 مدنيين، فضلًا عن إصابة العشرات من الطرفَين وفي أوساط السكان. 

يشرح لنا عبد الله قايد الوضع هناك، مؤكّدًا أن المواجهات ما تلبث أن تهدأ حتى تعود من جديد، مؤكدًا أنه لا يستطيع الخروج من منزله لشراء الطعام والشراب، ولفت إلى أنهم يعيشون حياة مرعبة، ولا يستطيعون النوم من الخوف مع سماع أصوات البنادق والأسلحة الثقيلة، التي يهزّ دويها أرجاء المدينة.

بعد حالة من الاستقرار شهدتها المحافظة في ظل محافظها السابق محمد صالح بن عديو، المناهض لمشاريع الإمارات والمطالِب برحيل قواتها من المحافظة، مارست أبوظبي ضغوطًا على الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي لتغييره، فعيّن عوض بن الوزير الموالي لها نهاية العام الماضي، والذي يسعى لتسليم المحافظة للميليشيات المدعومة إماراتيًّا. 

وفي ظل المطالبات بوقف إطلاق النار، تؤكد مصادر عسكرية لـ"نون بوست" أن المحافظ عوض بن الوزير يواصل التحشيد للقتال، وإصدار أوامره للقوات الموالية للمجلس الانتقالي، والتي تُسمّى دفاع شبوة، ومجاميع من قوات العمالقة بمواصلة القتال. 

قرارات المجلس الرئاسي تزيد الطين بلة 

في الوقت الذي يقول المجلس الرئاسي إن قرارات أصدرها لمحاولة احتواء المواجهات، يتّهمه مراقبون بإذكاء الصراع في شبوة.

وعقب إقالة مجلس القيادة الرئاسي قائد محور عتق قائد اللواء 30 العميد عزير ناصر العتيقي، ومدير عام شرطة محافظة شبوة العميد عوض مسعود الدحبول، وقائد فرع قوات الأمن الخاصة العميد عبد ربه محمد لعكب، وأيضًا قائد اللواء الثاني دفاع شبوة العقيد وجدي باعوم الخليفي؛ عُيّن مساء الاثنين العميد الركن عادل علي بن علي هادي قائدًا لمحور عتق وقائدًا للواء 30 مدرع، كما عُيّن العقيد مهيم سعيد محمد ناصر قائدًا لقوات الأمن الخاصة فرع محافظة شبوة، وفي السياق عيّن رئيس الحكومة، معين عبد الملك، العميد الركن فؤاد محمد سالم النسي مديرًا عامًّا لشرطة محافظة شبوة.


وحذّر المجلس الرئاسي في اجتماع طارئ من تبعات أحداث محافظة شبوة، التي وصفها بـ"المؤسفة"، على الجبهة الداخلية ووحدة الصف في معركة استعادة الدولة ومواجهة جماعة الحوثيين، إضافة إلى تداعياتها الاقتصادية والإنسانية وزيادة معاناة المواطنين.

ويرى مراقبون أن القرارات زادت الطين بلة، وأنها تصبّ في صالح المجلس الانتقالي المدعوم إماراتيًّا، والمحافظ عوض بن الوزير عدّها انتصارًا له وبدأ بالتحشيد لاقتحام معسكر قوات الأمن الخاصة ومنزل قائدها عبد ربه لعكب.

وبعد ساعات من الهدوء النسبي الذي شهدته المحافظة مساء الاثنين، تجددت الاشتباكات صباح الثلاثاء في مدينة عتق مركز محافظة شبوة، بين قوات الجيش من جهة وقوات دفاع شبوة والعمالقة المدعومة من الإمارات من جهة أخرى، لا سيما في معسكر النجدة الذي تحاول قوات العمالقة السيطرة عليه، وبدأت باستهدافه من مواقعها في مستشفى الهيئة بالمدينة.

اعتبر وزير النقل السابق أن ما يحدث في شبوة يأتي في سياق مخطط سعودي إماراتي لإبعاد القيادات الوطنية من مفاصل الدولة

وشهدت المدينة هدوءًا نسبيًّا عقب القرارات الرئاسية، لكن رغم ذلك ووفق مصادر أمنية، فإن المحافظ أمرَ باستئناف القتال في مدينة عتق مع وصول تعزيزات عسكرية جديدة إلى المدينة، في مخالفة لقرار المجلس الرئاسي بوقف التحشيد وعدم استئناف القتال. 

