نعم .. أود أن أخرج من هنا بالطبع" ليعقب ريكاردو ذو الواحد وعشرين عامًا جملته السابقة بإخراج قنبلته اليدوية من جيبه ويبدأ باللعب بها باليد التي لا تمسك زجاجة البيرة التي تناثر أمثالها على الطاولة أمامه، في "فيلا أليانشا" في غرب ريو لا يُعد المنظر السابق غريب إطلاقًا.

نادرًا ما يأتي الغرباء إلى هذه "الفافيلا" التي لا يحكمها القانون والتي تعتبر مركزًا لتجارة المخدرات في ريو، وبالفعل كان رجال العصابات المسؤولون عن حماية المنطقة من رجال الشرطة والعصابات المنافسة قد بدأوا في مراقبة تحركاتي قبل أن أصل بعدة أميال من الطرق الملتوية، ليبدأ العديد من الأطفال والشباب ممن تعلو وجوههم البسمات ويرتدون السراويل القصيرة حاملين الأسلحة الآلية بالظهور.

لا تقع فيلا أليانشا على قائمة مناطق الفافيلا التي قررت الحكومة إحكام السيطرة عليها إزاء التحضير لاستضافة كأس العالم التي وافق عليها البرلمان وتستمر استعدادًا لاستقبال الألعاب الأوليمبية عام 2016، فقد حددت شرطة التطهير 38 منطقة لإحكام السيطرة عليها، إلا أن هذه الفافيلا الأكثر خطورة ليست منها.

واظب الهولندي نانكو فان بوورين ذو الستين عامًا على المجيء إلى هذه المنطقة في إطار عمل منظمته المسماة (لسنا جنودًا بعد اليوم)، يُطلق عليه أهل المنطقة اسم "بايتارو"؛ مزيج بالبرتغالية يجمع بين كلمتي الأب والزعيم.

يؤكد نانكو على أن كل تجار المخدرات تقريبًا سيتركون المنطقة إذا توفرت لهم فرصة لذلك، "فتجار المخدرات غالبًا ما يبدأون هذا النشاط في سن المراهقة، ويموت أربعة أخماس العدد قبل أن يصل للحادية والعشرين من عمره"، على حد قول نانكو، وقد بدأ مشروعه عام 2000 واستطاع باستخدام الرياضة والفن ومجموعات الدعم أن يُخرج قرابة 4300 طفلاً من هذا النشاط القاتل أو الذي قد يؤدي للسجن في أحسن الأحوال، كما عمل على تجسير علاقات العداوة بين الشباب بسبب انتمائهم للعصابات المتعادية.

يقول نانكو إن "مجال اهتمامي الأول هو رؤية كيف يرد الناس على عمليات الإقصاء الاجتماعي"، متحدثًا عن انكفاء الآلاف في مناطق الفافيلا الأربعة وستين التي يعمل بها أفراد المشروع، وهذا مفهوم جدًا بالنظر إلى تاريخه كطبيب نفسي سابق في منظمة الصحة العالمية ودوره الذي يفخر به كصانع السلام بريو منذ أتاها عام 1985.

ومهمة بناء السلام في منطقة كفيلا أليانشا التي نمت بها هياكل سلطة موازية نتيجة للإهمال الحكومي الطويل هي مهمة شديدة الصعوبة، إذ غالبًا ما يقع السكان كضحايا للصراع بين تجار المخدرات والشرطة، فعلى عكس التوقعات السائدة يشارك واحد فقط من كل عشرين فردًا في المنطقة في تجارة المخدرات المرتبطة بالماريجوانا والكوكايين.

أشار ريكاردو إلى موضع خروج رصاصة أصابت ذراعه في هجوم للشرطة قبل ثلاثة أيام، وأسوء جزء في التجارة على حد قوله هو رؤيتك لأصدقاء يموتون واحدًا بعد الآخر، انضم ريكاردو للعصابة في الخامسة عشر من عمره لأنه "لم يعلم بأي شيء آخر يمكن فعله"، وهو تبرير ذو وجاهة في مناطق يملأ فيها نشاط العصابات فراغ ضخم تركه التعليم والعمل.

