العلاقات الهندية الإسرائيلية تخرج من مخبأها، هكذا صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعالون في زيارته للهند، وهي الزيارة الأولى من نوعها على هذا المستوى منذ تطبيع العلاقات بين البلدين في أوائل التسعينيات، حيث لقى يعالون ترحيبًا دافئًا من رئيس الوزراء الهندي الجديد نارندرا مودي، والمعروف عن حزبه ميله نحو إقامة علاقات وطيدة مع إسرائيل.

شملت الزيارة استقبالًا رسميًا في العاصمة دلهي في 19 فبراير، ثم المشاركة في معرض "أيرو إنديا" Aero India في مدينة بنغالور، وهو معرض جوي تنظمه وزارة الدفاع الهندية، وتشارك فيه أكثر من 300 شركة من حوالي 30 بلدًا، أبرزها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وروسيا وإسرائيل وألمانيا، وكان يعالون قد وصل إلى المدينة لافتتاح الجناح الإسرائيلي في المعرض بنفسه.

"العلاقات بين الهند وإسرائيل تزداد قوة، وأنا فخور كوني أول وزير دفاع إسرائيلي يزور الهند، إنه شرف كبير لإسرائيل"، هكذا تحدث يعالون للإعلام أثناء وجوده بالمعرض، والذي تواجد فيه أيضًا نائب رئيس الأركان الإسرائيلي دان هاريل، "إسرائيل تمتلك شراكة أمنية قوية مع الهند، فنحن شريكان في مواجهة الإرهاب، ونعمل على تعزيز التعاون الموجود بين وزارتي الدفاع والقوات المسلحة في البلدين".

تُعَد إسرائيل ثالث أكبر مورّد عسكري للهند، بعد روسيا والولايات المتحدة، ومن المتوقع أن تشهد السنوات الأربع المقبلة تعميقًا للتعاون العسكري والأمني والاستخباراتي بين البلدين نظرًا لوجود حزب بهارتيا جنتا الهندوسي القومي في السلطة، بقيادة مودي، والذي يميل حزبه إلى إقامة علاقات قوية مع إسرائيل، دون الحرص المبالغ فيه على علاقات الهند التاريخية مع العالم العربي، منذ ظهوره بقوة على الساحة السياسية في أواخر التسعينيات، لاسيما وأن رؤية الحزب تعتبر التطرف الإسلامي في الشرق أبرز المخاطر التي تواجهها الهند.

"مواجهة الإرهاب هو أمر يجب أن نعمل عليه معًا لا منفردين، فالتطرف الذي نشعر به في كافة أشكال الحركة الإسلامية يؤثر على الهند وإسرائيل وكل بلدان العالم المتحضّر"، هذا ما قاله مارك سوفر، السفير الإسرائيلي السابق في الهند، ورئيس قسم أسيا والهادي في وزارة الدفاع الإسرائيلية، "لقد سعت الهند دومًا إلى تحقيق التوازن (بين العرب وإسرائيل) منذ تطبيع العلاقات عام 1992، ولكن علاقاتنا الثنائية في بعض المجالات كانت ولاتزال مُبهمة وغير معلنة".

اتفاقيات عسكرية جديدة

في هذا السياق، أعلنت وزارة الدفاع الهندية عن اتفاق البلدين على تطوير نظام صاروخي أرض جو متوسط المدى MRSAM لصالح الجيش الهندي، بتكلفة قد تصل لستة مليارات دولار، ليحل محل نظامي الدفاع الروسيَّين كفادرت Kvadrat وOSA-AKM، وليكون بذلك واحدًا من أكبر المشاريع العسكرية المشتركة التي تقوم بها الهند مع بلد آخر، بعد أن بدأ التفاوض بشأنها في 22 فبراير المنصرم بين وزيري الدفاع الهندي والإسرائيلي.

تُعَد هذه المنظومة نسخة برية من النظام الجوي MRSAM، المفترض أن يبدأ أول تجاربه عام 2017، والذي تطوّره الهند أيضًا مع إسرائيل منذ العام 2009، وكانت المفاوضات قد توقفت حيال مشروع MRSAM الصاروخي مع إسرائيل منذ عامين نظرًا لتأخّر تطوير المشروع الجوي.

بموجب الاتفاق، ستقوم منظمة بحوث وتنمية الدفاع الهندية، المملوكة لوزارة الدفاع، بالعمل مع شركتي إسرائيل أيروسبيس إنداستريز Israel Aerospace Industries ورافايل Rafael، لتطوير النظام الصاروخي، والذي ستنتجه شركة بهارت دايناميكس Bharat Dynamics Ltd، المملوكة للدولة في الهند، بالإضافة إلى مشاركة من القطاع الخاص الهندي عن طريق شركتي تاتا باور TATA Power SED، ولارسن آند توبرو Larsen & Toubro.

