تزايُد ظاهرة اختفاء الأطفال المهاجرين في أوروبا

استقبل العالم الذكرى الـ 22 لليوم العالمي للمهاجرين قبل أيام معدودة، وسط أجواء ضبابية بشأن أوضاع اللاجئين والمهاجرين التي قفزت أعدادهم لتصل إلى نحو 272 مليون شخص، يشكّلون قرابة 3.5% من سكان العالم وفق إحصاء الأمم المتحدة عام 2017.

أتت الذكرى أيضًا في ظلّ تفاقم ظاهرة اختفاء الأطفال المهاجرين، ففي تحقيق أجرته صحيفة "الغارديان" البريطانية بالتعاون مع مؤسسة Lost In Europe العام الماضي، كُشف عن فقدان 18 ألفًا و292 طفلًا خلال الفترة من يناير/ كانون الثاني 2018 حتى ديسمبر/ كانون الأول 2020، بما نسبته اختفاء نحو 17 طفلاً كل يوم في أوروبا.

تثير تلك الظاهرة المتفاقمة قلق الدول الأوروبية والمنظمات الأممية، خشية سقوط هؤلاء الصغار في شباك الجماعات الإجرامية وشبكات التهريب، بجانب القلق من استغلالهم في أعمال إرهابية، وهو ما دقّ ناقوس الخطر لتكثيف الجهود للبحث عن أسباب ودوافع هذا الاختفاء والعمل على تقنينه، من خلال بيئة تشريعية توفّر للأطفال الحماية والأمان، وتقيهم مغبّة المغامرة بالحياة عبر الهروب.

وطبقًا للإحصاءات، فقد زادت أعداد المهاجرين حول العالم خلال العقود الخمس الأخيرة بنحو 300%، حيث قفزت من 84 مليون مهاجر عام 1970 إلى 173 مليون عام 2000، ومنه إلى 191 مليون عام 2005 ونحو 222 مليون عام 2015، وصولًا إلى 272 مليون عام 2017.

مجهول الهوية

تقول التحقيقات الاستقصائية والبيانات الرسمية الموثقة إن اختفاء الأطفال والمراهقين المهاجرين غير المصحوبين بذويهم تتزايد عامًا تلو الآخر، وأن معظم الأطفال الذي أُطلق عليهم مصطلح "اختفاء" قدموا إلى أوروبا من المغرب والجزائر وإريتريا وغينيا وأفغانستان، بجانب آخرين من أفريقيا.

وفي حال استمر الوضع على ما هو عليه، فإنه خلال سنوات معدودة قلّما يوجد شارع في أوروبا دون طفل مهاجر مجهول الهوية، ما يعني أن حياة عشرات الآلاف ستكون على المحك، خاصة أن قوانين أوروبا لا تسمح لهم بالعمل في ظل عدم حيازتهم لأوراق ثبوتية، ما قد يدفعهم إلى توفير لقمة العيش بشتى الطرق، قانونية كانت أو غير قانونية.

لكن هناك تساؤل: هل تعبّر تلك الأرقام التي وردت في التحقيق عن العدد الفعلي للأطفال المهاجرين المختفين في أوروبا؟ هناك أكثر من قراءة لهذا السؤال ومن ثم تتعدد الإجابات، فالبعض يرى أن الرقم المعلن أقل بكثير من الرقم الحقيقي، فمثلًا هناك دول لم تقدّم بياناتها بشأن الأطفال المختفين لديها مثل الدنمارك وفرنسا والمملكة المتحدة، وفي حال توفرت تلك البيانات فإن الرقم من المرجّح أن يرتفع، هذا بخلاف عدم وجود نظام تسجيلي إحصائي دقيق لحصر المختفين من الأطفال، ما يجعل المعلن مغايرًا بشكل كبير عن الواقع.

