غلق عشرات الآلاف من مزارع الدواجن بسبب نقص الأعلاف وارتفاع أسعارها

أحدثت مقاطع الفيديو المتداولة لعمليات "إعدامات" بالجملة لمئات الدواجن الصغيرة "الكتاكيت" في بعض المحافظات المصرية صدمةً كبيرةً للشارع المصري الذي انقسم إزائها بين متعاطف في ضوء الأزمة التي يواجهها العاملون في مجال تربية الدواجن ومندد لما حملته من مشاهد قاسية ورسائل سلبية عن وضع أحد أركان الاقتصاد الوطني المصري.

وبعيدًا عن ردود الفعل بعد تلك الواقعة، فإن المؤكد هو ما تواجهه الثروة الداجنة في مصر من أزمات طاحنة تهدد تلك الصناعة التي يصنفها البعض كأحد أبرز أركان ما يسمى بـ"اقتصاد الغلابة"، بسبب نقص الأعلاف وارتفاع سعرها بمعدلات جنونية تفوق قدرات متوسطي ومحدودي الداخل العاملين في هذا القطاع.

وكان من إرهاصات الأزمة الحاليّة أن ارتفع سعر كرتونة البيض في الأسواق المصرية من 35 جنيهًا في شهر يناير/كانون الأول الماضي إلى 90 جنيهًا خلال الأيام الأخيرة، فيما ارتفع سعر كيلو الدواجن البيضاء من 28 جنيهًا إلى أكثر من 40 جنيهًا حاليًّا، وهو ما أثر بطبيعة الحال على احتياجات المصريين من البروتين الذي تشكل الدواجن الجزء الأكبر منه في ظل غلو أسعار اللحوم الحمراء التي فاقت قدرات متوسطي الدخل.

ووفق التقديرات فإن هناك أكثر من 25 ألف مزرعة توقف العمل بها خلال الأيام الماضية بعد انتهاء مخزون البلاد من الأعلاف، فيما تذهب المؤشرات الميدانية إلى أن العدد أكبر من ذلك بكثير خاصة بعدما قفزت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة وهي الأزمة التي لم يشهدها القطاع الداجني في مصر على مدار تاريخه حتى إبان وباء إنفلونزا الطيور 2009 وتهدد مستقبله بالكلية.

الثروة الداجنة في أرقام

يبلغ إجمالي المنشآت الداجنة في مصر (المزارع ومصانع الأعلاف والمجازر ومنافذ بيع الأدوية البيطرية) نحو 38 ألف منشأة تتجاوز استثماراتها حاجز الـ100 مليار جنيه (5.1 مليار دولار)، فيما يصل معدل الإنتاج السنوي من هذا القطاع 1.4 مليار دجاجة و13 مليار بيضة تكفي لسد 95% من احتياجات المصريين فيما يتم توفير الجزء المتبقي من الخارج.

ويستوعب هذا القطاع أكثر من 3 ملايين عامل وأضعاف هذا الرقم في المجالات المرتبطة به، فضلًا عن أنه يعد أحد أبرز المؤشرات على الحالة الاقتصادية المصرية كونه يلبي طموح السواد الأعظم من المصريين الراغبين في إقامة مشروعات قليلة التكلفة وسريعة العائد، إذ يجني العاملون في الصناعة الداجنة حصادهم كل 45 يومًا.

نائب رئيس اتحاد منتجي الدواجن في مصر: عدد الكتاكيت التي أعدمت خلال الأيام الماضية يتخطى حاجز المليون كتكوت، بما نسبته 5-10% من إجمالي صغار الدواجن في البلاد

وظلت الثروة الداجنة لسنوات طويلة الملجأ لكثير من المصريين، وكانت الدولة قد أبدت مرونة كبيرة في السماح لصغار المنتجين بإقامة مشروعاتهم فوق أسطح المنازل وفي الأراضي الزراعية وبجوار المنازل، كأحد مفردات الاقتصاد الموازي الذي كان يسد جزءًا كبيرًا من العجز السنوي للبلاد دون تحميل الدولة أعباء إضافية.

وقد أحدث انخراط قطاع كبير من المصريين لا سيما في الأقاليم والأرياف في هذا النوع من الاستثمار في إنعاش الحالة المعيشية لمحافظات الدلتا تحديدًا المؤهلة بيئيًا ومناخيًا لإقامة مثل تلك المشروعات بأقل تكلفة ممكنة، ولطالما شهدت مصر هزات عنيفة في منسوب البطالة مع كل أزمة تواجه مثل تلك القطاعات الثرية بالعمالة كالدواجن والعقارات وغيرها.

ليست حالات فردية

رغم تعدد المقاطع المصورة لحالات إعدام جماعي للكتاكيت في بعض المحافظات المصرية، فإن وزير الزراعة واستصلاح الأراضي المصري السيد القصير، أصر على أن كل تلك المقاطع هي في الأصل مقطع واحد يتم ترويجه من أكثر من اتجاه، منوهًا أنها "حالة فردية".

