ترجمة وتحرير نون بوست

في تطور ملفت حصل خلال جلسة المحاكمة التي تم فيها الاستماع لأقوال المتهمين بجريمة قتل المعارض الروسي بوريس نيمتسوف، تبين أن أحد زملاء الزعيم الشيشاني المدعوم من الكرملين رمضان قديروف قد شارك في هذه الجريمة التي تثير من الأسئلة أكثر مما تجيب عنه بكثير.

الشيشاني زاؤور داداييف، كان واحدًا من خمسة رجال تم سماعهم كمتهمين في جريمة قتل المعارض الروسي في محكمة موسكو يوم الأحد، وجميعهم من منطقة القوقاز شمالي روسيا، وتشير القاضي ناتاليا موشنيكوفا أن تورط داداييف في ارتكاب هذه الجريمة ثابت، ليس فقط نتيجة لاعترافه بالجرم، بل أيضًا وفقًا للأدلة التي تم جمعها في هذه القضية الجنائية.

ووفقًا للصحفيين الذين كانوا موجودين أثناء المحاكمة، اعترف داداييف بضلوعه بالجريمة، حيث رفع سبابته في قاعة المحكمة، بحركة ذات مغزى إسلامي معروف، وقال "أنا أحب النبي محمد".

من جهته كتب الزعيم الشيشاني على صفحته في الإنستغرام مساء الأحد "أنا أعرف زاؤور كوطني روسي حقيقي"، مؤكدًا أن داداييف كان قد خدم في أحد الكتائب التابعة له، وكان نائب قائد الكتيبة، وأحد الجنود الأقل خوفًا والأكثر شجاعة في ضمنها.

ويتابع قديروف بوصفه لداداييف أنه "مخلص تمامًا لروسيا"، وتوقع أن تكون جريمة القتل عبارة عن رد فعل غاضب على تأييد نيمتسوف للرسوم المسيئة التي نشرتها صحيفة تشارلي إيبدو الفرنسية، حيث كتب على موقعه في الإنستغرام "كل من يعرف زاؤور يدرك أنه شخص متدين جدًا، ومثل كل المسلمين، صُدم من رسومات تشارلي إيبدو المسيئة ومن التعليقات الداعمة لها"، وأضاف "في حال تبين نتيجة للمحاكمة أن داداييف مذنب، فهو يكون قد ارتكب جريمة خطيرة، ولكن أود أن أشير أن داداييف لا يمكن أن يقوم بأي فعل ضد روسيا، وهو الذي خاطر بحياته من أجلها لسنوات عديدة".

تم اغتيال نيمتسوف في 27 فبراير الماضي بينما كان عائدًا إلى منزله فوق جسر في وسط موسكو بجانب الكرملين، حيث أُردي قتيلاً بأربعة عيارات نارية في ظهره، هرب بعدها القاتل مباشرة بسيارته، ويتوجس العديد من حلفاء نيمتسوف من الطبيعة الاحترافية لهذه الجريمة، مشككين بكيفية حصول مثل هذه الجريمة الوقحة وسط روسيا وبجانب الكرملين، حيث اتهم العديد من حلفاء نيمتسوف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بجريمة القتل، واقترح البعض أن خطاب بوتين الذي اتهم فيه المعارضة الروسية بأنها "طابور خامس" خلق جوًا من الكراهية تم استغلاله من قِبل بعض الوطنيين الراديكاليين، أما البعض الآخر فقد اتهم بوتين بإعطاء الأمر بقتل نيمستوف بشكل مباشر، ويقول أليكسي نافالني زعيم المعارضة الأبرز في روسيا، إن الطريقة الوحيدة لدحض مشاركة الكرملين في هذه الجريمة، هو إجراء التحقيق في هذه القضية وحلها بشكل صحيح.

من جهته صرّح بوتين أنه "يتولى شخصيًا" الإشراف على التحقيق في هذه الجريمة، كما أعلن المتحدث باسمه بعد ساعات من قتل المعارض الروسي أن الاغتيال كان "مستفزًا مئة بالمئة" ومصممًا بهدف تشويه صورة روسيا، وفي الأسبوع الماضي صرحت حركة ضد الميدان الروسية المؤلفة من سياسيين وقوميين ودرّاجين جميعهم على علاقة بالرئيس بوتين أن "رعاة نيمتسوف في أمريكا" هم وراء هذا الهجوم، وصرّح المحققون أنهم يأخذون بعين الاعتبار النظريات المختلفة خلف حادثة الاغتيال، بما في ذلك التطرف الإسلامي والخلاف بين زعماء المعارضة.

