انتشرت في أسواق السودان ظاهرة البيع بالكسر، وهي عملية يبيع فيها التاجر السلعة بأقل من قيمتها الحقيقية لمقابلة التزامات مالية مسبقة، وذلك رغم مخاطرها على التجّار والاقتصاد

دفع الركود الاقتصادي التجّار والمزارعين السودانيين إلى بيع سلعهم ومحاصيلهم الزراعية عبر نظام التورُّق، للوفاء بالتزامات معاملاتهم المالية مع الشركات أو المصارف، ما يُشير بوضوح إلى مدى التردّي الذي وصل إليه اقتصاد السودان.

يُعرَف هذا النظام محليًّا بـ"البيع بالكسر"، وفيه يبيع صاحب السلعة أو المحصول بسعر أقل من القيمة الحقيقية بنحو 20% ويمكن أن تصل إلى 30%، وفقًا لحاجة البائع ومدى احتياجات السوق وتقلباته. رغم مخاطر هذه الظاهرة على الاقتصاد، شركات وأفراد، إلا أنها انتشرت على نطاق واسع في أسواق السودان، دون أن تقدم السُّلطة العسكرية المهيمنة على أوضاع البلاد أي حلول أو خطط.

بدأت هذه الظاهرة تغزو الأسواق في السنوات الأخيرة من حًكم الرئيس عمر البشير، الذي عزله قادة الجيش في 11 أبريل/ نيسان 2019 تحت وطأة احتجاجات شعبية، واستمرت خلال فترة الانتقال، لكنها توسعت بصورة كبيرة اعتبارًا من العام السابق. ولعلّ هروب مئات التجّار من السوق جرّاء الركود وتفشي ظاهرة البيع بالكسر وسياسات الدولة وفقًا لصحيفة محلية، يؤكد مدى خطورة هذه الظاهرة.

ظاهرة البيع بالكسر

يقول الخبير الاقتصادي محمد الناير لـ"نون بوست": "الضغوط المعيشية وسياسات صندوق النقد الدولي وما تفرضه الحكومات، أدّت إلى توقف النشاط الاقتصادي بصورة شبه كاملة، ما دفع التجّار إلى ممارسة أساليب تدمِّر الاقتصاد"، ويذكر الناير أن هذه الأوضاع أضعفت النشاط التجاري الذي يكاد أن يتوقف بسبب ارتفاع أسعار تكاليف الإنتاج ذاته والتعقيدات السياسية، ما أدّى إلى حالة من الكساد والركود التضخمي.

يضيف الخبير الاقتصادي الناير بأن عدم وجود قوانين تمنع ظاهرة البيع بالكسر، جعلته يستشري بصورة كبيرة حتى أصبح وكأنه من الأعراف المألوفة في النشاط الاقتصادي، وهذا يؤثر وربما يدمّر الاقتصاد، باعتبار أن النتيجة النهائية هي دخول عدد كبير من الذين يمارسون الأنشطة التجارية إلى السجون.

وعن هذه المخاطر يقول الناير إن التاجر يبيع السلعة بأقل من قيمتها الحقيقية، ما يعني أن هناك فرقًا كبيرًا بين تكلفة الشراء وسعر البيع، وهي خسارة يأمل التاجر تعويضها من خلال تدويل هذه الأموال، لكن "تأتي المفاجأة في حالة الركود، ليكون مصيره النهائي هو السجن".

تتفشى هذه الظاهرة، أمام اقتصاد تُسيطر عليه سلطة تملك 650 شركة، منها 200 شركة مملوكة للقوات النظامية وغالبيتها يتبع للجيش، وتعمل في قطاعات حيوية مثل تصنيع وتجميع الأدوات الكهربائية والملابس وتصدير الذهب واللحوم واستيراد دقيق القمح وطحنه إضافة إلى الزراعة. كما أن وزارة المالية لا تُدير سوى 18% من مجموع إيرادات الدولة، ونظرًا إلى أن 82% من الإيرادات الحكومية غير خاصة للرقابة، فلا يستبعَد أن جزءًا منها يعمل في المضاربة بالعملات وبيع السلع بالكسر، سواء بصورة مباشرة أو عبر وسطاء.