الشرارة الأولى للنزاع اشتعلت في الـ 19 من الشهر الماضي، إثر تعرُّض قائد قوات الأمن الخاصة بالمحافظة، العميد عبد ربه لعكب، لمحاولة اغتيال على يد قوات دفاع شبوة، تبعها قرار المحافظ بإقالة العميد لعكب، المعيَّن بقرار من رئيس الجمهورية، في خطوة وصفها وزير الداخلية، يوم الأحد، بغير القانونية، واعتبر القرار لاغيًا وعدّه تجاوزًا من المحافظ لصلاحيات السلطة المحلية.

شرعنة للميليشيات 

إلى ذلك، أكّد وزير النقل السابق صالح الجبواني، والذي ينتمي إلى محافظة شبوة، أن مجلس القيادة الرئاسي يشرعن للميليشيات المسلحة ويبرر لها تمردها، لافتًا أن قرارات المجلس منحازة للميليشيات على حساب قيادات الدولة، وأكّد ‎الجبواني أن محافظ شبوة استجاب لإملاءات الإمارات، وأصدر قرارًا بإقالة العميد لعكب رغم أنه ليس من مهامّه.‎

واعتبر وزير النقل السابق أن ما يحدث في شبوة يأتي في سياق مخطط سعودي إماراتي، لإبعاد القيادات الوطنية من مفاصل الدولة، وأن ذلك لا يستهدف شبوة فحسب، بل سيمتدّ إلى تمكين الميليشيات في محافظات أخرى، وهو مخطط مكشوف، وعلى الجميع التوحُّد لإفشاله.

أجندة سعودية إماراتية 

وفي السياق ذاته، قال صالح المهري أن ما حدث في محافظة شبوة ومدينة عتق، يدلّ على أن مهمة المجلس الرئاسي الذي شكّلته السعودية هو تسليم المحافظات الشرقية بالكامل للانتقالي، لاستكمال مشروع وأجندة ما وصفه بالاحتلال الإماراتي السعودي في اليمن. 

وأضاف: "ذات التمثيلية والقرارات التي صدرت في شبوة ستصدر في حضرموت وثم في ⁧‫المهرة‬⁩ من أجل تمكين التحالف السعودي الإماراتي الذي لن يخسر الكثير، فعملاؤه سيقومون بالمخططات ومرتزقته مستعدّون لضغط الزناد في صدور أبناء جلدتهم". 
 

مطالبة بإقالة المحافظ 

يتّهم الكثير من المناوئين للمجلس الانتقالي المطالِب بالانفصال، وأيضًا الموالين لحزب الإصلاح اليمني، بإشعال فتيل الفتنة بعد إقالة عبد ربه لعكب قائد القوات الخاصة، في قرار مخالف للدستور وليس من مهامّه، في الوقت الذي تقع مسؤولية الإقالة والتعيين على رئاسة البلاد ووزير الداخلية.

وفي تغريدة على تويتر تحت هاشتاغ "فتنة عوض تحرق شبوة"، أكّد بندر البكري أن محافظ شبوة، عوض بن الوزير، أتى من مخبأه في الخارج منتقمًا من ⁧‫محافظة شبوة‬⁩ ومن أبطالها الصامدين لسنوات طويلة، كما قال: "إن ‏السلوك الانتقامي للرجل يدمّر المحافظة التي كانت نموذجًا مشرفًا للشرعية في المحافظات المحررة".

وقال الصحفي اليمني علي العقبي إن فتنة عوض بن الوزير لم تقتصر على إحداث شرخ اجتماعي في محافظة ⁧‫شبوة‬⁩، بل امتدَّ أثرها إلى إحداث انقسام عميق داخل حراك الأقيال، الذي نشأ على أساس مواجهة جماعة الحوثيين ومشروعها العنصري باعتبارها العدو الوحيد لليمنيين.

وفي تغريدة أخرى، أضاف العقبي: "‏⁧‫أتمنى أن نكون مخطئين. حتى الآن، تمثل معظم القرارات الصادرة عن مجلس القيادة الرئاسي مكافأة للمتمردين على الدولة وإقصاء لمن وقفوا سدًّا منيعًا في طريق المشروع الإيراني". 