وبعيدًا عن دراسة الأزمة ومحاولة الوقوف على أسبابها الفعلية في محاولة لعلاجها خرج الوزير - كعادة الخطاب السياسي المصري خلال الآونة الأخيرة - ليؤكد في تصريحات متلفزة له أنه لا يعرف مصدر هذه المقاطع المصورة، محملًا ما أسماه "أهل الشر" (التعبير المعتاد استخدامه من الرئيس المصري لتبرير القصور في بعض القطاعات) مسؤولية انتشار الفيديو في محاولة للتأثير على هذه الصناعة.

وردًا على الوزير أكد نائب رئيس اتحاد منتجي الدواجن في مصر، ثروت الزيني، أن عدد الكتاكيت التي تم إعدامها خلال الأيام الماضية يتخطى حاجز المليون كتكوت، بما نسبته 5-10% من إجمالي صغار الدواجن في البلاد، لافتًا عبر مداخلة هاتفية ببرنامج "صالة التحرير" المذاع عبر قناة "صدى البلد" أن 60% من الدواجن الآن مع صغار المربين، ومن ثم لا يمكن حصر أرقام الإعدامات بشكل دقيق.

يقول بسيوني (40 عامًا) صاحب مزرعة دواجن في محافظة الدقهلية (شرق) إنه علق العمل بالمزرعة الأيام الماضية بعدما وصل سعر شيكارة العلف إلى 850 جنيهًا بعدما كانت قبل أشهر قليلة بـ120 جنيهًا، بزيادة تقترب من 700%، الأمر الذي يفوق قدراته المادية في الوقت الراهن على حسب قوله.

تستورد مصر 75% من الأعلاف والمواد المستخدمة في صناعة الدواجن فيما لا تنتج من احتياجتها إلا 25% فقط، وفي ظل الأزمة الأخيرة اضطرت عشرات آلاف المزارع لتعليق العمل بها، حيث يحتاج القطاع إلى 25 ألف طن يوميًا من الذرة والصويا

وكشف الشاب المصري الذي يعول أسرة مكونة من 6 أفراد خلال حديثه لـ"نون بوست" أن مزرعته التي تستوعب 2500 كتكوت كانت توفر له كل 45 يومًا ما بين 6-9 آلاف جنيه، لكن مع ارتفاع أسعار الأعلاف وصعوبة الحصول عليها سيحول المكسب إلى خسارة، خاصة بعد عزوف البعض عن شراء الدجاج بسبب أسعاره المرتفعة.

أما "محسن. س" وهو رجل أعمال لديه 10 مزارع لتربية الدجاج فأوضح أنه أغلق 5 منها وأبقى على 5 بسبب الأعلاف وتكلفة العمالة العالية، منوهًا في حديثه لـ"نون بوست" أن ما يمر به قطاع الدواجن أزمة عالمية في المقام الأول، لكن الوضع في مصر أكثر صعوبة بسبب ما وصفه "تعنت" الحكومة وحجزها للأعلاف في الجمارك والموانئ بسبب الإفراجات الجمركية، منوهًا أن الأمر لو استمر على هذا المنوال سيضطر إلى غلق كل المزارع بما يطيح بأكثر من 100 أسرة إلى أرصفة البطالة.

أزمة الأعلاف والدولار

تستورد مصر 75% من الأعلاف والمواد المستخدمة في صناعة الدواجن فيما لا تنتج من احتياجاتها إلا 25% فقط، وفي ظل الأزمة الأخيرة اضطرت عشرات آلاف المزارع لتعليق العمل بها، حيث يحتاج القطاع إلى 25 ألف طن يوميًا من الذرة والصويا.

واعتمد المربيون خلال الأشهر الماضية على المخزون الموجود من الأعلاف، لكن بعد انتهائه توجهت الدفة نحو الاستيراد من الخارج، لتواجهها معضلة العملة الصعبة وتموجات أسعارها المتضاربة داخليًا، ما زاد من تفاقم الوضع ووصل إلى هذه المرحلة الحرجة التي أُضطر معها المربون إلى قتل الكتاكيت لعدم وجود الأعلاف.

وبجانب ارتفاع أسعار الدولار (الدولار يساوي 19.65 جنيه) وتداعياته على الاستيراد فإنه مما زاد من وقع الأزمة احتجاز السلطات المصرية قرابة مليوني من الأعلاف في الموانئ بسبب الإفراجات البنكية، وهو ما دفع رئيس الاتحاد العام لمنتجي الدواجن محمود العناني بمطالبة الحكومة بإطلاق سراح الأعلاف على التوالي خلال الفترة المقبلة وإبداء المرونة في منح الإفراجات البنكية لإنقاذ الوضع قبل تفاقمه.

