ربما لا يعرفه الكثيرون من أبناء الجيل الحالي، لكن الغرب يعرف قيمته جيدًا، فهو أحد القلائل الذين وضعوا الأُسُس الارتكازية لصناعة السلاح في العالم، فكان عَلَمًا في هذا المجال ويعود إليه الفضل في الكثير من الصناعات العسكرية التي تعتمد عليها جيوش الدول المتقدمة والنامية حتى هذا اليوم.

نجم الدين حسن الأحدب، أو كما يطلقون عليه "حسن الرمّاح" نسبة إلى براعته في صناعة الرمح واستخدامه ورميه، ولد في الشام لكن اختلف المؤرخون في تحديد موعد ميلاده، وإن كانت الأقوال الراجحة تشير إلى أنه كان في العقد الثاني من القرن الثالث عشر الميلادي، واحد من علماء المسلمين الأفذاذ، صاحب إنجازات خارقة وإسهامات لا يمكن طيّ صفحة النسيان عليها مهما تجاهلَته كتب التاريخ.

وفي هذا التقرير، من ملف "أعمدة منسية"، نلقي الضوء على هذا العَلَم الشامخ، فهو أول من اخترع القنابل المتفجّرة، وأول من دمج البارود بالنفط لصناعة الصاروخ، وتزخر المتاحف الهولندية بالكثير من أعماله الخالدة، إذ اعتبروه ثروة قومية، ويلقّبه أقرانه بـ"شهيد العلم" إذ قُتل حرقًا حين انفجر بيته وهو يجري تجاربه العلمية على المواد المتفجرة.. فمن هو الرمّاح؟

السياق التاريخي.. الحاجة أُمّ الاختراع

قبيل ولادة الرمّاح بسنوات معدودة، كانت ساحة الدولة الإسلامية تعاني من معارك طاحنة، فالأجواء عن بكرة أبيها كانت مفعمة بغبار الصراعات والنزاعات بين الأسر الحاكمة، البداية كانت مع الأيوبيين الذين حاربَ بعضهم بعضًا، بل وصل الأمر إلى تعاونهم مع الصليبيين ضد بعضهم في كثير من الأوقات، وهو ما كان له أثره السلبي على المناخ العام حينها.

وما أن انتهت الدولة الأيوبية حتى جاءت الدولة المملوكية التي لم تهنأ كثيرًا، إذ تعرضت عاصمة الخلافة، بغداد، إلى هجوم وحشي من التتار، ونشبت معركة عين جالوت الشهيرة عام 1260، تلك المعركة التي شارك فيها الرمّاح وزوّد الجيش بالمواد المتفجرة.

في تلك الأثناء دخلت البلدان الإسلامية في مواجهات مباشرة مع الإمارات الصليبية، فخاض الظاهر بيبرس ومعه جيش مدجّج بالسلاح معارك طاحنة مع الصليبين، وكان لأسرة الرمّاح بأكملها دورها المحوري في تغليب كفّة المسلمين في العديد من المعارك، إذ وضع اللبنة الأولى لبناء أول مصنع للسلاح والبارود، فكان نتيجة ذلك أن تحررت الكثير من الإمارات الإسلامية، على رأسها حيفا ويافا وصفد وقلقيلية في الأناضول وأنطاكيا، ثم طرابلس عام 1285.

صبَّ سلاطين الدولة الإسلامية في القرن الثالث عشر جُلَّ اهتمامهم في صناعة السلاح للأجواء سالفة الذكر.

في هذا المناخ المخضّب بدماء الصراعات وغبار المعارك، ازدهرت صناعة السلاح، كضرورة حتمية لدعم الجيش المسلم، وهنا ظهرت أسرة حسن الرمّاح، الذي كان جدّه واحدًا من أمهر صنّاع السلاح في الشام، تلك المهنة التي ورثها ابنه (والد نجم الدين) ثم ورثها حسن ذاته فيما بعد ليحقق فيها إسهامات لم يسبقها إليها غيره.

إنجازات الرمّاح في الأسلحة والمتفجرات

صبَّ سلاطين الدولة الإسلامية في القرن الثالث عشر جلَّ اهتمامهم بصناعة السلاح للأجواء سالفة الذكر، وهنا وجد الرمّاح ضالته، إذ استغلَّ هذا الاهتمام أيما استغلال، واضعًا كل خبراته وما تلقّاه على أيدي عمّه وخاله لتصنيع السلاح الذي يحدث الفارق، ويتقرّب من خلاله إلى الملك العادل وأخيه نجم الدين أيوب (الملك الصالح).

وكانت بداية إسهامات الرمّاح في مجال الفروسية وفنونها القتالية، وله في ذلك كتاب شهير يحمل اسم "الحرب فوق الخيل" أهداه للملك الصالح، ثم انتقل من فنون القتال إلى تصنيع السلاح، فكان صاحب اختراع القنبلة، وأول من دمج البارود بالنفط لصناعة الصاروخ، حينها كان يسمّى الصاروخ بـ"الطيار"، وفي بعض الكتابات كان يطلق عليه "الرمح الصيني".

ورغم أن البارود اختراع صيني في الأساس، وقد سبقه الصينيون في هذا الاكتشاف، إلا أنهم لم يكونوا على دراية بكيفية استخدامه بالشكل الملائم، كما أنهم فشلوا في التوصل إلى المعادلات الكيميائية الخاصة بنِسَب تحضيره ومعدّلاتها، حتى جاء الرمّاح ليكمل الحلقة المفقودة ويصبح بفضله البارود أحد أبرز المكونات الداخلة في المتفجرات.

