غيّر الإنترنت كثيرًا من حياة البشر على مدار العقد المنصرم، ولكنه لم يفصح عن كافة إمكانياته بعد، إذ يتوقع أن يغيّر من طبيعة المدن والأشياء خلال العقد الماضي، كما تُنبئ لنا بوادر ثورة "إنترنت الأشياء" Internet of Things، والتي ستصل، ليس بين البشر فقط، ولكن بين البشر والعلميات اليومية والبيانات والأشياء، وهي ثورة بدأت تنطلق بالفعل في عالم الأعمال والحكومات والمؤسسات الأكاديمية، ومن المتوقع أن تعيد تشكيل حيواتنا في المدن التي نعيش فيها خلال العقود المقبلة.

يُتاح الإنترنت حاليًا لحوالي نصف سكان الأرض، وسيكون متاحًا لثلثيهم بحلول عام 2020، وبينما يوجد الآن 13.5 مليار جهاز متصل بشبكة الإنترنت، فإن هذا الرقم سيصل إلى 50 مليار جهاز عام 2020، وسيكون هذا التضاعف الكبير نتيجة إنترنت الأشياء، لا نتيجة تضاعف الأجهزة التقليدية التي تدخل على الإنترنت مثل الهواتف الذكية والكمبيوتر والتابلت، بل نتيجة اتصال أجهزة مثل الساعات والسكك الحديدية وعُلَب القمامة ومحرّكات السيارات وغيرها بالإنترنت.

الإنترنت والخدمات العامة

يعيش أكثر من نصف سكان الأرض الآن في المدن أو في الضواحي المتاخمة لها، وهو تعداد سيزداد بينما تتصاعد التنمية في العالم النامي، خاصة في الصين والهند وأمريكا اللاتينية، وسيُجبِر الحكومات والمؤسسات على التعامل بشكل مختلف مع مدن كبيرة الحجم لن تنفع معها وسائل الإدارة التقليدية للخدمات العامة والبنية التحتية، وستكون بحاجة أكثر من أي وقت مضى لثورة جديدة تعتمد على الإنترنت لتسمح لهذه المدن بالاستمرار بشكل جديد.

على سبيل المثال، ستكون القمامة واحدة من أبرز إشكاليات المدن في المستقبل، حيث يتوقع أن تزيد كمياتها مع نمو السكان، لتصل تكاليف جمع وإدارة القمامة عالميًا إلى أكثر من 350 مليار دولار بحلول عام 2025، وهي تكاليف يمكن تخفيضها بالطبع باستخدام الإنترنت، أبرزها عن طريق وصل صفائح القمامة عبر كافة أنحاء المدينة بالإنترنت، ليرسل جهاز صغير فيها إشارة إلى السلطة المحلية حين تكون ممتلئة وبحاجة إلى تفريغها، وليكون لدى سائقي شاحنات القمامة يوميًا خريطة ذكية تمر فقط على الشوارع التي امتلأت صفائحها، بدلًا من الطريقة التقليدية التي تهدر الوقت والمال.

أيضًا، فيما يخص شبكات توزيع المياه، سيكون متاحًا في المستقبل للمؤسسات المختصة أن تعرف متى تحتاج بنيتها التحتية إلى التغيير والإصلاح، وذلك بوضع أجهزة جس صغيرة في أنابيب المياه ترسل إشارات إذا ما جرى فيها أي عطل، وهو تطور من المتوقع أن تطبقه الولايات المتحدة التي شارفت أعمار الكثير من بنيتها التحتية على الانتهاء، وستحتاج خلال العقود المقبلة لثورة جديدة في بنيتها التحتية المتهالكة.

بالطبع، ستكون إضاءة الشوارع أحد المجالات الهامة للاستفادة من هذه التطورات، فاستخدام التكنولوجيا لكي تضيء الأنوار ليلًا لا صباحًا عن طريق استشعار ضوء الشمس لن تكون كافية على ما يبدو لتوفير الطاقة، بل سنتجه إلى استخدام أجهة تستشعر الحركة بالقرب من أي عامود للنور في شارع ما للإنارة فجأة، ثم الانطفاء إذا ما انتفت الحركة في محيطها، وهي تقنية أكثر دقة وتوفيرًا بالطبع، خاصة وأن استشعار ضوء الشمس لا يعمل بكفاءة أحيانًا نظرًا لتغيّر الظروف البيئية، وسيكون بإمكان تطور كهذا أن يقلل كثيرًا من معدلات الجريمة.

علاوة على ذلك، وبخصوص قراءة عدادات الكهرباء، وبدلًا من المرور على المنازل منفردة كما يحدث الآن، سيتيح الإنترنت التوصيل بين خطوط الكهرباء المختلفة في البناية الواحدة أو حتى الشارع الواحد، مما سيوفّر أصلًا من استهلاك العدادات المنفردة، وسيجعل عملية قياس استهلاك الكهرباء أكثر كفاءة وأسهل للسلطات أو المؤسسات المحلية العنية.