آخرون يرون أن العدد الحقيقي أقل ممّا هو معلن، وذلك لعدة أسباب، منها تسجيل الأطفال كلاجئين أكثر من مرة بسبب اختلاف تهجئة أسمائهم من قبل السلطات، فقد يسجّل أحدهم مرة Mohamed ومرة أخرى في مكان آخر Mohammed، وهنا يصبح مسجّلًا على أنه شخصان وليس شخصًا واحدًا بسبب حرف واحد زائد بين الاسمَين.

وأحيانًا لا يكون غياب الطفل اختفاء بالمعنى الاصطلاحي، لكنه اختيار طوعي بحثًا عن مكان إيواء أفضل وظروف معيشية وحياتية مناسبة مقارنة بالمكان الذي يعيش فيه، وقد سجّلت الكثير من دوائر الهجرة واللاجئين الأوروبية اختفاء مئات الأطفال بشكل مفاجئ، فيما توصلت التحقيقات إلى تعمُّد هؤلاء الأطفال المغادرة هربًا من ظروف معيشية معيّنة وبحثًا عمّا هو أفضل.

وعند استقرار هؤلاء الأطفال المختفين أو الفارّين من أماكن إيوائهم إلى الأماكن الجديدة، يتم تسجيلهم مرة أخرى في تلك الأماكن، مع الوضع في الاعتبار عدم شطب أسمائهم من قيود المفقودين في أماكن إقامتهم السابقة، وهنا يحدث تكرار للطفل نفسه ما ينجم عنه أرقام مخالفة نسبيًّا للحقيقية.

مهاجرون أطفال
 اختفاء نحو 17 طفلًا كل يوم في أوروبا

خوفًا من الترحيل وحاجز اللغة

تزايُد هذه الظاهرة وسط ترجيح تفاقمها مستقبلًا، دفع الكثير من المعنيين لدقّ ناقوس الخطر إزاء ما يمكن أن يترتّب عنها من تداعيات خطيرة، سواء على حياة هؤلاء الأطفال أو على المجتمعات بصفة عامة، وهو ما حذّرت منه مسؤولة الهجرة في منظمة "أطفال أوروبا المفقودون" غير الربحية، فيديريكا توسكانو، التي أكّدت على أهمية تلك البيانات من أجل تسليط الضوء على تلك المشكلة وتقدير حجمها جيدًا من أجل حلّها.

أوضحت توسكانو أن هذا العدد الكبير من الأطفال المختفين أو المفقودين يعدّ عرضًا قويًّا من أعراض فشل نظام حماية الطفل في أوروبا، منوّهة أن هذه الشريحة من المهاجرين، تقصد الأطفال المختفين غير المصاحبين لبالغين، هي الأكثر تضررًا بين منظومة المهاجرين بصفة عامة، مضيفة أن "المنظمات الإجرامية تستهدف الأطفال المهاجرين بشكل متزايد، لا سيما الأطفال غير المصاحبين لعائلات، فيقع كثير منهم ضحايا للعمل والتسول القسري والاستغلال الجنسي والإتجار".

ع

في تحقيق سابق في مارس/ آذار 2019، كان قد كشف عن اختفاء 60 طفلًا فيتناميًّا من الملاجئ الهولندية، وقد توصّلت السلطات الهولندية بعد البحث إلى الاشتباه في تهريبهم إلى بريطانيا من أجل العمل في مزارع الحشيش والصالونات النسائية، وهي النتيجة التي توصّلت إليها العديد من التقارير السابقة في أكثر من دولة أوروبية.

ولدى "دويتشه فيله" رأي آخر في هذا الملف، إذ ترى أن اختفاء الأطفال المهاجرين إنما هو اختباء في الغالب لحماية أنفسهم من الترحيل إلى بلدانهم الأصلية، خاصة بعد الوصول إلى اليقين من أن ترحيلهم بات أمرًا نهائيًّا في ظل الفشل في الحصول على حقّ اللجوء، وثمة دوافع أخرى بحسب مدير أحد مراكز الاستقبال في ألمانيا، ويُدعى أندرياس هول، منها العقبات اللغوية والثقافية، فغياب التواصل والتفاهم بين الأطفال والمسؤولين على دور الإيواء ربما يكون سببًا في المغادرة والهرب.

