الشرق الأوسط الذي يمر بأيام عصيبة لاسيما في دول الربيع العربي التي بزغ فيها أمل التحرر من ديكتاتوريات الماضي المدعومة من الغرب، باتت أحواله أصعب مما كانت عليه في السابق قبيل قيام الثورات العربية التي هزت عروشًا في المنطقة بأسرها.

أدرك الثوار في جميع البلدان العربية لاسيما في مصر وسوريا وليبيا واليمن أن الأمر ليس ورديًا كما توقعوا، وأن عملية التغيير ليست رهينة بالمتغير الداخلي وفقط وإنما هي لعبة السياسة المتشابكة بين المتغيرات الداخلية والمصالح الإقليمية والدولية لدى البلد قيد التغيير.

فالانقلاب في مصر أطاح بحكومة منتخبة وسط صمتٍ عالمي وتواطؤ إقليمي وظهرت أسباب جلية لدعم جنرال عسكري سيؤدي دوره في حماية أمن الكيان الصهيوني، وربما كان هذا الثمن الأبرز الذي دفعه الجنرال المصري لشراء صمت العالم على انقلابه وما تلاه من مجازر.

أما إذا انتقلنا إلى الحالة اليمنية التي تفرض نفسها على الساحة فنجدها أشد غرابة، فالآن يقود دفة البلاد فعليًا في اليمن محمد علي الحوثي الذي كان سجينًا في يد السلطات اليمنية في فترة 2004 حتى 2010، وجماعته أنصار الله المنبوذة إقليميًا ودوليًا، كل هذا وسط مقاومة هشة لانقلابهم في الأوساط الإقليمية والدولية، حيث أصدرت اللجنة الثورية التابعة لجماعة أنصار الله بعد السيطرة على العاصمة اليمنية صنعاء بما فيه القصر الرئاسي، إعلانًا دستوريًا يتضمن حل البرلمان وتشكيل مجلس رئاسي من خمسة أعضاء للدخول في فترة انتقالية مدتها عامين تكون فيه اليمن تحت تصرف جماعة الحوثي، فما الذي تغير؟ وما الذي فعلته السياسة ليقف العالم موقف المشاهد إزاء الانقلاب في اليمن ويكتفي ببعض البيانات الباهته دون أية أفعال على الأرض؟ وماذا قدم الحوثي وجماعته ليشتري هذا الموقف العالمي والإقليمي؟

الحوثي وجماعته في اليمن يِعد أحد أبرز الأذرع الإيرانية في المنطقة ولا يختلف كثيرًا عن حزب الله في لبنان، بل إنه ازداد قوةً في الفترة الأخيرة وعولت عليه إيران كثيرًا  لكسب مزيد من النفوذ في مناطق صراع مشتعلة بينها وبين الغريم التقليدي السعودية التي فشلت في إيجاد حل جذري بالملف اليمني.

فبعد سيطرة الحوثي على مقاليد الأمور في اليمن أصبحت اليمن خاضعة للنفوذ الإيراني عمليًا وتستطيع أن تناور بها في صراعها بالملف النووي مع الولايات المتحدة، وبالتأكيد قد فعلت ومررت هذا الانقلاب على عين الولايات المتحدة، فمع تصعيد الحوثي في اليمن يخرج الرئيس أوباما ليؤكد رفض أي عقوبات جديدة على إيران الداعم الرئيسي لجماعة الحوثي، بذلك ضمنت جماعة الحوثي غض الطرف الأمريكي مؤقتًا عما يحدث في اليمن كبادرة أمريكية للتوافق مع طهران في ملف أعلى شأنًا.

وقد تفاخر مسؤول إيراني مؤخرًا بأنه، وبفضل الحوثيين، باتت العاصمة اليمنية "في يد إيران" الآن، جنبًا إلى جنب مع عواصم العراق وسوريا ولبنان، كما سيساعد هذا في اكتمال المشروع الإيراني لتطويق الخليج عامةً والسعودية بالتحديد عن طريق الجار اليمني.

أما عن السعودية (أحد اللاعبين الرئيسيين في اليمن) فإن المتغيرات الداخلية بها صنعت اضطرابًا في موقفها بصنعاء، فعقب مرض ووفاة العاهل السعودي الملك عبدالله انشغلت المملكة في ترتيب البيت الداخلي المؤهل للانفجار في أي لحظة تزامن هذا مع التخلي عن الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي؛ ما جعله سهل المنال بالنسبة للحوثيين بفقد الدعم السعودي.

في بداية الأمر بالنسبة للسعودية كان الهدف الأول من حرب الحوثيين ضد آل الأحمر في اليمن هو تأديبهم من قبل السعودية نظرًا لتطاولهم في بعض التصريحات على السعودية، ولكن هذه المرة كانت بأيدي وسلاح الحوثيين "الأعداء التاريخيين للسعودية"، وكذا سلاح سعودي سلمته السعودية لهم بطريقة غير مباشرة عندما دخلت في حرب معهم أشبه بالمسرحية الهزلية، وغنم الحوثيون أسلحة سعودية أو بالأصح سُلمت لهم وكأنهم غنموها من حربهم مع السعودية، وكان هذا أيضًا لكسر شوكة الجناح المسلح لحزب الإصلاح اليمني المحسوب على تيار الإخوان المسلمين وخلق تفوق نوعي للحوثيين نكايةً بهم، ظلت السعودية ترود في وحش الحوثيين حتى انتفض في وجهها بدعمٍ إيراني واضح، كذا كان الحال في الموقف الإماراتي والخليجي عمومًا الذي رحب بالحرب على الإخوان في اليمن من قبل الحوثيين إلى أن وصل الحوثيون إلى صنعاء فظهر الموقف الخليجي متململًا في وجه التقدم الحوثي الأمر الذي استفادوا منه على الأرض.