اختلال في النظام المالي

تبدو عمليات البيع بالكسر مغرية لكثير من التجّار، فهي أسرع وسيلة للحصول على سيولة نقدية لتغطية الالتزامات المسبقة، وبمرور الوقت وبمزيد من العمليات ينخفض رأس مال أي تاجر يتعامل في هذه الظاهرة، وقد يؤدي به إلى الإفلاس.

يعتقد المحلل الاقتصادي، هيثم فتحي، أن هناك 4 فئات تعمل في مجال البيع بالكسر، أولاها التجار الذين يستفيدون من أنظمة المرابحات المقومة بالسلع، فيقومون بتسييل السلع والبضائع التي يحصلون عليها عبر تلك المرابحات بأسعار أقل واستخدامها في أنشطة سريعة العوائد، وهذا يزيد من حجم الانهيارات التي يعانيها الجنيه السوداني.

الفئة الثانية تضمّ الذين يعملون على تحويل أموالهم المتداولة خارج النظام المصرفي -يمكن أن تكون مجهولة المصدر- إلى سلع تصديرية، من خلال شرائهم سلعًا من الأسواق السودانية بأسعار أعلى بكثير من أسعارها الحقيقية، ثم تصديرها بأسعار أقل إلى الأسواق الخارجية، بهدف تحويل أموالهم إلى عملات حرّة يتم الاحتفاظ بها في الخارج.

تتمثل الفئة الثالثة في التجار الذين أجبرهم الركود على كسر السلع، وذلك رغم أنها تعمّق عجزهم عن سداد التزاماتهم المالية وتفاقمها، نتيجة للتشوُّهات والسياسات الاقتصادية الخاطئة.

يندرج في الفئة الأخيرة أيضًا التجار الذين يبيعون مخزونهم من السلع الاستهلاكية بسعر مخفّض بغرض الحصول على الأوراق النقدية، ويشترون مقابلها عملات أجنبية، خاصة الدولار، ومن ثم يبيعونها مقابل أوراق نقدية سودانية للحصول على فائدة أكبر بكثير من مجرد بيعه للسلعة بصورة مباشرة.

ظاهرة كسر البضائع تحدث اختلالًا في النظام المالي في البلاد، إذ تؤدي إلى هروب السيولة وزيادة التضخم وحالات الإفلاس، وهي تسبّبت في الزجّ بالكثير من التجار داخل السجون، لعدم تمكنهم من سداد المديونيات التي عليهم.

يقول فتحي لـ"نون بوست": "إن سعر أي سلعة أو منتَج أو خدمة يتحدد وفقًا لقانون العرض والطلب، وبالتالي تصبح أيضًا قضية الكسر إحدى الآليات التي يلجأ إليها التجار لتحقيق أي دخل مهما كان قليلًا، أفضل من عدم تحقيق أي دخل على الإطلاق". ويضيف: "ما زاد من حدّة المشكلة هو الوضع الأمني والسياسي المتردي في البلاد، والذي أدّى إلى انخفاض الطلب بشكل كبير على كل السلع والخدمات".

كما ذكر أن ظاهرة كسر البضائع تحدث اختلالًا في النظام المالي في البلاد، إذ تؤدي إلى هروب السيولة وزيادة التضخم وحالات الإفلاس، وهي تسبّبت في الزجّ بالكثير من التجار داخل السجون، لعدم تمكُّنهم من سداد المديونيات التي عليهم. ويرى أن انتعاش حركة البيع والشراء بالأسواق ستنعكس إيجابًا على تخفيف الركود وظاهرة كسر البضائع، في حال وُضعت سياسات اقتصادية صحيحة بديلة للسياسات الحالية التي أضرّت بالاقتصاد السوداني.