ويؤكد مدير المركز أن هناك نية مبيَّتة من الكثير من الأطفال لعدم العثور عليهم، فيلجأون إلى إلقاء أوراقهم الثبوتية وتغيير أسمائهم، واستحداث أسماء جديدة وبيانات مختلفة، من أجل منحهم فرصة جديدة في الحصول على حق اللجوء، فيما ذكرت منظمة "كاريتاس" الدولية أن قرابة 4 آلاف من المهاجرين القصّر غير المصحوبين بذويهم يصلون إلى ألمانيا سنويًّا، وتتراوح أعمارهم ما بين 14 و18 عامًا.

يطالب الحقوقيون المعنيون بهذا الملف بإنشاء شبكات مساعدة لهؤلاء الأطفال القصّر من أجل لمّ شمل أسرهم وحمايتهم مستقبلًا، مع ضرورة اعتماد نظام تسجيل مركزي في أوروبا لحمايتهم خاصة أن حقوقهم مكرّسة قانونيًّا، إذ إن لكل طفل الحق في الحماية والرعاية اللازمتَين لرفاهيته، وذلك قبل أن يخرج الأمر عن السيطرة ويقع عشرات الآلاف من الصغار في قبضة الشبكات الإجرامية، وأن يتحولوا إلى قنابل موقوتة تهدد بفقدان الأمن والاستقرار.

3.5% من سكان العالم مهاجرون

يشكّل المهاجرون اليوم 3.5% من إجمالي سكان العالم مقارنة بـ 2.9% خلال عام 1990، ما يعني أن هناك مهاجرًا واحدًا من بين كل 30 شخصًا حول العالم، فيما يشكّل الرجال 52% من نسبة المهاجرين مقارنة بـ 48% للنساء، وتترواح أعمار أغلب المهاجرين بين 30 و34 عامًا، أي أنهم في عمر الشباب.

ويدرج البعض الطلاب الدوليين الذين يهاجرون لتلقّي العلم ضمن زمرة المهاجرين، وقد ارتفع عددهم أيضًا بصورة كبيرة خلال العقدَين الماضيَين، إذ كانوا قرابة مليوني طالب عام 2000 قبل أن يرتفعوا إلى 3 ملايين و96 ألفًا بحلول عام 2011 وصولًا إلى 4 ملايين و85 ألفًا في عام 2016، وتعدّ الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وأستراليا وفرنسا وألمانيا وروسيا الوجهات الأكثر إقبالًا من قبل هؤلاء الطلاب لتلقي العلم.

وهناك هجرة من نوع آخر تتعلق بالنزوح الداخلي، وهي الظاهرة التي تتفاقم في البلدان التي تشهد صراعات مسلحة واضطرابات سياسية وأمنية وأحيانًا بيئية مناخية، وتشير البيانات إلى أن أعداد النازحين داخل بلدانهم يفوق بكثير أعداد المهاجرين في الخارج، وقد شهد عام 2017 نزوح 18 مليونًا و800 ألف شخص في 135 دولة حول العالم داخل حدود بلدانهم نتيجة الكوارث الطبيعية الفجائية.

تتصدر قارّتا أوروبا وآسيا قائمة البلدان الأكثر استضافة للمهاجرين بنسبة تبلغ 61%، حيث استقبلت أوروبا نحو 82 مليون مهاجر مقارنة بـ 84 مليونًا استقبلتهم دول آسيا، فيما تأتي أمريكا الشمالية في المرتبة الثالثة بـ 22% من نسبة المهاجرين، تليها أفريقيا بـ 10% ثم أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي بـ 4%، وفي الأخير تأتي أوقيانوسيا بـ 3% من إجمالي المهاجرين في العالم.

