لم تشهد محافظة درعا جنوب سوريا أي استقرار أمني منذ استعادة نظام الأسد السيطرة عليها منتصف عام 2018، بعد حملة عسكرية دفعت فصائل المعارضة السورية هناك لتوقيع اتفاقات تسوية مع النظام.

إذ تعيش المحافظة على صفيح ساخن، نتيجة عملية اغتيال تنفّذها مجموعات مسلحة محلية ضد عناصر تابعة لقوات النظام وشخصيات موالية له، ردًّا على انتهاكات النظام بتصفية معارضين واعتقالهم عبر الأفرع الأمنية التابعة له من جهة، وميليشيات مسلحة محلية تتبع لإيران والفرقة الرابعة من جهة أخرى. 

ووثّق مكتب التوثيق في درعا في شهر يوليو/ تموز الماضي فقط مقتل 18 مدنيًّا، بينهم سيدتان وطفل، و62 عملية عسكرية أدّت إلى مقتل 42 شخصًا بينهم 27 من عناصر النظام، واعتقال 19 شخصًا، عدا من يُساق للخدمة الإلزامية في صفوف النظام، ما ينذر بتصاعد العنف في المحافظة بشكل أكبر.

تعزيزات عسكرية مكثّفة

في السابع من الشهر الحالي، أغسطس/ آب، اقتحمت قوات النظام عدة بلدات في المحافظة بحجّة البحث عن مطلوبين للأجهزة الأمنية، بعد انتهاء المهلة التي أعطاها ضباط النظام لوجهاء المنطقة لتسليمهم لهم في كل من مدن وبلدات طفس واليادودة وجاسم، أو إخراجهم من المناطق المذكورة، خلال اجتماع عُقد في صالة الملعب البلدي في مدينة درعا في 24 يوليو/ تموز الفائت.

ونالت الأحياء الجنوبية لبلدة طفس غرب درعا النصيب الأكبر من أعمال العنف، بعد استهداف منازل المدنيين بقذائف الدبابات والرشاشات الثقيلة، إذ يذكر المتحدث باسم "تجمع أحرار حوران" (مؤسسة إعلامية تنقل أحداث الجنوب السوري)، أيمن أبو نقطة، لـ"نون بوست" أن التعزيزات العسكرية شملت مئات عناصر المشاة ودبابات وسيارات دفع رباعي تحمل رشاشات مضادة للطيران وعربات شيلكا، وتوجّهت إلى عدة نقاط عسكرية، أبرزها طريق درعا-طفس، ومنطقة الري على طريق اليادودة-المزيريب نحو سد بلدة اليادودة، ومنطقة المفطرة بين اليادودة وحي الضاحية.

لافتًا أن انطلاق هذه التعزيزات بدأ من حي الضاحية بمدخل مدينة درعا الغربي، باتجاه منطقة المفطرة الواقعة جنوب اليادودة، وتوزّعت من هناك إلى طريق اليادودة-المزيريب، حيث تمَّ تثبيت حاجز مدجّج بالسلاح والآليات عند منطقة الري للتدقيق على البطاقات الشخصية.

ثم توجّهت تعزيزات أخرى إلى تل السمن القريب من مدينة طفس، وتل أم حوران بين نوى وجاسم، وطريق درعا-طفس، لتثبّت هناك 3 نقاط عسكرية، في محاولة لفصل طفس عن اليادودة وعتمان عن طريق التمركز بالمزارع المحيطة بطفس والأحياء الجنوبية لها.

وتابع أبو نقطة أن من بين المشاركين في هذه التعزيزات وعمليات التمركز، الفرقة 15، وقوات تابعة للأمن العسكري، واللواء 313 التابع للحرس الثوري الإيراني، ما أدّى إلى نزوح عشرات العائلات من الأحياء الجنوبية لطفس، خشية عمليات القتل والتصفية والاعتقال.

وتمَّ النزوح خاصة بعد حدوث اشتباكات متقطعة بين مطلوبين وقوات النظام المشاركة، اُستخدمت فيها عربات الشيلكا وقذائف المدفعية والهاون، ما نتج عنها مقتل مدني وإصابة العديد من السكان إصابات متفاوتة، إضافة إلى تضرُّر محاصيل الزراعية وممتلكات خاصة قُدِّرت بعشرات ملايين الليرات السورية.

اللجنة المركزية معطَّلة.. ومزارعون ووجهاء ينوبون عنها

تأتي استفزازات قوات النظام بعد يومَين فقط من حلّ اللجنة المركزية نفسها، إذ كانت تتولى مهمة التفاوض مع النظام والجانب الروسي باسم الأهالي منذ 4 سنوات، حيث استطاعت حينها التوصُّل إلى اتفاقات مع النظام والجانب الروسي جنّبت بلدات ومدن المحافظة عمليات عسكرية من قوات النظام، إلا أن قوات النظام تعمل على اختلاق الذرائع والأسباب لاقتحام المدن وترويع أهلها، وسلبهم ممتلكاتهم واعتقال شبانهم.

وضمّت اللجنة عددًا من وجهاء المحافظة، وشيوخ العشائر، وقياديين سابقين في المعارضة، وكانت أهم الملفات التي تناقشها مع طرف النظام والجانب الروسي، ملف المنشقين والمعتقلين، وعودة المهجّرين إلى قراهم وبلداتهم، والإشراف على ملفات التسوية والمصالحات.