وأضاف العناني خلال تصريحات متلفزة له أن ضوابط استخدام الدولار في مصر خلال الفترة الماضية كانت سببًا رئيسيًا في ضعف الإفراجات البنكية عن شحنات الأعلاف المستوردة، مؤكدًا ضرورة التعاون بين الاتحاد والحكومة للبحث عن مخارج سريعة لضخ الكميات المحجوزة في الأسواق في أقرب وقت ممكن.

بعدما كانت صناعة الدواجن في مصر واحدة من أكثر الصناعات استقرارًا في السوق، وأكثر المجالات إغراءً للاستثمارات الصغيرة، تحولت إلى سوق فوضوي خارج كل التوقعات وبعيدًا تمامًا عن السيطرة

وبالتوازي مع غضب الشارع كانت هناك تحركات برلمانية للحث على التحرك السريع لإنقاذ صناعة الدواجن من الانهيار، حيث وجه عضو مجلس النواب (البرلمان) عمرو درويش، بيانًا عاجلًا إلى رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، بشأن استمرار أزمة نقص أعلاف الدواجن في الأسواق بما يهدد هذه الصناعة المهمة، مضيفًا "عدم الإفراج عنها حتى الآن من الموانئ، دفع العديد من المربيين إلى إعدام الملايين من الكتاكيت لعدم وجود مشتريين، الأمر الذي يستلزم محاسبة المتسببين في الأزمة، والتحرك السريع من الحكومة لإنقاذ مكونات هذه الصناعة الإستراتيجية"، موضحًا أن السوق الداجني المحلي المصري يحتاج شهريًا إلى قرابة 500 ألف طن من الذرة الصفراء و250 ألف طن من فول الصويا.

من جانبه تقدم النائب أيمن محسب بطلب إحاطة عاجل إلى رئيس الحكومة ووزير الزراعة بشأن الأزمة ذاتها، لافتًا أن المقاطع المصورة التي تناقلتها وسائل الإعلام عن "مذابح الكتاكيت الجماعية" ستنعكس سلبًا عن تلك الصناعة الإستراتيجية وتهدد الأمن الغذائي المصري من اللحوم البيضاء، محذرًا من أن استمرار تلك الأزمة "يهدد مستقبل الثروة الداجنة في مصر".

إنقاذ ما يمكن إنقاذه

ردود الفعل التي شهدتها الساحة خلال الساعات الـ48 الأخيرة دفعت الحكومة إلى الإسراع بتبني خطة عاجلة لإنقاذ الوضع قبل انهيار القطاع برمته، ومن ثم كانت هناك تحركات من رئيس الحكومة ووزير الزراعة ومحافظ البنك المركزي لتوفير العملة الأجنبية لحل أزمة احتجاز الأعلاف في الموانئ المصرية.

ووفق بيان رسمي صادر عن الاتحاد العام لمنتجي الدواجن فإن هناك تدخلات ومباحثات رسمية مكثفة أسفرت عن تلقيهم إفادات ببدء الإفراج عن شحنات الذرة والصويا المحتجزة، فيما يُجرى دراسة تعزيز الزراعة التعاقدية مع المزارعين بشأن محصول الذرة الموسم القادم، وهو ما سيساهم في توفير كميات كبيرة من المحصول تعفي الدولة من الاستيراد نسبيًا.

كما تسعى الدولة إلى زيادة إنتاجها المحلي من الحبوب والذرة والصويا وكل الصناعات الداخلة في قطاع الدواجن، وفي مسار مواز تبذل مساعيها الحثيثة لضخ كميات كبيرة من البيض بأسعار مخفضة للمواطنين بما يساهم في حل الأزمة الحاليّة التي تسببت في فقدان الأسر المصرية مكون أساسي من مكونات موائدها البروتينية.

ثم يأتي دور الرقابة على مسار القطاع منذ بدايته حيث صناعة الأعلاف وجودتها والتزامها بالضوابط والشروط والمواصفات وصولًا إلى بيع الدواجن بالأسعار المحددة وذلك عبر لجان دورية من قطاع تنمية الثروة الحيوانية والداجنة وشرطة البيئة والمسطحات.

وبعدما كانت صناعة الدواجن في مصر واحدة من أكثر الصناعات استقرارًا في السوق، وأكثر المجالات إغراءً للاستثمارات الصغيرة، تحولت إلى سوق فوضوي خارج كل التوقعات وبعيدًا تمامًا عن السيطرة، وسط حالة من الترقب لما سيسفر عنه مخطط الإنعاش السريع الذي سيحدد بصورة كبيرة أي مصير سيواجه الثروة الداجنة في البلاد، مع الوضع في الاعتبار أنها لن تكون الصناعة الوحيدة التي ستواجه هذا المصير، فالأزمة الاقتصادية العالمية وخصوصية المشهد المصري بيئة مهيأة تمامًا في الوقت الحاليّ لتكرار ذات السيناريو مع مجالات أخرى إن لم يكن هناك تدخلات عاجلة.