أكثر ما يشدني في المدن والبلدان وجهها التراثي الذي يعكس عبق المكان ويمنحك مفتاح صندوق حكاياه القديمة، منذ لحظة وصولي إلى مدينة جديدة - لم أزرها من قبل - أنطلق مفتشًا عن أسواق المدينة القديمة، وحاراتها الضيقة وناسها البسطاء ذوي الطبائع الأصيلة الذين لم تغيرهم متغيرات العصر ومتطلبات العولمة، ولم يصبحوا قوالب تبعًا لنماذج مصدرة إلينا عبر ما يحيط بنا من إعلام رقمي وفن وثقافة وأدب، ووسائل مرح وترفيه.

كنت مؤخرًا في جولة لبعض بلدان الخليج العربي، وفي كل محطة أبحث كعادتي عن بصمة المكان التي تميزه عن غيره، وتحمل هويته، وتعكس تاريخه وثقافته، وعن خبايا المكان وأسراره الملهمة.

وصلت مساءً إلى مطار بلد عربي فإذا بالغريب يُرحَب به أكثر من ابن البلد، ومن يحمل اسمًا لاتينيًا هو الضيف و"محمد" و"سعيد" و"محمود" يقبعون في صفوف مرتصة مكتظة بانتظار المصير، سماح أو عدم سماح بدخول البلد "العربي" الذي يُفترض أن يكون الوطن الأكبر كما غنى عمالقة الفن "وطني حبيبي .. الوطن الأكبر"!

بعد أن انهيت إجراءات الوصول وحصلت على سمة الدخول وتجاوزت حاجز التفتيش الأخير، وقبل أن تغادر المطار سيواجهك عالم من المقاهي والمطاعم العالمية، سيل من الموسيقى "العالمية" التي ذابت على أعتابها موسيقانا حتى باتت فنونًا وألحانًا مسخًا مقلدًا عن غيرها من "الفنون العالمية" وإن كانت كلماتها تغنى بحروف عربية، كل المحال تعلوها أسماء كتبت بحروف عربية ولكنها لا تمت لثقافتنا بصلة؛ برغر، سينامون، بيتزا،  وغيرها، جلست في أحد هذه المقاهي وطلبت قارورة مياه معدنية فجائني الجرسون بمياه "آفيان" الفرنسية العابرة للقارات!

انطلقت في المدينة مساءً أبحث عن مطعم يقدم أكلًا تراثيًا بعيدًا عن الوجبات العالمية أو الوجبات السورية واللبنانية، وهنا أدركت أنني أطلب المستحيل وكأني أطلب "لبن العصفور" أو كأني أبحث عن إبرة في كومة قش؛ صادفت في طريقي مطاعم هندية، باكستانية، نيبالية، إيطالية، أمريكية، فليبينية، إيرانية، صينية، يابانية حتى أصابني اليأس، وبعد سؤال وجولة لمدة ساعتين وجدتني أمام مطعم صغير - لا يوجد فيه مكان لجلوس الزبائن - يقدم أكلًا شعبيًا من تراث البلد الذي أزوره، فرحت كطفل تعطيه حلوى بعد حرمان، فأخذت الوجبة "الشعبية" وانطلقت عائدًا أدراجي إلى الفندق لأتناولها.

في بلد آخر زرته انطلقت إلى السوق التراثي فوجدته أُعيد تأهيله ليصبح عبارة عن سواق نُزع منها روحه واُستبدلت بأرواح أخرى، حين تراه ومن الوهلة الأولى فإنك ستعرف أن روحًا مستنسخة قد وهبت له وسرقت منه هويته، دخلت محاله فإذ بالتحف المعروضة هي من تركيا وإيران والهند وباكستان، وتحف "صينية" موجودة في زاويا خجلة من المحال تحمل اسم البلد ليحملها السائح كتذكار مادي بحت.

من الملاحظ جدًا أن تسمع أهل البلد قد أمالوا ألسنتهم وصاروا يتحدثون لغة مزيجة ما بين العربية والهندية أو الباكستانية أو البنغالية أو العمالة المنتشرة في البلد، ولن تستغرب إن ناداك أحدهم "سديك" أو "رفيك"، وتلك مصيبة أهون من أن ترى من هم ولدوا وترعرعوا ونشأوا في بلد عربي ومن أبوين عربيين وتعلموا في مدارس عربية ثم تجدهم يخلطون بين العربية والإنجليزية أو الفرنسية ليظهروا بمظهر متحضر عصري، يأتيك مرحبًا قائلاً لك "هاي"، فما تجد منك إلا أن ترد عليه "وعليك الهاي"!

أصبت بخيبة أمل حقيقية من هذه التحولات التي نتنكر فيها لتراثنا وتاريخنا ومخزوننا الحضاري، نستبدل فيها لغتنا العربية - أكثر لغات العالم بلاغة وغنى - أو نخلطها مع غيرها، وتصبح ثالث أو رابع لغة في التعاملات الرسمية  في بعض المدن العريية! نستبدل لائحة طعامنا التراثي الشهي بشريحة برغر أو قطعة سينامون أو كوب بيبسي، ونهدم ونهجر أسواقنا التراثية العريقة التي تحمل عبق جدود وآباء وذكريات سنون وأيام لنتجه إلى أسواق ضخمة عملاقة تدعى "مولات" تتجسد فيها المادية والاستهلاكية بأبشع صورها.

دول وكيانات تزوّر وتبذل وتضخ ضخًا إعلاميًا مهيبًا لتصنع ماض لها وتكوّن تاريخ، ونحن نبيع ثراثنا وتاريخنا وحضارتنا من أجل نماذج "عصرية" نراها في هوليود وبوليود، لنتحرر من ماضينا ونكون وليدي الحاضر.

وقديمًا قالوا "من ليس له ماض؛ ليس له حاضر ولا مستقبل".