تعدّ مملكة كِندّة، التي قامت في وسط الجزيرة العربية، أحد النماذج الوضّاءة على قوة القبيلة وتماسُكها وقدرتها على بناء مملكة ودولة مترامية الأطراف، إذ تُنسب في عُرف النسّابين إلى ثور بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن زيد بن عريب بن كهلان بن سبأ، حسبما نقل المؤرّخ العراقي جواد علي في موسوعته "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام".

واستطاعت تلك المملكة التي دام حكمها أكثر من 8 قرون كاملة (200ق.م-633م) أن تسيطر على معظم نجد والجزء الشمالي من شبة الجزيرة العربية، وكانت عاصمها قرية "ذات الكهل" (حاليًّا قرية الفاو في المملكة العربية السعودية)، وقد ورد اسمها في نصوص المسند، فيما ذهبت مصادر أخرى إلى أن موطن كندة الأصلي كان في جبال اليمن بعد حضرموت.

ديموغرافيًّا تنقسم المملكة إلى 3 أقسام، بنو معاوية الأكرمين، السكون والسكاسك، ويعيش المنحدرون من تلك القبيلة الكندية في حضرموت وجنوب وشمال السعودية، والعراق والكويت والإمارات وقطر، فيما كوّنوا قبائل أخرى بأسماء مغايرة لكنها منحدرة عن القبيلة الأمّ في الأساس، ومن بينها المطارفة، الصيعر، العفيف، الفخر، المناذرة، السعيد، المهدي، بني راس، بني السكون، المخاشن، الإلياس، والبلعبيد، كما أن هناك بعض القرى التي بناها ملوكها الأوائل لا تزال باقية حتى اليوم مثل قرية الفاو ودومة الجندل.

وقد بلغت كندة أوج قمّتها حين أصبحت المسؤول الأبرز عن تأمين طرق التجارة الرئيسية بين الشرق والغرب نظرًا إلى موقعها الاستراتيجي، بل تجاوزت في عنفوانها ومجدها ممالك المناذرة والغساسنة، لكنها رغم ذلك أُحيط تاريخها بالكثير من الغموض، وهو ما أرجعه الباحثون إلى أن أغلب عهدها كان في البادية ولم يكن لها آثار وفيرة ونصوص غزيرة، ما أقصاها عن معرفة المؤرخين الكلاسيكيين والبيزنطيين، فيما تطرّق آخرون لذكرها عرضيًّا وبشكل مختصر، مثلما جاء في كتابات بليني وبطليموس ونونوسوس وبروكوبيوس ومالالاس وثيوفانيس ويوشع.

الأصول التاريخية

تعددت الروايات التاريخية التي تطرّقت إلى أصل مملكة كندة، وجذور هذا الاسم تحديدًا، فمن الباحثين من قال إن كندة هذه هي "ثور" مؤسّس المملكة، ويقال إنه كنّد نعمة أبيه أي كفر بها، دون ذكر ما هي تلك النعمة التي كفر بها ثور ليُطلق اسمه على كل سلالته من بعده، وآخرون ذهبوا إلى أن كندة تعني أعلى قمة في الجبل، مستندين في ذلك إلى وصف المؤرخ بلينيوس الأكبر بأن أهل كندة كانوا يسكنون في "عين الجبل".

كشفت عدة مصادر أن كندة في جذورها قبيلة ضخمة العدد ظهر فيها ملوك وتفرّع منها قسم أقام له مملكة في وسط شبه الجزيرة العربية، واستمرت لأكثر من قرن من الزمان على أقل تقدير، من أوائل القرن الخامس الميلادي وحت أواسط القرن السادس الميلادي، فيما ذهبت أخرى إلى أنهم كانوا يحاربون إلى جانب جيوش ممالك الجنوب في اليمن منذ ذلك الوقت بكثير.