اكتفت السعودية (الزعيم الخليجي) بإشعال حرب إعلامية مع طهران دون أي خطوات جدية على الأرض تغير من سير الأمور في اتجاه استتباب الوضع الحوثي على رأس اليمن.

فالصحف السعودية من جانبها، وجهت أصابع الاتهام نحو طهران، متهمةً إياها بالوقوف خلف الانقلاب الحاصل في اليمن، حيث قالت جريدة الوطن السعودية في افتتاحية لها  "بالتأكيد بات اليمن ورقة ضغط في يد الجمهورية الإيرانية، فرضتها خسارة إحدى أذرع النظام الإيراني في المنطقة، بعد إجبار نوري المالكي على مغادرة السلطة في بغداد"، هذا الذي  عزز من تواجد جماعة الحوثي إقليميًا في ظل غياب ضغط سعودي حقيقي.

وبالعودة إلى الولايات المتحدة التي تشترك مع جماعة الحوثي في عدائها للقاعدة باليمن والتي تنفذ الولايات المتحدة تجاهها ضربات جوية بشكلٍ مستمرٍ لتدمير معاقلها بالبلاد، يبدو أن الولايات المتحدة قد اقتنعت بإطلاق يد الحوثي في البلاد لمواجهة القاعدة ميدانيًا أو بالمصطلح الأمريكي "محاربة الإرهاب" هذا المصطلح الذي استخدمته جماعة الحوثي أيضًا وتعهدت به بعد انقلابها وسيطرتها على البلاد ما يشكل توافقًا ضمنيًا بين عدوين على عدو مشترك.

ويؤكد هذا تدافع المسؤولين في إدارة أوباما الأسبوع الماضي للاتصال بقادة الحوثيين، والتأكيد لهم على أن الولايات المتحدة لا تعتبرهم عدوًا لها، كذلك تصريح أحد كبار مسؤولي الإدارة الأمريكية: "نحن نتحدث مع الجميع، مع كل من يريد التحدث معنا"، ولم يكن كبار قادة الحوثيين على استعدادٍ لتلبية الدعوة للقاء بالأمريكان حتى الآن، ولكن الأمريكيين يعملون على تحقيق ذلك بشكلٍ  جدي.

أما بالحديث عن الموقف الأوروبي لم يخل هو الآخر من شجبٍ وإدانةٍ لما حدث، فالاتحاد الأوروبي يصف الإعلان الدستوري في اليمن بالغير شرعي في الوقت نفسه تقوم فرنسا بدعم خفي لسيطرة الحوثي على البلاد.

فشركة توتال الفرنسية تحصل على الغاز اليمني بأبخس الأثمان حيث زادت مطامعها بعد سيطرت الحوثي للحصول على حق التنقيب عن الغاز والنفط اليمني في مأرب في منافسة لشركة صافر اليمنية الوطنية، وبعد دخول الحوثيين صنعاء اتفقت معهم شركة توتال على أن يتم منح الشركة الامتيازات التي هي ضمن أعمال شركة صافر بالأساس، على أن تقوم فرنسا بدعم الحوثيين في معاركهم وبسط سيطرتهم على مأرب وبقية المحافظات.

وقد كُشف قبل أيام عن وثيقة الاتفاق السرية بين الحوثيين وشركة توتال، وبعد أن عرض
الحوثيين هذا الاتفاق على مدير شركة صافر ورفضها بشدة وبعد رفضه بأيام تم اقتحام مكتبه وإقالته واستبداله بمدير آخر حوثي لكي يسهل تمرير الصفقة المدمرة لشركة صافر وللاقتصاد اليمني.

وفي هذا الصدد هناك تحرك دولي فرنسي للقضاء على ماتبقى من المعوقات والمعرقلين للمشروع الفرنسي الحوثي والمتمثله في قبائل مأرب الرافضين بشدة دخول مليشيا الحوثي إلى مأرب، إذ إن الحوثي يسعى إلى بسط سيطرته على منابع النفط في مأرب من أجل تسهيل عملية التسليم لشركة توتال والتحكم في منابع النفط هناك، وهذا التحرك سوف يكون باسم محاربة الإرهاب والقاعدة في مأرب والذي تدعي فرنسا أنه يشكل تهديد على أمنها بعد الهجوم على صحيفة شارلي إيبدو في باريس وسيتم هذا أيضًا بغطاء دولي مباشر أو غير مباشر بزج الحوثي للقيام بالمهمة.

وتأكيدًا لهذا الحديث دخلت فرنسا على خط الأزمة اليمنية، إلى جانب الدول الإقليمية والدولية الأخرى، وأرسلت تعزيزات عسكرية ولوجستية إلى السواحل الشرقية والجنوبية لليمن تحت زعم حماية المصالح الفرنسية، فقلد كان هذا ثمن السكوت عن انقلاب الحوثي واستمرار دعمه ولو صدرت بعض بيانات الشجب والإدانة الأوروبية أو تهديد مجلس الأمن للأطراف في اليمن الذي لن يغير موازين القوى بأي حال.