تتوقع حكومة ماكرون ارتفاع نسق الاحتجاجات المناهضة لمشروع "إصلاح نظام التقاعد"

العديد من المفاجآت والأزمات في انتظار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال سنة 2023، ما يمكن أن يجعلها السنة الأصعب في ولاية ماكرون الثانية في قصر الإليزيه، بدءًا بأزمة المحروقات الناتجة عن تواصل الحرب الروسية ضد أوكرانيا واستمرار الإضراب المفتوح منذ 4 أسابيع في مصافٍ تابعة لمجموعة "توتال إنرجيز" (8 مصافٍ على طول البلاد)، وصولًا إلى علاقات فرنسا الخارجية خاصة في إفريقيا التي عرفت في السنوات الأخيرة تراجعًا كبيرًا.

مرورًا بأزمة القطاع الصحي الذي أوشك على الانهيار مع ارتفاع عدد الإصابات بفيروس كورونا ونقص الأدوية المسجل في الصيدليات والمستشفيات وإضراب الأطباء الذين يطالبون الحكومة بتحسين ظروف عملهم ومضاعفة رسوم فحص المرضى.

دون أن ننسى ملف سن التقاعد الذي سيكون الامتحان الأصعب لماكرون في بداية السنة الحاليّة، مع إصرار حكومته على المضي قدمًا في برنامجها الذي تصفه بالإصلاحي، ورفض النقابات العمالية له وتهديدها بالتصعيد.

نظام التقاعد

من المنتظر أن تكشف رئيسة الوزراء الفرنسية إليزابيث بورن عشية اليوم الثلاثاء عن مشروع إصلاح نظام التقاعد الذي تم تأجيله أكثر من مرة نتيجة المعارضة النقابية الشديدة له، ومن المرتقب أن يتضمن المشروع رفع سن التقاعد إلى 64 عامًا عوضًا عن 62.

الحكومة كانت تنوي رفع سن التقاعد إلى 65 سنة، لكنها استقرت الآن عند 64، وكان ماكرون قد شدد خلال حملته الانتخابية السنة الماضية على وجوب رفع سن التقاعد من 62 إلى 64 أو 65 عامًا، معتبرًا أن النظام المعمول به حاليًّا غير قابل للاستمرار لأن الناس يعيشون لفترات أطول.

استغل ماكرون خطاب رأس السنة للدفاع عن خططه في هذا الملف، إذ أكد أن مشروعه لإصلاح أنظمة التقاعد، يضمن العدالة والمساواة للجميع، وهو "مشروع تقدمي من الناحية الاجتماعية، لأنه نظام موحد، الجميع سواسية أمام ما يقومون به، وهو أبعد ما يكون عليه النظام الحاليّ، مشروع يساوي أكثر بين الجميع"، وفق قوله.

يمكن لماكرون التحايل على القانون واللجوء إلى الفقرة الثالثة من المادة 49 في الدستور لتمرر مشروع القانون من دون تصويت

تأمل الحكومة الفرنسية من وراء رفع سن التقاعد في "إحداث توازن في نظام التقاعد بحلول عام 2030"، ذلك أن هذا الإجراء سيُرفق بتسريع تمديد فترة المساهمات التي سترفع إلى 43 عامًا قبل أفق 2035 الذي حدده إصلاح سابق.

وكان من المنتظر أن تكشف الحكومة الفرنسية النقاب عن إصلاح نظام التقاعد منتصف ديسمبر/كانون الأول الماضي، لكن الرئيس ماكرون فاجأ الجميع بإعلانه تأجيل تقديم الإصلاح إلى 10 يناير/كانون الثاني، مبررًا ذلك بضرورة مواصلة المحادثات مع بعض النقابات والأحزاب.

احتجاجات مرتقبة

تواصلت المحادثات، لكنها لم تحقق أهدافها، فالنقابات العمالية عازمة على مواصلة الاحتجاج ضد مشروع قانون ماكرون، الشيء الوحيد الذي تحقق هو تمكن الحكومة من توحيد تحرك النقابات للمرة الأولى منذ 12 عامًا.

وكان رئيس نقابة "القوة العاملة" فريديريك سويو قد حذر الحكومة الفرنسية من مغبة المضي في مشروع "إصلاح نظام التقاعد"، وقال سويو: "إذا كان إيمانويل ماكرون يريد جعل ذلك أم إصلاحاته، بالنسبة إلينا ستكون أم المعارك"، ما يعني أن حكومة إليزابيث بورن ستكون أمام تحركات احتجاجية كبيرة، خاصة أن المعارضة وسعت وشملت كل المنظمات النقابية والعديد من الأحزاب السياسية.

بدوره، اعتبر رئيس نقابة "الاتحاد العام للعمل" فيليب مارتينيز أنه مع هذا الإصلاح "نعود إلى ما عاشه أجدادنا، أي بعد العمل، القبر"، فيما قالت الرئيسة الجديدة لحزب الخضر مارين توندلييه: "سيدور النقاش بالشارع في مواجهة إصلاح عقائدي ومناهض للعمال ويخدم طبقة الميسورين".

بالتزامن مع تهديد النقابات العمالية بالتصعيد، كشفت استطلاعات الرأي أن غالبية الفرنسيين يعارضون إصلاح قانون التقاعد، وكشف استطلاع أجرته مؤسسة "هاريس انتراكتف" Harris-Interactive نشر الإثنين أن مستوى المعارضة عند 54%، والمتقاعدون البالغون من العمر 65 وما فوق، هم فقط من يؤيدون "الإصلاح"، وفق فريدريك دابي رئيس معهد إيفوب.