أكّد مختار الرحبي، مستشار وزارة الإعلام، أن شرعية عوض بن الوزير سقطت منذ أصبح طرفًا في الأزمة، وأصبح الآن زعيم ميليشيات يصدر توجيهات لقتل أبناء شبوة، ويستقوي بميليشيات من محافظة الضالع للتنكيل بكل أحرار وأبطال شبوة، وقال إن الأزمة لن تنتهي حتى تتمّ إقالة عوض بن الوزير.

حملة اعتقالات 

شهدت مدينة عتق حملة اعتقالات عنصرية للمواطنين الذين ينتمون إلى المحافظات الشمالية، من قبل القوات الموالية للمجلس الانتقالي الجنوبي المطالب بالانفصال، وتداولَ ناشطون فيديوهات قالوا إنها لحملة اعتقالات تشنّها قوات مدعومة إماراتيًّا ضد أبناء الشمال، حيث تُتَّهم بأنها تقف في صفّ القوات الحكومية والموالية لحزب الإصلاح. 

وأكّد الصحفي اليمني عبد الباسط الشاجع، أن عناصر من محافظة الضالع ومديرية يافع التابعة لمحافظة لحج، نصبت نقاط تفتيش في السوق القديم بمدينة عتق، وتشنّ حملة مداهمات للبيوت وتعمل على فرز مناطقي بالبطاقة الشخصية.

تمكّن حزب الإصلاح، في إطار الشرعية والمدعوم من السعودية، من التوغُّل في المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية في محافظة شبوة، على حساب حزب المؤتمر والمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًّا

وتعقيبًا على ذلك، يقول مختار الرحبي إن المعركة في شبوة ليست بين الشمال والجنوب كما يحاول أنصار الانتقالي تصويرها، وأضاف: "هي معركة بين رجال شبوة وميليشيات قادمة من الضالع ويافع، يريدون السيطرة على شبوة والتنكيل بكل شبواني بطل حر يرفض العنصرية والمناطقية، لكن شبوة قوية ولن تخضع لمشاريع القرية".

ودعا مستشار وزير الإعلام أبناء شبوة لحمل السلاح، وردع التعزيزات التي استقدمها المحافظ إلى شبوة، وقال: "من يستطيع أن يحمل السلاح لردع ميليشيات عيدروس الزبيدي وعوض بن الوزير، عليه فعل ذلك حتى لا تتحوّل شبوة إلى مكان للانتقام من أهلها". 

ودفع المجلس الرئاسي، يوم الثلاثاء، بوزيرَي الداخلية اللواء إبراهيم حيدان، والدفاع اللواء محسن الداعري، إلى مدينة عتق لاحتواء الصراع، وبحسب مصادر إعلامية فإن الوزيرَين وصلا إلى مدينة عتق للإشراف على تنفيذ قرارات المجلس الرئاسي، وتطبيع الأوضاع في المدينة بعد يوم دامٍ من المواجهات.

جذور الصراع 

تعدّ محافظة شبوة النفطية مركزًا للصراع الإقليمي، حيث إنها من أهم المناطق النفطية في اليمن، ويوجد فيها العديد من حقول النفط، وأيضًا منشأة بلحاف الأكبر في اليمن، والتي توقفت عن التصدير وباتت مقرًّا للقوات الإماراتية، فضلًا عن وجود الشركة النمساوية OMV التي عاودت تصدير النفط عام 2019. 

وتمكّن حزب الإصلاح، في إطار الشرعية والمدعوم من السعودية، من التوغُّل في المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية في محافظة شبوة، على حساب حزب المؤتمر والمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًّا، الذي حاول السيطرة على المحافظة خلال السنوات الماضية، لكنه فشل بذلك في ظل المحافظ السابق صالح بن عديو الرافض للتواجد الإماراتي، والذي وقف حجر عثرة أمام مشاريعها في المحافظة. 

كانت إزاحة المحافظ، حسب مراقبين، هي الخطوة الأولى لتسليم المحافظة للإمارات، وعقب ذلك حدثت تغيُّرات كثيرة في الإدارة المحلية لصالح الانتقالي والإمارات، ومن ثم المحاولة الأخيرة لإزاحة القيادات العسكرية والأمنية الموالية للحزب في المحافظة، وكانت النتيجة المواجهات الدائرة حاليًّا في المحافظة.