يختلف المؤرّخون في تحديد المكان الأول الذي قدمت منه تلك القبيلة إلى وسط شبه الجزيرة العربية، كما أشار أستاذ التاريخ بجامعة الملك سعود، عبد العزيز بن سعود العزي، في دراسته التاريخية الأثرية عن مملكة كندة، فمنهم من قال إنهم جاءوا من حضرموت، مستندين في هذا الرأي إلى أن كندة أصلًا تنتمي إلى قبائل الجنوب، وكانت هناك قبيلة في حضرموت بالاسم نفسه، كما أن أسماء الأشخاص الكنديين تماثل أسماء الجنوبيين مثل شراحيل وحجر.

ورأي آخر يقول إنها منسوبة إلى المنطقة الشمالية، حيث تنتسب إلى قبائل عدنان، فهي عدنانية النسب، كما ورد في رواية ابن الكلبي في كتابه "الافتراق"، التي تضع كندة في دهرها الأول مقيمة في غمر ذي كندة عالية نجد وأنها تنسب إلى عدنان، مستندة إلى تشابه الأسماء الكندية مع مثلها في الشمال مثل امرئ القيس وربيعة والحارث.

يقول المؤرخ العراقي جواد علي إن أول من ذكر كندة من المؤلفين الكلاسيكيين على وجه لا يقبل الشك أو الجدل هو نونوسوس، وذكر أنها وقبيلة مادينوي، أو كما يطلق عليها معد، من أشهر القبائل العربية عددًا ومكانة ويحكمها رجل واحد اسمه قيس، مع الوضع في الاعتبار أن ملوك كندة المعروفين ليس بينهم شخص يحمل اسم قيس.

من خلال هذا الاستعراض التاريخي يرجّح الباحث الأثري السعودي أن الموضع الأصلي لقبيلة كندة هو جنوب شبه الجزيرة العربية، وعلى وجه التحديد حضرموت، حيث هاجروا منها إلى وسط شبه الجزيرة في زمن قديم وكوّنوا مملكة لهم أسموها كندة، وبعد سقوطها رحلوا إلى الجنوب مرة أخرى.

ويعود تاريخ تلك المملكة وفق النقوش الأثرية إلى القرن الرابع قبل الميلاد، حيث قرية كاهل التي بات اسمها اليوم الفاو، وكاهل هو أكبر آلهة كندة ومذحج، وبحسب الباحث الأثري الأردني خالد بشير، فإن كندة ومعها مذحج كانتا قبليتَين يمنيتَين كبيرتَين في عهد مملكة سبأ خلال الألف الأولى قبل الميلاد.

وجزء كبير من هاتين القبيلتين، على الراجح كندة، توجّه شمالًا في القرن الرابع قبل الميلاد، مبتعدين عن الأراضي اليمنية الجبلية الخصبة باتجاه المناطق الجافة على مشارف الربع الخالي في المنطقة المعروفة باسم وادي الدواسر، وهناك أسّسوا مدينتهم التي عُرفت بعد ذلك باسم الفاو، والتي تحولت فيما بعد إلى عاصمة الكِنديين.

ويشير الباحث الأردني إلى أنه لم يجزم أحد من المؤرخين سبب التوجُّه شمالًا، مرجعًا ذلك كنتيجة لوقوع مواجهات مع سائر القبائل في مملكة سبأ، أو تخطيط من المملكة لتوسيع دائرة نفوذها شمالًا، بهدف حماية القوافل الخارجة من اليمن باتجاه العراق وبلاد فارس، حيث كانت مملكة كندة خط الاتصال الرئيسي بين الممالك اليمنية الجنوبية والشمالية.

مملكة كندة

ملوك كندة

في "تاريخ اليعقوبي" هناك 5 ملوك حكموا كندة قبل أن تصل لمرحلة ازدهارها الحقيقي على يد حجر آكل المرار، الذي يعدّه الباحثون أول ملك فعلي حكمَ المملكة، وهؤلاء الملوك الخمسة هم مرتع بن معاوية بن ثور، وحكم قرابة 20 عامًا، ثم تولى الحكم من بعده نجله ثور بن مرتع وحكم لمدة قصيرة، ثم خلفه ابنه معاوية ومن بعده حفيدة وهب بن الحارث الذي حكم 20 عامًا.