وفي حديثه مع "نون بوست"، أكّد المتحدث باسم اللجنة المركزية المنحلّة في درعا، عدنان المسالمة، أن اللجنة المركزية حلّت نفسها بعد 4 سنوات من عملها، وبعد زوال الظروف القاهرة التي استدعت تشكيلها، إذ لم يبقَ حاجة لاستمرار عملها، لافتًا أن أعضاء اللجنة ما زالوا يعيشون بين أهلهم في درعا البلد.

واكتفى المسالمة بالقول إن هناك مطالب لم تتحقق حتى الآن بسبب سياسة النظام، ويوجد في درعا شباب مؤهّل لمتابعة الطريق، وبالتأكيد لن نتركهم لوحدهم.

خسائر زراعية بملايين الليرات

أدّت عمليات التمهيد والقصف والاقتحام لأحياء طفس الجنوبية المحيطة بالمدينة، والتي تزعّمتها الفرقة 15 قوات خاصة، والفرقة التاسعة دبابات، والفرقة الخامسة شيلكا، إلى نزوح عشرات الأهالي بدأ منذ يوم السبت 6 أغسطس/ آب، تاركين خلفهم أرزاقهم وبيوتهم ومشاريعهم ومحاصيلهم الزراعية، خشية عمليات المداهمة أو الإصابة أو التصفية أو الاعتقال. 

يروي أحد المزارعين المقيمين في محيط طفس، أن المحاصيل الزراعية تضرّرت جدًّا نتيجة نزوح عشرات الأسر، ومنع قوات النظام الأهالي والمزارعين من الذهاب إليها لسقاية مزروعاتهم والاعتناء بها، ما أدّى إلى تخريب عشرات الهكتارات من المحاصيل بسبب تعفيش عناصر النظام للأدوات والوسائل الزراعية من جهة، والتمهيد المدفعي ورشقات الشيلكا من جهة أخرى. 

وأضاف المُزارع، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أن عناصر النظام تتعمّد تخريب المحاصيل وتعفيش شبكات الري والرشّ، ومضخّات المياه والمعدّات والآليات الزراعية، من جرارات وسيارات ومنظومات الطاقة الشمسية، عبر التسلُّل لمزارع قريبة من نقاط تمركزها، ما أدّى إلى تسجيل خسائر بعشرات الملايين السورية.

وختم المُزارع حديثه بأنه تمّ تشكيل وفد من فلاحي ووجهاء طفس، وتوجّهوا إلى مدينة درعا لمقابلة المحافظ التابع لنظام الأسد، لؤي خريطة، يوم الأحد 7 أغسطس/ آب، بهدف طرح شكاوى المزارعين والمشاكل التي يتعرضون لها إثر تمركز قوات النظام في أراضيهم، حيث وعد بتسهيل أمور المزارعين وعدم التعرض لهم خلال عملهم في حقولهم الزراعية، إلا أن ذلك لم يكن إلا حبرًا على ورق، فما زالت التعزيزات العسكرية والآليات متمركزة في مزارعهم وبساتينهم.

مراوغة رغم خروج المطلوبين 

يشترط نظام الأسد لسحب آلياته وتعزيزاته من محيط مدينة طفس، التكفُّل بتسليمه عدد من المطلوبين، أو طردهم خارج المدينة، بالمقابل تمَّ تأليف لجنة من وجهاء ومزارعي مدينة طفس للتفاوض مع ضباط نظام الأسد، بعد حلّ اللجنة الأولى نفسها.

من جهته، نقل "تجمع أحرار حوران" عبر معرّفاته الرسمية عن اللجنة، يوم الثلاثاء 8 أغسطس/ آب، تأكيدات اللجنة بخروج عدد من الأشخاص من مدينة طفس، ممّن كان النظام يطالب بإخراجهم من المدينة ويتخذهم ذريعة للتصعيد، مضيفًا أن الردّ وصل من ضباط النظام للجنة بأنهم يتحقّقون من خروج الشخصيات المطلوبة من مدينة طفس.

ووفق التجمع، طالبَت اللجنةُ نظامَ الأسد بسحب التعزيزات العسكرية التي وصلت مؤخرًا إلى محيط طفس، وفكّ الحصار عن الأراضي الزراعية جنوب المدينة، إلا أن النظام لم يلتزم بسحب تعزيزاته العسكرية حتى تاريخ إعداد هذا التقرير. 

في السياق ذاته، يشكّك الصحفي أيمن أبو نقطة بمدى التزام النظام بسحب الآليات العسكرية والقوات التابعة له، خاصة أن له سابقة في نقض كل الاتفاقيات الماضية، كان آخرها الشهر الفائت، إذ عاد بتعزيزات عسكرية كبيرة وسط صمت من الجانب الروسي، ودون تحريك ساكن.

ويبدو أن نظام الأسد يحاول فرض فوضى أمنية في محافظة درعا، ما يعني عودتها مسرحًا لمواجهات عسكرية تبرّر للنظام وميليشياته الإيرانية تدخّلهما لإخضاعها وتقطيع أوصالها وسوق شبّابها للخدمة الإلزامية، والزجّ بهم في مناطق ساخنة سواء في البادية السورية أو محاور المنطقة الشمالية في ريف حلب وإدلب، فضلًا عن رغبة إيران الطاغية في إنهاء عقدة المحافظة التي شكّلتها في وجه مشاريعها التوسعية والتجارية، وفسح الطريق أمامها لنشر المخدرات وتأمين شحنات الكبتاغون عبر حدود المحافظة الجنوبية.