بعد سقوط الاتحاد السوفيتي بداية التسعينات من القرن الماضي، واجتياح العراق للكويت قال جورج شولتز وزير الخارجية الأميركية الأسبق:" إن منطقة الشرق الأوسط ستشهد زلازل وتحولات مثل التي شهدتها أوروبا الشرقية، وهي تحولات ستكون بديلا لـ(الأفكار البالية) التي حكمت المنطقة عقودا أو قرونا"، وبهذا التصريح افتتحت أمريكا عهداً جديد في إدارتها للعالم عبر هيمنة القطب الواحد الذي حكم العالم منذ بداية التسعينات.

شكل هذا العهد بالنسبة للمنطقة العربية سنوات عجاف، في ظل محاولات الأمريكان الجادة وبمساعدة من الأنظمة العربية المهترئة تقسيم المنطقة وإعادة تشكيلها من جديد عبر الدبلوماسية الناعمة التي تسبقها (فوضى خلاقة)، فأثيرت قضية الصحراء الغربية في المغرب، وقسمت السودان، ومُزقت الصومال، وفتنةٍ طائفية في لبنان والعراق، وبقيت اليمن تعيش في قلاقل الجنوب والشمال حتى يومنا هذا، بينما تواصل التحريض ضد الأقباط في مصر في محاولة لتفتيت البلاد.

كل ذلك كان مصحوباً بتصريحات لكبار قادة الولايات المتحدة الأمريكية طوال العقدين الماضيين وهم يتحدثون عن إعادة تشكيل المشرق العربي من جديد، ورُفع شعار الفوضى الخلاقة كوسيلة للوصول إلي هذا الهدف، وهو ما نطقت به صراحةً وزير الخارجية الأمريكية رايس في أكثر من محفل.
لكن الأزمة الاقتصادية في أوروبا وأمريكا، والربيع العربي مثلت صدمةً حقيقية للغرب وخاصة للولايات المتحدة الأمريكية التي كانت تعبر مراحلها الأخيرة نحو ( شرق أوسط جديد ).
بينما مثلت هذه الأزمة الاقتصادية والربيع العربي فرصة لتستعيد قوى أخرى مثل روسيا والصين دورها في المنطقة العربية من جديد، وظهرت معهما قوى إقليمية ذات تأثير ونفوذ مثل إيران وتركيا، ليدخل العالم بذلك حقبة جديدة تعرف بتعدد الأقطاب والتوازنات في العلاقات الدولية، بينما مثلت الثورة السورية حلبة الصراع بين هذه الأقطاب الدولية والإقليمية.

وضع أوباما وإدارته أمام الروس وحليفهم في المنطقة بشار الأسد خطوط حمراء كي لا يتجاوزها، تمثلت في استخدام السلاح الكيماوي، وبينما كان النظام العالمي يرتب صفوفه فالصين وإيران وقفت إلي جانب الدب الروسي، ووقفت أوروبا وتركيا ودول عربية إلي جانب الديك الأمريكي، كان النظام السوري يستعد لإرباك المشهد الدولي بأكمله عبر استخدام النظام للسلاح الكيماوي ضد الشعب السوري الذي قدم على مدار عامين ونصف مئات آلاف الشهداء دون أن يحرك العالم ساكناً.

قرعت أمريكا طبول الحرب وحشدت قواتها في المتوسط وشعرت أن روسيا قد صفعة الأمريكان بشدة عبر تجاوز حليفتها سوريا لخطوط اللعبة الدولية، كما شعرت أن أمن إسرائيل بات مهدداً أكثر من أي وقت مضى، بينما حرصت روسيا على تحريك قوتها الدبلوماسية عبر إرسال رسائل تهديد تارة ورسائل طمأنة تارة أخرى.

لكن الواضح أن بوتن كان أكثر قوة وارتياحاً من نظيره الأمريكي بارك أوباما الذي بقي مرتبكاً ومتردداً في اتخاذ قرار حاسم بشأن الرد على التجاوزات السورية للخطوط الحمراء، ومثل قراره بإحالة المسألة إلي الكونغرس الأمريكي أكبر دليل على حالة الارتباك الأمريكية والرغبة في إعطاء مزيد من الوقت للحل الدبلوماسي.

استثمر الروس المهلة التي قدمها الكونغرس للتصويت على طلب أوباما بضرب سوريا، من خلال تقديم مبادرة تضع بموجبها السلاح الكيماوي السوري تحت رقابة دولية، وهي المبادرة التي لقيت ارتياح الكثير من دول العالم حتى أوساط داخل الإدارة الأمريكية، وهو ما جعل مهمة التصويت على مشروع القرار أمراً صعباً في ظل وجود مبادرات دبلوماسية يمكن أن تبعد شبح الحرب عن المنطقة.

ولأن الأمريكان يهمهم بشكل أساسي ( أمن إسرائيل ) والحفاظ على توازنات القوى في المنطقة، وروسيا معنية بالمحافظة على قاعدتها العسكرية الوحيدة في الشرق الأوسط وعلى البحر المتوسط، فإن أي صيغة تحفظ لأمريكا ولروسيا مصالحهم هي صيغة مقبولة في ظل غياب العدالة الدولية.
وحده الدم السوري سيبقى ينزف، بينما العالم مشغول بتهديدات واشنطن وتحذيرات موسكو، ويبقى السؤال هنا هل ستسقط هيمنة الديك الأمريكي على يد الدب الروسي في حلبة الصراع السورية؟