لعبت تركيا دورًا هامًا في ملف اللاجئين السوريين، وذلك بعد اندلاع شرارة الثورة السورية، كان ذلك الدور التركي خاضع لسياسة حزب العدالة والتنمية والقيادة السياسية في البلاد التي اتخذت موقفًا مساندًا للقضية السورية ككل، وأشادت بالفعل كافة الهيئات الإغاثية والمؤسسات الدولية بالدور التركي في حماية اللاجئين السوريين من الأخطار.

هذا الموقف التركي الرسمي من اللاجئين بالطبع تعرض لهجوم حاد من المعارضة التركية، كنوع من المكايدة السياسية، فبعد وصول عدد اللاجئين السوريين لقرابة المليوني لاجئ، ننظر إلى موقف المعارضة التركية من قضية الثورة السورية؛ فالموقف انقسم بين مناهض لهذه الثورة منحاز إلى مواقف بشار الأسد صراحة، بل إن وفود من المعارضة التركية زارت دمشق علنًا، وبين موقف أقل حدة يدعو إلى الحوار لحل الأزمة السورية، لكن كلا الموقفين اتفقا على معارضة موقف الحكومة التركية بزعامة رجب طيب أردوغان في السابق الذي أكد على عدم التخلي عن اللاجئين السوريين تحت أي ظروف.

أزمة اللاجئين في المجتمع التركي آخذة في التفاقم على مدار أربع سنوات، استغلت المعارضة هذا الأمر جيدًا للتحريض ضد اللاجئين السوريين باعتبارهم من يضيقون على الأتراك سعة العيش، بل إن زعيم حزب الشعب الجمهوري أحد أبرز أقطاب المعارضة التركية يتحدث بكل وضوح عن برنامج الحزب حيال وصوله للسلطة في الانتخابات البرلمانية التركية القادمة بأنه سوف يقوم بإعادة السوريين إلى وطنهم.

كمال كليتشدار أوغلو رئيس حزب الشعب الجمهوري قال في كلمته في أحد المؤتمرات الدعائية لحزبه: "أعد بأنه سوف يعود السلام إلى الشرق الأوسط، ولن نتدخل في الشؤون الداخلية للدول، مضيفًا، أنه إذا تمكن حزب الشعب الجمهوري من تشكيل الحكومة بعد الانتخابات القادمة فإنها سوف تعمل على إعادة السوريين إلى بلادهم، وسوف نقول لهم من دون أية مؤاخذة ارجعوا إلى بلادكم، فكل إنسان سيكون سعيدًا على أرضه التي ولد بها".

هذا الحديث بالطبع كان متضمنًا إشارات واضحة واتهامات لحكومة العدالة والتنمية بأنهم أحد أسباب الصراع الدائر في سوريا عبر إرسال المقاتلين والسلاح إلى مجموعات داخل سوريا من خلال الحدود التركية السورية، كذلك أكد رئيس حزب الشعب أن حكومته لن تنتهج إلا الحوار لحل مشاكل السوريين.

هذه التصريحات ليست وليدة الصدفة؛ فالحزب المعارض ورئيسه يقود حملة ضد الأجانب داخل تركيا، تجد تجاوب كبير من قطاع واسع من الأتراك، يرون أن الأوضاع باتت أسوأ منذ دخول عشرات الآلاف من الأجانب اللاجئين من مختلف الجنسيات إلى تركيا، بعد نكبات عدة حلت ببلادهم كالسوريين في البداية، ثم العراقيين، والأكراد، وبعض المصريين، شكل ذلك انطباعًا أن اللاجئين من الأجانب يشكلون عبئًا أمنيًا واقتصاديًا على مجتمعهم.

فالإعلام المناوئ لحكومة العدالة والتنمية يبرز هؤلاء المهاجرين وكأنهم وحوش كاسرة ستفتك بالمجتمع التركي، كما أنهم يضخمون حوادث جنائية يرتكبها بعض اللاجئين ليظهروا الأمر بأنه يخص جميع المهاجرين الأجانب واللاجئين، ففي العام الماضي تم تدوال حادثة بين الأتراك بأن فتى سوري في الرابعة عشرة من عمره، يعمل في مدينة "اسكندرون" بمخبز، أشيع أنه تحرش جنسيًا بطفل تركي، أسفر ذلك عن تجمع حشود ضخمة من الأهالي وهاجموا منازل ومحلات للسوريين، وسط هتافات تردد: لا نريد السوريين بيننا، حتى تدخلت الشرطة لإنقاذ الأمر.