عالم المرور كذلك هو واحدة من المجالات المنتظر تحوّلها بشكل كبير بعد ثورة إنترنت الأشياء، والذي يطمح كثيرون إلى رؤية نتائجه لتخفيض تكاليف التنقّل وتقليل التلوث في آن، ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال تضيع طاقة تصل قيمتها إلى 120 مليار دولار أثناء انتظار السيارات في نقاط الازدحام المرورية فقط، بينما تتسبب السيارات الباحثة عن أماكن للانتظار في 30% من الازدحام المروري، وبالتالي تشارك في التلوث بشكل كبير، ماذا سيفعل الإنترنت إذن؟ ما فعلته مدينة سان كارلوس في ولاية كاليفورنيا، والتي وضعت أجهزة استشعار موصّلة بالإنترنت في أماكن الانتظار ترسل لسائقي السيارات أولًا بأول معلومات عن الأماكن المتاحة دون الحاجة إلى البحث الطويل.

محطة باص في برشلونة

في كل ذلك، سيكون متاحًا للمواطنين استخدام الإنترنت للتعرّف على الطرق المزدحمة من عدمها، لتفادي زيادة الازدحام فيها وتحسين الكفاءة المرورية، كما سيتسنى لهم الدخول على تطبيقات معيّنة لاستخدام المواصلات العامة ومعرفة الباصات المتاحة والوقت المنتظر لوصولها، وما إذا كان من الأسرع أن يستقلوا سيارة أجرة الآن أم الباص أم الدراجة وهكذا، وهو ما فعلته مدينة برشلونة في إسبانيا، إذ وضعت شاشات ذكية في محطات الباصات ليتسنى لك معرفة مواعيد الباص وخريطة توضح مكان تواجده في مقابل أقرب مكان لاستخدام دراجة بدلًا من ذلك، عوضًا عن معلومات إضافية عن المنطقة التي تقف فيها.

المدينة الذكية: برشلونة نموذجًا

هي المدينة الذكية إذن كما يُطلَق عليها الآن، والتي تدمج منظومات تكنولوجيا المعلومات مع البنية التحتية التقليدية، لتعطي مواطنيها حياة أكثر كفاءة وأقل تكلفة وتلوثًا، وهي موجودة بالفعل الآن، حيث يُعَد تعداد المدن الذكية اليوم 21 مدينة، ومن المتوقع بحلول عام 2025 أن تتجاوز الـ80، والأمثلة الأبرز حاليًا على المدن الذكية هي برشلونة ومدينة سونجدو في كوريا الجنوبية.

بدأت مدينة برشلونة بتطبيق إنترنت الأشياء منذ سنوات، ومن المتوقع أن توفّر نتيجة لذلك أكثر من ثلاثة مليارات دولار بسبب كفاءة النظم الجديدة، فالتكنولوجيا أصبحت الآن جزءًا أساسيًا من مكتب عمدة المدينة، وإدارة جمع القمامة، والمواصلات العامة كما ذكرنا، والصرف الصحي، وأماكن وقوف السيارات، ولتعزيز التواصل بين المواطن وكل ذلك، تقوم برشلونة حاليًا بنشر الواي فاي المجاني في أماكن متعددة ليستخدمه المواطنون أينما كانوا، وهو ما دفع الاتحاد الأوروبي لإعلان المدينة "مدينة أوروبا الأكثر إبداعًا" هذا العام، كما جعلها واحدة من بضعة مدن أوروبية تمتلك فائضًا في الميزانية نتيجة توفير الكثير من تكاليف الإجراءات التقليدية التي تسيّر بها المدن تلك المجالات.

في العام المنصرم، أعلن الاتحاد الأوروبي أن برشلونة هي "مدينة أوروبا الأكثر إبداعًا"، كما أشارت مجلة فروتشون إلى عمدة المدينة، خافيير ترياس، باعتباره واحدًا من أبرز 50 قائدًا في العالم، إذ "يقوم بتحويل المدينة المعروفة بثرائها الثقافي إلى واحدة من أذكى المدن في العالم، بشراكات مع شركات التكنولوجيا المعروفة، سيسكو ومايكروسوفت، ووجود مركز جديد للخدمات التكنولوجية قيد الإنشاء سيعزز علاقة المواطنين عبر هواتفهم فقط بالمؤسسات التي تحكمهم".

على الناحية الأخرى من الأرض، بدأت كوريا الجنوبية هي الأخرى في تطبيق ذلك النموذج بمدينة سونجدو، وهي مدينة جديدة ستُبنى على قواعد إنترنت الأشياء في كل مجالاتها، من الرعاية الصحية والإدارة اليومية والمواصلات، وحتى التعليم والأمن، وهي خدمات سيتصل بها المواطنون الكوريون من منازلهم بضغطة زر على هواتفهم أو أجهزة الكومبيوتر الخاصة بهم لتخطيط رحلاتهم اليومية من محطة الباص إلى العمل إلى المستشفى إلى المدرسة إلى الحديثة، وهكذا.

***

بانتشار نموذج المدينة الذكية، يتوقع الكثيرون أن تصبح الشوارع أكثر أمنًا، وحياة المواطنين أكثر سلاسة على مستوى التنقل اليومي والتعامل مع المؤسسات الحكومية، كما ستصبح البيئة المحيطة بهم أقل تلوثًا، بينما ستتمتع الحكومات المحلية بميزانيات أقل لتسيير الشؤون اليومية لسكانها، وبالتالي تخفيض العجز أو نقل الفائض لاستثماره في مجالات أخرى.