أما عن الدول الأكثر تصديرًا للمهاجرين، فتأتي الهند في المرتبة الأولى بـ 17.5 مليون مهاجر، تليها المكسيك بـ 11.8 مليونًا، ثم الصين بـ 10.7 ملايين، وروسيا بـ 10.5 ملايين مهاجر، فيما تأتي سوريا في المركز الخامس بـ 8.4 ملايين مهاجر معظمهم لاجئون في أوروبا، فيما تتباين دوافع كل بلد في هجرة مواطنيه بين البحث عن مستوى مادي أفضل أو التعليم أو الهروب من الصراعات الداخلية.

إسهامات المهاجرين

على عكس ما تعزف الآلة الإعلامية الأوروبية، فإن المهاجرين لم يكونوا يومًا عالة على أوطانهم الجديدة، بل إن إسهاماتهم في نهضة تلك البلدان وتطويرها لا ينكرها منصف، ولا يمكن تجاهلها مهما علا صوت اليمين المتطرف ومناهضي الهجرة.

ن

وقد كشفت التقارير والبيانات الرسمية عن دور محوري للمهاجرين وأبنائهم في نهضة البلدان المستضيفة لهم، بل إن كثيرًا منهم رفع أسماء تلك الدول على منصات التتويج، علميًّا ورياضيًّا واقتصاديًّا، فيما نجح بعضهم في إثبات حضوره السياسي في تلك البلدان حتى وصلوا إلى أعلى المناصب، كما هو الحال في بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وغيرها.

ولم تتوقف إسهامات المهاجرين على بلدانهم الجديدة فحسب، بل كانوا ضلعًا أساسيًّا في نهضة أوطانهم الأمّ في الوقت ذاته، وذلك من خلال التحويلات النقدية المرسَلة منهم إلى بلدانهم، والتي تعدّ واحدة من أهم مصادر الدخل الأجنبي لها، ففي عام 2019 فقط بلغ حجم التحويلات من المهاجرين نحو 689 مليار دولار وفق إحصاءات منظمة الهجرة الدولية.

وتصدّر الهنود قائمة الجنسيات الأكثر تحويلًا للأموال بنسبة إجمالية بلغت 78.6 مليار دولار، ثم الصينيون بـ 67.4 مليار دولار، تلاهم المكسيكيون بـ 35.7 مليار دولار، أما المهاجرون في الولايات المتحدة فاحتلوا المرتبة الأولى في معدلات التحويلات، حيث حوّلوا إلى بلدانهم 68 مليار دولار عام 2018، يليهم المهاجرون في الإمارات بـ 44 مليار دولار، ثم المهاجرون في السعودية بـ 36 مليار دولار.

جدير بالذكر أن المؤتمر الدولي الذي عُقد في مدينة مراكش المغربية في 10-11 ديسمبر/ كانون الأول 2018 لبحث أوضاع المهاجرين واللاجئين، كان قد أقرَّ "الميثاق العالمي للهجرة" المكوّن من 23 هدفًا لتكوين أرضية مشترَكة لحماية حقوق المهاجرين ومكافحة تهريب البشر، وتقديم مساعدات للدول في التغلب على الهجرة وإدماج المهاجرين، وهو الميثاق الذي وقّعت عليه كل الدول المشاركة والبالغ عددها 164 دولة، ما عدا الولايات المتحدة وأستراليا وتشيلي والبرازيل و8 دول في الاتحاد الأوروبي بذريعة أنه ينتهك سيادتها.

يومًا تلو الآخر تتفاقم ظاهرة الهجرة دون مبالاة، ومعاناة الفارّين من مناطق النزاع والصراع والباحثين عن حياة كريمة هربًا من شبح الموت لا تتوقف، فيما تتحجّج الحكومات بمبرراتها الواهية رضوخًا لأصوات اليمين المتطرف المرتفعة، ليدفع الملايين ممّن لفظتهم الحياة في أوطانهم ثمنًا غاليًا دون أن يؤرق ذلك جفن الحكومات والمنظمات، فهل آن الأوان لأن يضع العالم هذا الملف تحت مجهر العناية والاهتمام، على الأقل من منظور إنساني وليس من منظور سياسي؟