حجر بن عمرو الملقّب بـ"آكل المرار" تولى الحكم حوالي 480م، ويعدّه المؤرخون مؤسّس مملكة كندة، وقيل عن تسميته بآكل المرار عدة روايات أبرزها التي تذكر أن ابنة له سباها ملك من ملوك سليح كان يُسمّى زياد بن هبولة، فقالت الابنة لخاطفها: "كأنك بأبي قد جاء كأنه جمل أكل المرار" تعني مكشّرًا عن أنيابه، ورواية أخرى تشير إلى أنه كان في سفر مع أصحابه فأصابهم الجوع إلا هو فأكل المرار حتى شبع.

وتشير الروايات إلى أن هذا الملك استطاع في منتصف القرن الخامس عشر إعادة الازدهار لمملكة كندة ووحدتها من خلال حزمة من السياسات التي اتّبعها، كإبرامه تعاهدات واتفاقيات مع القبائل القوية الموجودة في ذلك الوقت قوّى بها مملكته وأعاد هيبتها مرة أخرى، وحين توفى آكل المرار عام 442م كانت مملكته تهيمن على معظم أجزاء شبه الجزيرة العربية.

وبعد وفاته خلفه في الحكم ولده عمرو المقصور، وقد شهدت المملكة في عهدة العديد من الغزوات وحارب الدولة البيزنطية، كما تطور الجيش في ولايته تطورًا كبيرًا، لكنه رغم ذلك لم يضم إلى المملكة أي مدن جديدة، لذا أُطلق عليه "المقصور" أي الذي اقتصر على ملك أبيه.

وبعد وفاة المقصور عام 490م خلفه نجله الحارث بن عمرو، ويعدّ أطول حكّام كندة حيث تجاوز الـ 60 عامًا على رأس السلطة (هناك اختلاف بين الباحثين بشأن تلك الفترة وبعضهم يرى أنه مبالغ فيها)، وفي عهده شهدت البلاد توسّعات كبيرة حيث ضمَّ أجزاء من اليمن وشرقي شبه الجزيرة بأكملها وشمالها وشمالها الغربي، ويرى بعض الباحثين أن سلطته شملت القبائل العربية المنتشرة بين سوريا والعراق.

وفي عام 528م قُتل الحارث ليتولى مكانه ابنه حجر، الذي كان مسؤولًا حينها عن جمع الإتاوات من بعض القبائل التي كانت تحت سيطرة كندة، وما إن تولّى الحكم ظهرت بعض حركات التمرد من تلك القبائل، ما دفعه لشنّ هجمات ضدهم لا سيما في نجد، وأسر بعض شيوخهم، ما استفزهم فانقضّوا عليه وقتلوه، وقيل إن قاتله هو علباء بن الحارث الكلبي، ليتولى ابنه امرؤ القيس (جد الشاعر الشهير امرؤ القيس) الحكم خلفًا له، وكان مقرّبًا من بيزنطة وإمبراطورها جستين الأول.

واصلت المملكة في عهد امرئ القيس ازدهارها المعهود لتنافس بذلك الغساسنة في الشام، مقدّمًا مملكته باعتبارها بديلًا محتملًا لهم في حماية مصالح الإمبراطورية البيزنطية، وفي تلك الأثناء كانت مملكة أكسوم الحبشية قد تعرّضت لغزو مملكة حمير عام 525م، وهي التي كانت تمثّل الداعم الأكبر لمملكة كندة لتفقد الأخيرة أحد مصادر قوتها ما تسبّب مع مرور الوقت في إضعافها، وبحلول منتصف القرن السادس كانت القبائل العدنانية في نجد والحجاز قد تمكّنت من التغلب عليها وإخضاعها.

الاقتصاد.. تأمين التجارة بين اليمن وبلاد الرافدين وفارس

البعثة الأثرية من وكالة الآثار والمتاحف السعودية، والتي قامت بمسح درب الحج العراقي ومن ضمنه منطقة وادي كندة عام 1977، توصّلت إلى أن هناك بركًا مائية وسدودًا وأودية كانت موجودة في موطن كندة في الفاو، ما يعني أن المملكة كانت ذات حيثية زراعية شاسعة وفقًا لأنظمة الريّ المتطورة.