وفي كتابه "الفروسية والمكائد الحربية"، الذي يُرجع المؤرّخون كتابته إلى ما بين عامَي 1270 و1280، قدّم العالم المسلم شرحًا مفصّلًا لصناعة البارود، وذلك باستخلاص ملح البارود من الطبيعة ثم تنقيته وتصنيعه في المختبرات، وقد أورد ما يزيد عن 100 مرحلة لصنع البارود المشتعل، وأكثر من 20 مرحلة لصناعة عدة أنواع من الصواريخ، مع إلقاء الضوء على كيفية الرمي بالمنجنيق (كرات اللهب المقذوفة)، مع إسهاماته الجليلة في "علم الحيل"، وهو العلم المعروف اليوم بالهندسة الميكانيكية.

يعدّ الرمّاح أول من وضع أُسُس صناعة "الطوربيد البحري".

كما يُنسب إليه فضل صناعة المدفع، وكانت البدايات من الخشب المعالَج الممسوك بالجلد، وفي كتابه "الحيل العسكرية" تناول كيفية استخدام المدفع والبارود، كما وضع تعريفات دقيقية للمكونات الصناعية العسكرية، ما زال يستعين بها علماء اليوم كما هو حال العالم الكيميائي الإنجليزي روجر بيكون، الذي نسبَ اختراع البارود إلى الرمّاح، وأنه أول من عرّف العالم إلى هذه المادة الخطيرة.

ويعدّ الرمّاح أول من وضع أُسُس صناعة "الطوربيد البحري"، حيث وضع أول تصميم له، وكان عبارة عن شكل بيضَوي أجوف وله زعانف من الجانبَين، وفي أعلاه أسطوانة بها بارود لدفعه فوق سطح الماء، وفي داخله النفط والبارود اللذان ينفجران فور الاصطدام بأي جسم معدني.

وكانت واشنطن خلال معرض "الطيران القومي ومتحف الفضاء" المتخصص في الأدوات الحربية، قد عرضت نموذجًا للطوربيد في بدايته الأولى سمّته "طوربيد الرمّاح"، وكان يُستخدم حينها لضرب سفن الفرنجة خلال صراعات الدول الإسلامية مع الإمارات الصليبية.

نهاية الإنجازات

على مدار حياته، نجح الرمّاح في تزويد صناعة السلاح في العالم بالعديد من الإسهامات التي لا تزال حاضرة حتى اليوم، ولا تزال مؤلفاته هي الحاضنة الأمّ لصناعات البارود والقنابل والصواريخ، فضلًا عن إنجازاته الهائلة في الفنون القتالية التي وثّقها في أكثر من مؤلف.

وللرمّاح -بجانب ما تمَّ ذكره- العديد من المؤلفات الأخرى، أبرزها "غاية المقصود من العلم والعمل به"، "نهاية السؤال والأمنية في تعلم الفروسية"، "البنود فى معرفة الفروسية"، "الفروسية والمكائد الحربية" بجانب "الفروسية في رسم الجهاد"، وهو المؤلف المتواجد حاليًّا في متاحف باريس، وليس هناك نسخة منه في أي من البلدان العربية والإسلامية.

وبعد مسيرة خالدة بالإنجازات، لقيَ العالم المبدع حتفه داخل معمله الخاص في منزله، حيث انفجر به أثناء إجرائه تجربة على البارود، وكان ذلك عام 1294، ورغم فظاعة النهاية التي وثّقت حجم إيمان الرجل بالعلم والتضحية في سبيله، إلا أن الصدمة الأكبر كانت بعد الوفاة. 

عالم كهذا بكل تلك الإنجازات لا يمكن أن يمرَّ موته مرور الكرام، فلا بدَّ لهذا المداد العلمي أن يخلَّد.

ومن المفارقات العجيبة أن ملوك الإمارات الإسلامية لم يعبأوا -حتى من منظور شخصي- بوفاة الرمّاح، الذي قضى جُلَّ عمره في خدمتهم، مقدمًا لهم خدمات جليلة في صناعة السلاح كانت سببًا رئيسيًّا في بقائهم فوق كراسي الحكم، الأمر ذاته تكرر مع مؤلفاته التي تمَّ تجاهلها، ولولا تواجُد نسخة منها في المكتبات الأوروبية لما عرف أحد شيئًا عن هذا العالم.

وهكذا استطاع نجم الدين حسن الأحدب أن يحفر اسم العرب في سجلّات المساهمين في إثراء الحضارة الإنسانية، وأن يضعهم فوق منصات الإشادة والحضور التاريخي، إلى جانب أقرانه من العلماء والمخترعين ممّن جعلوا العرب والمسلمين علامة صعبة وفارقة في معادلة العلم البشري.

وكما هو متعارف عليه منطقيًّا، فإن عالم كهذا بكل تلك الإنجازات لا يمكن أن يمرَّ موته مرور الكرام، فلا بدَّ لهذا المداد العلمي أن يخلَّد، ولا بدَّ لهذا الهرم الشامخ أن يمجَّد، لكن ما حدث كان النقيض تمامًا، حيث انشغل الأمراء والملوك بحروبهم وصراعاتهم الخاصة وتمَّ تجاهل الرجل وعلمه، ليلقى الشهادة مرتَين كما يقول المؤرّخون، مرة داخل منزله وهو يجري أبحاثه، وأخرى بعد وفاته حين تجاهله الجميع وهمّشوا سيرته.