تحتل موريتانيا موقعًا جغرافيًا مناسبًا لخلق شعب مزيج بين الأفارقة السود في جنوب القارة والشعوب البيضاء في الشمال، وفعلاً شكّلت موريتانيا على مر التاريخ نقطة وصل حضاري وجسرًا تجاريًا ربط ما بين الشمال والغرب الأفريقيين وتشكل ذلك في تجارة القوافل بين تمبكتُو وسجلماسة، إلا أن الشعبين لم يمتزجا وإنما نشأ في المنطقة تجمع سكاني ذو ثقافتين متعايشتين ويجمعهما الإسلام.

 في بداية القرن الحادي والعشرين لازالت موريتانيا مقسمة إلى مجموعتين سكانيتين هما البيضان والأفارقة الزنوج، تعيشان معًا في المدن الكبرى، ويسكن الأفارقة، الذين تعود أصول معظمهم لدولة السنغال رغم جنسيتهم الموريتانية، بمحاذاة النهر لأنهم مزارعون، بينما يوجد البيضان في المناطق الأخرى لأنهم في الأصل بدو، فبقية البلاد صحراوية أو شبه صحراوية، وفيما يبدو فإن الإسلام (القاسم المشترك) والتعايش التاريخي يحتويان كثيرًا من الفروق الكامنة بين مكوني هذا الشعب.

مرور موريتانيا بسلسة متواصلة من الانقلابات والحكم العسكري المتجدد حال دون أن يتوفّر إنتاج ثقافي وطني سواء عبر السينما أو حتى من خلال الكتب، وهو ما خلق لها حالة من الانزواء الإعلامي، فالقارئ العربي عمومًا لا يعرف الكثير عن موريتانيا عدا ما تنقله وكالات الأنباء من انقلابات قد تحصل بين الفينة والأخرى أو عن اجترار أخبار الأزمة السياسية التي تتواصل إلى اليوم منذ سنوات.

نستعين اليوم بوثيقة نشرتها صحيفة يومية للتعرّف على خصائص المجتمع الموريتاني ومحاور تميزه عن باقي البُنى الاجتماعية في دولنا العربية، وهي وثيقة بعنوان "السياسة الوطنية للأسرة" أوردتها صحيفة "الأخبار الموريتانية" في شكل تسريب لمعطيات رسمية تحصلت عليها الأخيرة.

هي أرقام صادمة في المجال الاجتماعي، حسب تعبير الصحيفة، فقد كشفت جملة من الأرقام لها علاقة بالأسرة الموريتانية التي قد تتضارب مع التصور المسبق للطابع المحافظ لهذا المجتمع.

ارتفاع نسب الطلاق

كشفت دراسة "السياسة الوطنية للأسرة" عن ارتفاع مذهل في نسب الطلاق في موريتانيا، حيث بلغت نسبته 31% من الموريتانيين، وهو ما أعادته الدراسة لعدة عوامل اجتماعية واقتصادية، وأكدت الصحيفة أن نسبة 60% من هذه النسبة تتم في الخمس سنوات الأولى من الزواج.

ووصفت الوثيقة الرسمية الزواج بأنه "ممارسة شبه عامة في موريتانيا"، مشيرة إلى أن الفئة العمرية 45 إلى 49 سنة لا يبقى منها من دون زواج سوى 2% من النساء، و1% من الرجال.

وعن سن الزواج في موريتانيا قالت الوثيقة إن نسبة الزواج تصل إلى 24% من الفئة العمرية 15 - 19 سنة، و51% في الفئة العمرية 20 - 24 سنة.  

وبحسب الإحصائيات المقدمة، متوسط الأسرة الموريتانية هو 5.7 أشخاص، ويتباين هذا المعدل حسب الولايات.

في هذا السياق، من المهم أن نشير إلى أنه وعلى خلاف باقي المجتمعات العربية، وضع المرأة المُطلقة لا يختلف كثيرًا عن وضع البنت البكر، بل إن المطلقة التي في حوزتها أبناء، تتكفل أمها بالاعتناء بهم في حال قررت الزواج مرة أخرى، وعادة ما يعقب الطلاق زواجًا آخر وهكذا، حسب ما أوردته الناشطة خ. ج. خ لنون بوست.

وهو ما دعمته الوثيقة المسربة بالأرقام، فنسبة 74% من النساء اللاتي تعرضن للطلاق من زواجهن الأول، تزوجن من جديد، كما أن نسبة 25% من النساء تزوجن مرتين على الأقل، و7% تزوجن ثلاث مرات فأكثر، وتعود أعلى نسب الطلاق لما وصفته الوثيقة بـ "المجموعة العربية".