يُعَد هذا المشروع هامًا للهند نظرًا لقصور في بعض المجالات بشبكة الرادار الخاصة بها، وهشاشة أنظمة الدفاع الجوي الروسي بيتشورا Pechora وإجلا Igla الموجودة منذ سبعينيات القرن الماضي، ومن المتوقع أن يزوّد المشروع الجيش الهندي بتسعة أسراب جوية متطورة، يحتوي كل منها على وحدتي إطلاق MRSAM، والتي تتكون الواحدة منها من مركز قيادة وتحكّم، ورادار قادر على استهداف الطائرات، ورادار توجيه، وثلاث قواعد إطلاق بثمانية صواريخ في كل قاعدة.

بالإضافة إلى نظام MRSAM، توصلت وزارتا الدفاع الهندية والإسرائيلية إلى اتفاق مبدأي حول التطوير المشترك لنظام باراك 8 الصاروخي، بالإضافة إلى العمل على مشروع آخر في مجال الدفاع الجوي، واتفاق آخر أعلنته مجموعة كالياني الصناعية الهندية مع شركة رافايل لتطوير وتصنيع معدات عسكرية متطورة، وهو اتفاق لم يفصح أي طرف عن تفاصيله.

كانت الهند قد اتفقت العام الماضي على شراء 8.356 صاروخ سبايك موجه مضاد للدبابات مع 321 قاعدة إطلاق من إسرائيل مقابل نصف مليار دولار، كما تشاورت حول اتفاقيات بخصوص التعاون لمواجهة التطرف الإسلامي، والتعاون في مجال تكنولوجيا الاستخبارات وجمع المعلومات.

العلاقات الهندية الإسرائيلية

منذ حوالي عقدين، تقوم الهند بالتعاون مع إسرائيل، لاسيما في المجالات الأمنية والعسكرية، إلا أن التعاون بينهما كان يتم خلف الستار نظرًا لتخوّف الهند من ردود أفعال المسلمين في الداخل، وغضب شركائها الاقتصاديين في العالم العربي، وبالتحديد الخليج الذي يلعب دورًا هامًا في تزويد الهند بالنفط ويستضيف الملايين من العمالة الهندية، بالإضافة إلى موقف حزب الكونجرس الحاكم سابقًا، والذي يميل لليسار المعادي لمواقف إسرائيل السياسية، وهو موقف تبناه منذ منتصف القرن الماضي حين كان جواهرلال نهرو رئيسًا للوزراء.

بيد أنه بدخول اليميني القومي نارندرا مودي إلى رئاسة الوزراء، وبأجندة حزبه وتعهداته بمواجهة التطرف المدعوم من باكستان بحزم، تبدو العلاقات بين البلدين في طريقها إلى العلن، وهو ما بدأت بوادره العام الماضي بلقاء بين مودي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نيويورك على هامش جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث ناقشا علاقات البلدين بالإضافة إلى البرنامج النووي الإيراني، وكان الاجتماع هو الأول بين زعيمي البلدين منذ أكثر من عقد، كما زار وزير الشؤون الداخلية الهندي راجنات سينغ إسرائيل في نوفمبر الماضي، بعد ستة أشهر فقط من دخول مودي إلى السلطة، وكانت زيارته هي الأعلى على المستوى الرسمي من الهند إلى إسرائيل.

إيران وبرنامجها هي إحدى المواضيع التي تختلف فيها الهند مع إسرائيل نظرًا لعلاقتها الوطيدة مع إيران، والتي تعتمد عليها في النفط والغاز، وكذلك في الكثير من تحالفاتها الإقليمية، إذ يواجه البلدان معًا طالبان في أفغانستان، كما يتشاركان رغبة في احتواء الدور الباكستاني في أسيا الوسطى، أضف إلى ذلك أن الالتزام بالمعايير الدولية فيما يخص المشاريع النووية لا يهم الهند كثيرًا، لاسيما وأن مشروعها النووي العسكري غير معترف به من قبل اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية.

جدير بالذكر أن مودي يتمتع بعلاقات قوية مع إسرائيل على المستوى الشخصي منذ كان رئيسًا لولاية كوجرات بين عامي 2002 و2014، فهو أول رئيس وزراء هندي يكون قد زار إسرائيل قبل توليه المنصب، وكانت زيارته لإسرائيل عام 2006 قد تمت بعد دعوته لحضور مؤتمر عن تكنولوجيا الزراعة، حيث لقيت تجربة إسرائيل في تطوير الزراعة وإدارة الموارد المائية إعجاب مودي؛ وهو ما دفعه لتعميق التعاون معها في هذا المجال، واستثمارها لمليارات الدولارات في كوجرات، بالإضافة إلى مساهمتها في مشروعات أخرى في الولاية، من الإلكترونيات والأدوية والطاقة وحتى تحلية المياه وبناء المواني.