في جرائم القتل رفيعة المستوى السابقة التي تمت في روسيا، غالبًا لم يتم العثور على الشخص الذي أمر بتنفيذها، وفي كثير من الأحيان كان المسؤولون الروس يشيرون أن هذه الجرائم جرى إعدادها والأمر بتنفيذها من خارج البلاد لتشويه سمعة بوتين والكرملين، وعندما كان المنفي بوريس بيريزوفسكي لايزال على قيد الحياة، تم اتهامه من قِبل المسؤولين الروس بالضلوع خلف الكثير من حوادث القتل، والتي كان يتم تنفيذها لتظهر كما لو أنها قد تمت برعاية الكرملين، أما الآن وبعد موت بيريزوفسكي، انتقلت الاتهامات لتنهال على وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أو وكالات الاستخبارات الغربية الأخرى.

ولكن سياق الأحداث في هذه الجريمة يتناقض مع اتهام "عملاء أجانب" بارتكاب الاغتيال، حيث أعلن ألكسندر بورتنيكوف مدير جهاز الأمن الفيدرالي الروسي عن الاعتقالات التي تمت يوم السبت على خلفية حادثة الاغتيال، وبقيت المعلومات حول المشتبه بهم وخلفياتهم ودورهم في عملية اغتيال نيمتسوف ضبابية، ورغم أن أغلب المعتقلين تم القبض عليهم في إنغوشيا إلا أنه لم يتم الكشف عن تفاصيل اعتقالهم والكيفية التي تم بها وعلى يد أي جهة تم الاعتقال، ويشير بعض المحللين أن الارتباك والضبابية قد نجما عن مباشرة العديد من الوكالات بالتحقيق، التي ربما يحاول بعضها حل الجريمة بمواجهة البعض الآخر الذي يسعى لتغطيتها وطمس معالمها.

أفادت وكالات الأنباء الروسية أن رجلاً يبلغ من العمر 30 عامًا وهو أحد المشتبه بهم في جريمة قتل نيمتسوف، فجّر نفسه بقنبلة يدوية عندما حاولت الشرطة اعتقاله في غروزني عاصمة الشيشان، وهذا الحدث أدى أيضًا إلى زيادة الشبهات والأسئلة حول قضية الاغتيال، علمًا أن قديروف أشار أن اسم الرجل هو بيسلان شافانوف، وقد كان أيضًا "محاربًا شجاعًا".

على الصعيد القانوني، تم اتهام داداييف وأنزور غوباشاييف بجريمة القتل خلال إجراءات المحاكمة، في حين أن ثلاثة أشخاص آخرين هم شهيد غوباشاييف - الشقيق الأصغر لأنزور- وتامرلان اسكيرخانوف وحمزة باخايف، ليسوا متهمين رسميًا ولكن تم تمديد اعتقالهم على ذمة التحقيق، وجميع المتهمين –عدا داداييف- زعموا براءتهم، حيث قال أسكيرخانوف إنه كان في العمل في وقت ارتكاب الجريمة، ولديه شهود يمكنهم إثبات هذا الدفع.

تم إدخال المتهمين إلى المحكمة وإخراجهم منها مع حراسة مشددة من رجال الأمن الذي أحنوا رؤوس المتهمين وقيدوا أيديهم خلف ظهورهم، وعندما أصبح المتهمون داخل قفص الاتهام في قاعة المحكمة، حاولوا إخفاء وجوههم من الكاميرات باستخدام قبعاتهم أو ياقاتهم أو بوضع صفحة من الورق أمام وجوههم.

في جريمة قتل الصحافية الاستقصائية آنا بوليتكوفسكايا في عام 2006، تم اتهام ومحاكمة مجموعة من الشبان الشيشان بجريمة القتل، ولكن الشخص الذي أمر بالجريمة لم يتم التعرف عليه بتاتًا، وأمام هذا الواقع الغامض ألمحت السلطات الروسية مرارًا وتكرارًا أن بيريزوفسكي هو العقل المدبر لهذا الاغتيال، هذا الاتهام الذي تم نفيه من قبل أصدقاء وزملاء بوليتكوفسكايا، التي كانت صحافية مرموقة كتبت العديد من المقالات التي تفضح انتهاكات حقوق الإنسان في الشيشان تحت حكم قديروف، والآن وبعد اغتيال نيمتسوف، عادت الشيشان مرة أخرى إلى دائرة الضوء رغم أن اعتراف قديروف أنه على معرفة وثيقة بالقاتل، وذهابه لتبرير الجريمة هو تطور مثيرة للدهشة.

صديقة نيمتسوف الأوكرانية البالغة من العمر 23 عامًا آنا دوريتسكايا، كانت تسير معه وقت تنفيذ عملية الاغتيال، حيث أدلت بشهادتها أكثر مرة أمام الشرطة بغية الوصول إلى أكبر عدد من الأدلة، ولكن مع ذلك، أفادت أنها لم تستطع رؤية وجه الرجل الذي أطلق النار، كما أنها لا تتذكر الكثير عن السيارة التي هرب فيها.