تناقلت وسائل الإعلام المعارضة الخبر بطريقة مبالغ فيها، مع أن حقيقة الأمر ليست كما صورت، فهناك عائلة تركية أبلغت الشرطة بتعرض ابنها لتحرش جنسي من قِبل سوري، حققت الشرطة في الحادث وثبت أنه بلاغ كيدي لا أكثر، ناهيك عن اتهامهم بالجرائم ووصفهم دائمًا بالمسلحين.

وعلى الصعيد الاقتصادي تروج المعارضة للأتراك بأن اللاجئين يتحملون جزءًا كبيرًا من الأعباء الاقتصادية التي تقع على الأتراك، فأمر غلاء الإيجارات، وكساد سوق العمل بسبب توافر عمالة سورية رخيصة، والتجارة السورية التي غزت الشوارع التركية، كل هذه الأوتار تثير أزمة في نفوس الأتراك، حيث يرون أن اللاجئين السوريين الحاصلين على إقامات إنسانية في البلاد يتمتعون بحقوق أكثر من المواطنين الأتراك أنفسهم، من حيث الرعاية الصحية وغيرها من الخدمات التي تقدم لهم بالمجان من قبل الحكومة التركية.

حقيقة الأمر أن هناك بالفعل تجاوزات من العديد من اللاجئين، لكن الأمر لا يمكن سحبه وتعميمه على أكثر من مليوني مواطن سوري استقبلتهم تركيا على مدار أربع سنوات، فتهويل المعارضة للأمر محض متاجرة سياسية بالأمر، من خلال اتخاذ موقف مناوئ لسياسات الحكومة الحالية في أي اتجاه، فلو أن الحكومة التركية رفضت استقبال اللاجئين السوريين، لنددت المعارضة بموقف الحكومة، مطالبة إياها بتحمل مسؤوليتها الإنسانية تجاه جيرانهم السوريين.

بينما تحاول الحكومة التركية الحالية الرد على هذه الهجمات الإعلامية للمعارضة من خلال توضيح أن مواقف تركيا من اللاجئين، موقف إنساني واجب في حق جيرانهم السوريين، مع منحهم مزيدًا من التسهيلات، مع نداءات للمجتمع الدولي لتحمل مسؤوليته تجاه اللاجئين السوريين، بعدما أثقلوا كاهل تركيا، في حين تحاول الحكومة تلطيف الأجواء مع المواطنين الأتراك الغاضبين من تواجد السوريين بينهم بهذه الصورة الكثيفة، حيث تؤكد الحكومة في الآونة الأخيرة أن تواجد السوريين الإنساني في تركيا مؤقت حتى سقوط بشار الأسد، ومن ثم سيعودون إلى موطنهم.

في حين رد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على تصريحات حزب الشعب الجمهوري المعارض بقوله: "إن من يعد بإرسال السوريين إلى بلادهم عندما يصبح رئيسًا للوزراء، لن يتولى في يوم من الأيام هذا المنصب، ولن يكون قادرًا أبدًا على إعادة أي أحد إلى بلاده".

كما صرح أحمد داود أوغلو رئيس الوزراء التركي في خطاب ألقاه أمام الجماهير في ولاية  أرزنجان"شرقي تركيا، منتقدًا خطاب رئيس حزب الشعب بقوله: "هكذا يتضح للجميع الفرق بيننا وبين المعارضة، ففي الوقت الذي فتحنا فيه صدورنا لاستقبال إخواننا السوريين، وتمت حمايتهم في أراضينا من بطش نظام استخدم الأسلحة الكيميائية ضدهم، تخرج المعارضة وتتعهد بإعادة اللاجئين إلى الموت"، وأضاف أوغلو أن بلاده ستواصل دعم المظلومين وتدافع عنهم باستمرار، وستقف إلى جانبهم في مختلف أنحاء العالم.

في حين يرى اللاجئون السوريون أنهم يعانون من ظلم اجتماعي شديد في تركيا بسبب الحوادث العدوانية المتكررة عليهم من قِبل أتراك، بسبب ذرائع مختلقة إعلاميًا، منتقدين ترحيل بعضهم من المدن الرئيسية التركية إلى مدن الأطراف لامتصاص غضب الأتراك، حتى زاد الوضع تعقيدًا كلما تمر الأيام عليهم في تركيا.