مزيد من الأفراد في السجون

لا تنحصر ظاهرة البيع على التجّار فقط إنما تمتدّ إلى الأفراد، حيث يشتري بعض السودانيين سلعة بسعر أعلى من السوق، عبر صكّ مصرفي آجل (شيك مؤجّل) يُصرف بعد 3 أو 6 أشهر بحسب الاتفاق، وبعد اكتمال هذه المعاملة يبيع المواطن السلعة بسعر منخفض عن قيمتها الحقيقية ربما للتاجر ذاته، من أجل تغطية التزامات أسرية أو مالية.

يمكن إرجاع انخراط السودانيين في كسر السلع إلى التعقيدات التي تصاحب عملية الاقتراض من المصارف، التي تطلب من كل فرد يطلب قرضًا ضمانات تتمثل بقطعة أرض أو سيارة وضامن شخصي، في حين تجري هذه المعاملات عادة عبر وسطاء يأخذون عمولات من التاجر والمواطن أيضًا، حيث إنه وفي كل سوق في السودان، مهما صغر، تجدُ عشرات الوسطاء.

إنهاء الظاهرة يتطلب تشريعًا مشدَّدًا يجرّم البيع بالكسر من أجل حماية الأنشطة التجارية، حيث إنه إذا استمرّ لفترة طويلة يمكن أن يدمِّرَ الاقتصاد.

انتشار ظاهرة البيع بالكسر، بالنسبة إلى الأفراد، تؤكّد أنها الوسيلة الوحيدة المتاحة لأي فرد محتاج في ظل أوضاع السودان الراهنة، رغم مخاطرها العالية والمتمثلة في السجن، إذ إن القانون السوداني يتعامل مع قضايا الشيكات بقسوة، ويشترط القانون على وكلاء النيابة عدم الإفراج عن أيّ متهم في قضية شيك، إلا بكفالة مالية تُعادل قيمته المالية، لتكون النتيجة بقاء المتهم في السجن إلى حين تقديمه للمحاكمة، وغالبًا ما يكون الحكم أن يبقى في السجن إلى حين السداد.

تحوُّل في النشاط الاقتصادي

ظلَّ فاروق الطيب صاحب محل بيع الأدوات الكهربائية والأواني المنزلية في سوق الخرطوم بحري -إحدى مدن العاصمة الخرطوم-، يشتري السلع من زملائه بسعر منخفض، ويقول إن هذا حقّق له أرباحًا جيدة طوال العام 2021، لكن في العام التالي انكمش نشاطه بسبب الركود. 

يذكر، خلال حديثه لـ"نون بوست"، أن كثيرًا من أصحاب الأعمال اتجهوا إلى شراء البضائع والسلع من زملائهم لتخزينها في مخازنهم، على أمل حدوث انفراج في الأشهر المقبلة، لكن حال استمرار الركود ربما يدفعهم إلى بيعها بالكسر من أجل تغطية الاحتياجات الحياتية، وبالتالي تكبُّدهم خسائر ضخمة. 

وأضاف: "رغم أن وضعي جيد مقارنة بآلاف التجّار، إلا إنني أجريت في مطلع العام أول عملية بيع بالكسر خلال مسيرتي الاستثمارية بأقل من قيمتها الحقيقة بنحو 25%، من أجل نفقات عمّال المحل والأسرة"، مبديًا تخوفه من استمراره في هذه الظاهرة التي وصفها بـ"العدوى".

كما بدا الطيب متفقًا مع الخبير الاقتصادي محمد الناير في أن إنهاء الظاهرة يتطلب تشريعًا مشدَّدًا يجرِّم البيع بالكسر من أجل حماية الأنشطة التجارية، حيث إنه إذا استمر لفترة طويلة يمكن أن يدمِّرَ الاقتصاد.