سبق أن خاضت النقابات الفرنسية احتجاجات عارمة ضد توجهات الحكومة لكن من المنتظر أن تكون الاحتجاجات المرتقبة أشد وأكثر قوةً وتنظيمًا، فهي ستجمع كل النقابات والأحزاب السياسية اليسارية التي تعارض ماكرون.

التحايل على القانون

بعد تقديمه للعموم عشية اليوم، سينظر مجلس الوزراء في نص الإصلاح يوم 23 يناير/كانون الثاني الحاليّ، ثم يعرض على اللجنة في الجمعية الوطنية اعتبارًا من 30 كانون الثاني/يناير، وفي البرلمان في 6 فبراير/شباط المقبل.

تريد حكومة إليزابيث بورن المضي بسرعة إلى التنفيذ وبدء التطبيق في الصيف على مواليد العام 1961، ويبرر نظام ماكرون ذلك بالعجز الهائل في صناديق التقاعد الذي قد يتجاوز 12 مليار يورو عام 2027، لكنها قد تصطدم بمعارضة قوية داخل أروقة البرلمان.

معارضة مشروع ماكرون الخاص بالتقاعد لن تكون في الشارع فقط وإنما ستمتد لأروقة البرلمان، فالتحالف الرئاسي الذي يقوده ماكرون لا يحظى بأغلبية المقاعد في البرلمان، أي أنه لا يستطيع تمرير أي قانون دون الذهاب إلى تحالفات مع بعض القوى النيابية الأخرى.

مآزق عديدة من شأنها أن تؤثر سلبًا على الفترة المتبقية لولاية ماكرون الثانية في الإليزيه

تأمل إليزابيث بورن في حشد نواب الجمهوريون الذين أبدى رئيسهم إيريك سيوتي استعداده في المقابل للتصويت على "إصلاح عادل"، لكن لا نعرف ما هو "الإصلاح العادل" الذي يقصده سيوتي، ما يجعل ماكرون في ورطة من أمره.

أمام هذه الورطة يمكن لماكرون التحايل على القانون واللجوء إلى الفقرة الثالثة من المادة 49 في الدستور لتمرر مشروع القانون من دون تصويت في الجمعية الوطنية، فهو لا يضمن الحصول على الأغلبية لتمريره بالطرق العادية.

هذا الأمر ليس جديدًا على ماكرون، إذ استخدم هذه المادة نحو عشر مرات خلال ولايته الرئاسية الثانية التي لم يمر عليها إلا بضعة أشهر، ذلك أن حزبه خسر الغالبية في الجمعية الوطنية، وكانت الحكومة قد لجأت لهذا البند لتمرير ميزانية الدولة منتصف ديسمبر/كانون الأول الماضي.

مآزق أخرى

قد يستطيع ماكرون تمرير مشروع "إصلاح نظام التقاعد" عبر التحايل على القانون واللجوء إلى نقطة في الدستور يصفها العديد من السياسيين في فرنسا بأنها غير قانونية، لكن مآزقه خلال مدة ولايته الثانية لا تتوقف هنا، ففي الداخل يصطدم ماكرون بأزمة صحية شاملة، أثرت على المواطنين الفرنسيين ورأينا مؤشراتها وتجلياتها خلال الأسابيع الأخيرة من شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي وبداية يناير/كانون الثاني الحاليّ، ويرجح أن تزداد أكثر.

كما يصطدم ماكرون أيضًا بأزمة اجتماعية حادة مست فئات كثيرة من المجتمع الفرنسي، نتيجة السياسات الخاطئة للحكومة في العديد من المجالات، ويتوقع أن تزداد الأزمة حدة مع ارتفاع الضرائب وتوجه الدولة نحو خفض الإنفاق والمساعدات الاجتماعية.

خارجيًا، يواجه ماكرون العديد من المصاعب من بينها تواصل الحرب الروسية ضد أوكرانيا التي أثرت كثيرًا على الاقتصاد الفرنسي وعلى وحدة الأوروبيين أيضًا، إذ تعمقت الخلافات الأوروبية بخصوص الحرب بين روسيا وأوكرانيا.

الأزمات تصل إفريقيا أيضًا، خاصة بعد تراجع مكانة فرنسا في القارة الإفريقية خلال السنوات الأخيرة، نتيجة سياسات ماكرون الخاطئة وتزايد الرفض الشعبي للوجود العسكري الفرنسي في القارة السمراء، وتنامي نفوذ العديد من القوى الإقليمية والدولية هناك على غرار روسيا والصين وتركيا.

من المشاكل التي تواجه ماكرون أيضًا علاقته بدول المغرب العربي، خاصة الجزائر والمغرب، فماكرون يجد صعوبة في توفيق علاقته بين الجزائر والرباط، ما جعل امتيازات باريس في المنطقة تتراجع.

مآزق عديدة من شأنها أن تؤثر سلبًا على الفترة المتبقية لولاية ماكرون الثانية في الإليزيه، ويمكن أن تعجل بالإطاحة بالبرلمان ومشاهدة انتخابات تشريعية سابقة لأوانها، إما أن تدعم حكم ماكرون وإما أن تضع حدًا مبكرًا له.