العلاقات الشيشانية الروسية

في أواخر العام الماضي تم تصوير مقطع فيديو يظهر رمضان قديروف يلقي خطابًا في استاد في غروزني، وحوله الآلاف من عناصر الشرطة الشيشانية وأفراد القوات الخاصة، قديروف ألقى خطابًا مطولاً أشار فيه إلى تعهد الرجال بالولاء لروسيا وللرئيس الروسي فلاديمير بوتين شخصيًا، وأنهى خطابه بقوله "يعيش وطننا العظيم روسيا، يعيش زعيمنا الوطني فلاديمير بوتين، الله أكبر".

قديروف، هو مسلح سابق، أعطته موسكو امتيازات ضخمة وأطلقت يده لحكم الشيشان بالطريقة التي يراها مناسبة، حيث قام قديروف بتحويلها إلى مزرعته الخاصة، وأعلن عدم تسامحه مع أي معارضة داخل البلاد، ونشر فيها عناصر من المتشددين الإسلاميين، والاتفاق غير المكتوب ما بين روسيا وقديروف، يتضمن تعهد الأخير بالولاء للكرملين، في مقابل قيام موسكو بإطلاق يده ليفعل ما يشاء في الشيشان، وكثير من الساسة الروس يعبرون عن مخاوفهم بشأن القوة والفصائل المسلحة التي شكلها قديروف والتي يمكن أن تشكل تهديدًا محتملاً لروسيا في يوم من الأيام.

قديروف نفى دائمًا المزاعم التي تتهمه بانتهاكات حقوق الإنسان وعمليات القتل خارج نطاق القضاء، رغم أنه في عام 2009، أصدرت شرطة دبي أمرًا بالقبض على ابن عم قديروف المسمى آدم دليمخانوف النائب في البرلمان الروسي، الذي يُنظر إليه على أنه اليد اليمنى لقديروف، حيث تم اتهام دليمخانوف بضلوعه باغتيال القائد الشيشاني سليم ياماداييف في دبي، الذي قُتل شقيقه رسلان وسط موسكو في العام السابق بظروف غامضة، ورغم اتهامه يواصل دليمخانوف ظهوره بصفة نائب روسي، كما أن الكتيبة التي كان يخدم بها داداييف تُدار من قبل شقيق دليمخانوف.

في يناير الماضي، تجمع مئات الآلاف من المحتجين في مسيرة بغروزني دفاعًا عن النبي محمد، ولإدانة رسوم تشارلي إيبدو، وفي ذات الوقت تقريبًا قال قديروف إن ميخائيل خودوركوفسكي - أحد معارضي بوتين الذي يقيم حاليًا في سويسرا بعد أن أمضى عشر سنوات في السجن - هو الآن عدوه الشخصي، بعد أن كتب على تويتر أن جميع وكالات الأنباء المحترمة يجب عليها إعادة نشر رسوم شارلي إيبدو في أعقاب عمليات باريس، حيث علق قديروف على هذا بقوله "أنا واثق أنه حتى في بلده المحبب سويسرا، سيكون هناك الآلاف من المواطنين الملتزمين بالقانون الذين يرغبون في تقديمه للمحاسبة".

وفي سياق متصل يمكن أن تشير عبارة داداييف التي قالها في المحكمة "أنا أحب النبي محمد" إلى أن الدافع في قتل نيمتسوف كان يتعلق بدعمه للرسوم المسيئة في صحيفة تشارلي ايبدو، حيث يتجه المحققون الروس لاعتبار هذا الدافع كأحد النظريات الممكنة، كما يشير تعليق قديروف على الإنستغرام مساء يوم الأحد أيضًا أن رسوم تشارلي إيبدو يمكن طرحها كدافع لجريمة القتل.

ولكن مع ذلك، ومن بين جميع القضايا التي كان نيمتسوف مشهورًا وصريحًا بها، لم يكن موقفه من رسوم شارلي إيبدو واضحًا ومعروفًا للجميع، حيث كتب مدونة قصيرة فقط حول هذه القضية، ومحاولة تصوير جريمة القتل التي تمت بجانب الكرملين على أنها جرت بدافع عاطفي، لن تزعزع ثقة وقناعة الكثيرين بأن دافع هذه الجريمة هو - في المقام الأول - سياسي وليس ديني.

وقد استبعدت المعارضة الروسية ما روج عن تورط اسلاميين في اغتيال نيمتسوف، حيث قال متحدثون باسم المعارضة أن تلك الادعاءات هي مجرد سخافات صادرة عن الكرملن الذي يريد إخفاء الحقيقة في هذه القضية.

المصدر: الجارديان