ترك ريكاردو الثلاثيني العصابة وبدأ في إدارة مدرسة كرة قدم للأطفال تحت إشراف المشروع الذي يقوم بالاعتماد على الجنود السابقين كمدربين ومشرفين بدعم من وزارة العدالة، يقول ريكاردو "إننا نحاول أن نُري الأطفال منظورًا جديدًا للحياة؛ حياة مليئة بالفرص"، إلا أن الماضي لا يتركه في سلام؛ فقد قُتلت ابنته ذات الثلاثة أعوام بسيل من الرصاصات العشوائية في هجمة من قوات الشرطة، إذ كانت تلعب بجوار ملعب لكرة القدم.

يشير مسح حديث للمشروع أن 4 أطفال فقط من أصل 32 ألفًا ممن يسكنون المنطقة لم يفقدوا قريبًا لهم في أحداث عنف.

رفع عدد من الشباب على عربة تحمل رشاشًا ثقيلاً أيديهم بالتحية إلى نانكو عندما مروا بجوارنا، يقول نانكو إن زعماء العصابات كانوا قد اعتادو على جعله ينتظر بالساعات في بداية الأمر، إلا أن الحال تغير تمامًا مع بناء الثقة المتبادلة.

ندخل معًا إلى منطقة أخرى هي فيلا نوفا مارين عبر عدد من المطبات الخرسانية التي تهدف إلى إبطاء حركة سيارات الشرطة، نلتقي بإيديسون ذا الخمس وثلاثين عامًا، كان إيديسون يومًا ما زعيم عصابة الكوماندو الأحمر التي حكمت إحدى مناطق ريو بالكامل، إلا أنه يعمل الآن مع المشروع لعلاج الأطفال ذوي الصدمات النفسية الناتجة عن العنف.

يحكي نانكو عن كيف أتى إيديسون إليه في عيد ميلاده منذ تسع سنوات ليخبره أن إيديسون نفسه هو هديته إذ أراد التوبة وترك العصابة، وعند سؤالي له إن كان يحن إلى أيام التجارة والعصابة، نظر إليّ بعيون مثقلة ليلوم نفسه على موت صديق.

فقط 4% ممن يتركون التجارة يعودون إليها، وغالبًا ما يكونون من الرجال الذي يعانون من عدة ضغوط ولا يتأقلمون مع ظروف العمل والمديرين، أما النساء فيبقون خارجًا على حد قول نانكو.

قامت جينيفر (23 عامًا) بالتجارة في المخدرات لأعوام في فيلا نوفا وساو باولو والباراغوي، إلا أنها أقلعت عن ذلك بفضل برنامج كرة القدم الذي ينظمه برنامج الجنود في مناطق الفافيلا، وقد فاز فريق البرنامج بكأس العالم لكرة أطفال الشوارع بالفعل، تقول جينيفر إن البرنامج قد غير حياتها تمامًا.

وإذ دخلنا إلى فافيلا بينها في شمال ريو بدأ فيليب مدير برنامج كرة القدم في استعادة ذكريات زيارته لهذه المنطقة قبل بدء سياسات التطهير فيها، حتى اليوم تبقى ردود أفعال السكان على سياسات التطهير مختلطة وغير مفهومة، إذ يظل بعضهم سعيدًا بالأمان الناتج وحرية الحركة النسبية، إلا أن بعضهم يظل خائفًا من اختراق قوات الأمن لمجتمعاتهم وما قد يؤول إليه ذلك.

يقول نانكو إن فكرة وحدة التطهير بالشرطة كانت فكرة جيدة إلا أن الشكل الذي انتظمت فيه ليس كذلك، مشيرًا إلى أن رجال الشرطة في الوحدة لا ينالون أكثر من ثلاثة أيام من التدريب على إطلاق النار، وليس التدريب على الأمن المجتمعي، وقد تمكنت هذه القوات من تحسين أحوال التجارة والتعليم بالمناطق المطهرة إلى حد ما، إلا أن فكرة التواجد الدائم للشرطة العسكرية ببعض المناطق دون غيرها تظل حاجزًا كبيرًا من الفصل المجتمعي.

ويطرح نانكو فكرة إعادة تشكيل المزيج الطلابي في المدارس ليشمل نصف العدد من سكان المدن والنصف الآخر من سكان الفافيلا كحل لحالات الاستثناء والعنصرية ضد سكان الفافيلا؛ مما سيساعد في نهاية الأمر على تحسين الواقع الاقتصادي والثقافي بها بما يسمح بدمجها بالمجتمع بشكل كفء.