مجتمع فتي و44 بالمائة من الأطفال دون أحد أبويهم                         

كنتيجة طبيعية لارتفاع نسبة الطّلاق، ذكرت الصحيفة أن الوثيقة وضحت أن 44% من الأطفال الموريتانيين يعيشون مع أحد أبويهم دون الآخر، فـ  28% من الأطفال الموريتانيين يعيشون مع أمهاتهم فقط، و4% يعيشون مع آبائهم فقط، في حين يعيش ما يقارب 12 بالمائة من الأطفال الموريتانيين دون الـ 15 سنة بدون الأب والأم معًا.

وتشكل فئة الشباب ممن أعمارهم دون 15 سنة  نسبة 42.2%، فيما تشكل فئة 15 إلى 64 سنة نسبة 54.2%، أما الفئة أعلى من 65 سنة فلا تتجاوز نسبة 3.6%.

وعلى مستوى الإحصاء الجندري، تشكل النساء نسبة 51.2%، فيما يشكل الرجال نسبة 48.8%.

زواج الأقارب، موروث مجتمعي راسخ

توقفت الوثيقة مع ارتفاع نسبة الزواج بالأقارب في موريتانيا، مشيرة إلى أن 68% من النساء الموريتانيات تزوجن بأقارب تربطهن بهن علاقة مباشرة، 43% منهن بأبناء عمومة أو خؤولة مباشرين، و17% مع أبناء عمومة غير مباشرين، و8% مع من تصلهن بهم رابطة قرابة أخرى.  

وحددت الدراسة أن نسبة 12% من النساء الموريتانيات معنيات بتعدد الزّوجات، مشيرة إلى حضورها في القوميات الموريتانية، حيث يبلغ نسبة 55% في المجتمع السوننكي، و32% في المجتمع الولفي، و27% في المجتمع البولاري، و3% في مجتمع البيظان.  

وأشارت الدراسة إلى تراجع نسبة النساء التي تعتمد في إعالتها على النساء من 36 إلى 29%.

وحسب الناشطة خ.ج.خ، المسألة القبلية تحضر وبقوة في مسألة زواج البنت خاصة، فهنالك قبائل لا يمكن أن تتزاوج فيما بينها مهما حصل، خاصة بين القبائل التي تتوارث جيلاً بعد جيل خصومات تاريخية، كما أن البنت التي يعود أصلها للقبائل العربية لا يمكن أن تتزوج ممن يُطلق عليهم هناك بالزنوج والعكس كذلك حينما تكون الفتاة زنجية، والأمر راسخ كفاية في العمق المجتمعي الموريتاني بشكل لا يُمكن التمرد عليه، فالبنت منذ أن تبلغ سن الزواج، يتم إعلامها بالمحظورات العرقية والقبلية.

نمط العيش

توقفت الوثيقة مع أنماط السكن في موريتانيا، مشيرة إلى أنه ينقسم إلى نوعين: أحدهما المساكن الهشة، الخيام، والأعرشة، والأكواخ، وثاني هو الدور، وأكدت الدراسة أن النمط الأول هو السائد على المستوى الوطني.

وتكشف الدراسة أن نسبة 64% من الموريتانيين يعيشون في سكن أرضي مغطى بالرمال أو بالطين، و30% مغطى بالأسمنت، و4% مغطى بالمربعات الجيرية.

وتتوقف الدراسة مع موضوع الصرف في البلاد، مشيرة إلى أن نسبة 51% من الأسرة الموريتانية لا تتوفر على مراحيض، و64% من القمامة المنتجة في الوسط الحضري لا تتم معالجتها، مشيرة إلى أن بقية الأوساخ والقمامة يتم دفنها أو حرقها، أو نقلها بواسطة يد عاملة غير مؤهلة، وتستخدم وسائل بدائية، كالأكياس، والعربات التي تجرها الحمير.

وتشير الوثيقة إلى أن نسبة الفقراء في موريتانيا تبلغ 46%، وترتفع في الأرياف لتبلغ 60%، وتتزايد فيما أسمته الوثيقة الريف النهري إلى 71%.

وتعتمد 69% من الأسر الموريتانية في إنارتها على الشمع أو المصباح اليدوي،، وترتفع النسبة في الريف لتبلغ 88%.