لافتة إلى أن الكِنديين كانوا يمتلكون منظومة زراعة حديثة مقارنة بما كان عليه الوضع آنذاك، وهو سبب تجمع القبائل في تلك المناطق، حيث كان المعتاد أن تجتمع القبائل على الأودية التي كانت تطلق بأسماء القبائل التي تستقر بجانبها، مثل وادي كندة ووادي الدواسر.

كما أن الموقع الاستراتيجي للمملكة على الطريق التجاري الواصل ما بين اليمن ومدينة الجرهاء، التي كانت بمثابة المركز التجاري الرئيسي في شرق الجزيرة، ومنصة انطلاق القوافل باتجاه العراق وبلاد فارس، جعل الفاو محطة مهمة على طريق تلك القوافل من وإلى اليمن باتجاه الخليج وبلاد الرافدين والعكس.

وكانت الفاو عاصمة كندة هي نقطة التقاء التجار القادمين من الشرق إلى الغرب في الاتجاهين، ما أدّى إلى إنعاش حركة التجارة بين الكِنديين، إذ كانت القوافل المحمّلة بالبخور والتوابل والحبوب والأقمشة تنزل بها وتتاجر فيها، وهو ما انعكس بعد ذلك على المستوى المعيشي لأهل كندة التي باتت في المحصلة مركزًا اقتصاديًّا وسياسيًّا وحضاريًّا بارزًا في عمق الجزيرة العربيّة.

العمارة والفنون

تأثّرت العمارة الكندية كثيرًا بعمارة اليمن القديم، فأغلبية المنازل مكوّنة من طابقَين وبعضها يبلغ ارتفاعه أكثر من مترَين، أما المباني العامة وفي الأسواق فكانت تتجاوز 7 طوابق، وكانت تتميز الجدران برسوم ونقوشات متعددة، وكانت العاصمة الفاو تنقسم في عمارتها إلى منطقتَين، الأولى منطقة سكنية تشمل منازل وساحات وطرق وأغلبها طابق أو طابقَين، والثانية المنطقة التجارية وهي منطقة السوق الرئيسي وتضمّ خان القوافل وقصر الملك الذي كان يقع بجانب معبد المدينة.

الاكتشافات الأثرية الأخيرة عثرت على العديد من التماثيل التي تتشابه مع التماثيل اليونانية القديمة، بما في ذلك أنها تحتوي رموزًا ميثولوجية يونانية، وهو ما أثار حيرة الباحثين والعلماء الذين رجّحوا أن يكون هذا التشابه بسبب احتمالية أن يكون التجار نقلوا تلك التماثيل من اليونان خلال تنقلهم وترحالهم بين الشرق والغرب، أو تأثروا بها نتيجة الاحتكاك عبر التجار، مع الوضع في الاعتبار البُعد الجغرافي الشاسع بينها وبين مناطق تأثير الثقافة اليونانية، وهو اللغز الذي ما زال يحيّر العلماء حتى اليوم.

وعلى جدران معالم الفاو والأواني وفي سفوح الجبال المحيطة، كُتبت العديد من النقوش بالخط المسند اليمني التي توثق الحياة العامة هناك، النشاط التجاري، الحياة الاجتماعية والسياسية، العلاقات بين المملكة والممالك المجاورة، الطقوس الدينية والوثنية المنتشرة، تلك النقوش التي يعتبرها الباحثون وثيقة موضوعية لتفاصيل الحياة في ظل مملكة كندة.

ورغم التجاهل التأريخي لتلك المحطة التاريخية المهمة، إلا أن مملكة كندة نجحت لا سيما في مرحلتَيها الثانية والثالثة، تحديدًا بعد تولي "آكل المرار" الحكم، في أن تكون واحدة من القلاع الاقتصادية والسياسية المحورية في حضارة العرب القديمة، واستطاعت في سنوات معدودة أن تهيمن على الجزء الأكبر من شبه الجزيرة العربية.