في يوم ٩ أكتوبر/تشرين الأول من عام الثورة المصرية الأول، ٢٠١١، شهدت القاهرة أسوأ المذابح التي شهدتها منذ خلع مبارك عن الحكم في فبراير/ شباط من نفس العام، بالطبع، كانت تلك هي الأسوأ حتى ذلك الوقت، فجرائم العسكر التي لم تبدأ بماسبيرو، لم تنته حتى بعد عامين من الأحداث، والضحايا الذين كانوا من المسيحيين في أول أعوام الثورة، تحولوا ليصيروا من الإخوان المسلمين في ثالث أعوامها، مع ثبات الفاعل: العسكر.

 أحداث الأحد الدامي أو الأحد الأسود عبارة عن تظاهرة انطلقت من شبرا (شمال القاهرة) باتجاه مبنى الإذاعة والتلفزيون المعروف باسم "ماسبيرو" ضمن فعاليات يوم الغضب القبطي، ردًا على قيام سكان من قرية المريناب بمحافظة أسوان بهدم كنيسة قالوا أنها غير مرخصة، وتصريحات لمحافظ أسوان اعتبرت مسيئة بحق الأقباط. وتحولت إلى مواجهات بين المتظاهرين وقوات من الشرطة العسكرية والأمن المركزي، وأفضت إلى مقتل 25 شخصًا على الأقل أغلبهم من الأقباط.

قليل من المسلمين شاركوا الأقباط في المطالب. خلال إعلان التظاهرة، لم تكن هناك أي نيّة لاعتصام المتظاهرين أمام مبنى الإذاعة والتلفزيون، إلا أن إعلان المتظاهرين، الاعتصام فجأة، كان له بالغ الأثر في إصرار الجيش على عدم دخول المتظاهرين ساحة مبنى الإذاعة والتلفزيون.

الرواية الأقرب للتصديق من بين الروايات المتناقضة التي قيلت في الأحداث هي رواية المشاركين في التظاهرة، ومعهم وسائل إعلام مستقلة، إذ كشفت رويترز أن المحتجين كانوا يسيرون سلميًا، وحين بدأت الوقفة أمام ماسبيرو قام الجيش بإطلاق النار في الهواء بقصد تفريق التظاهرة، وقالت الوكالة أن «مركبات الجيش دهست المحتجين»، وهو ما أكدته الصور التي بثتها القنوات الفضائية، التي أظهرت أن غالبية الإصابات وقعت بسبب عمليات الدهس، بالإضافة لإطلاق النار المباشر والذي أدى لمقتل أحد أيقونات الثورة "مينا دانيال".

الشرطة العسكرية كانت قد استبقت المتظاهرين، وأحكمت السيطرة على جميع مداخل ساحة مبنى الإذاعة والتلفزيون، وأقامت حواجز على جميع المنافذ، ولحظة وصول الأقباط، أطلقت قنابل مسيلة للدموع، بهدف تفريقهم. ظلت الاحتكاكات خفيفة بين الطرفين، حتى اعتدى المتظاهرون على أعمدة الإضاءة وحطموا عدداً كبيراً منها، إحساساً منهم بالعجز، في مواجهة قوات الجيش.
وسط الاحتكاكات، بدأت مدرعات الجيش تتحرك وتحاول تفريق المتظاهرين، فحاول المتظاهرون التصدي لها، وهنا سقط أول قتيل تحت عجلات المدرعة، لتنطلق شرارة الغضب بين الجموع الغفيرة التي سدت طريق الكورنيش تماماً. حمل المتظاهرون القتيل وجابوا أنحاء المنطقة وبدأوا في اقتحام الحاجز الأمني وإشعال النيران في 3 سيارات خاصة، وأوتوبيس تابع للقوات المسلحة والمدرعات العسكرية الموجودة في المنطقة، التي كانت تقف في منطقة التماس مع المتظاهرين.

التغطية الإعلامية الرسمية في مصر كانت أحد الأسباب الرئيسية، في زيادة عدد الضحايا، فالمصريون يتذكرون المذيعة في التليفزيون الرسمي، المقربة من عائلة مبارك، وهي تدعو المصريين للنزول للدفاع عن الجيش!! فقد أخذت تغطية التليفزيون المصري منحى قيام الأقباط بقتل الجيش ولم يذكر أي شيء عن سقوط أي قتيل من صفوف المتظاهرين أنفسهم، كما لم يقم ببث أي صور لمدرعات الجيش وهي تدهس المتظاهرين، بل اكتفى ببث صور لسيارتي الجيش المحروقتين، إلى جانب ذلك أخذ مذيعو التليفزيون باستقبال مكالمات هاتفية تحث المواطنين على إدانة المتظاهرين.

تسلسل الأحداث الذي تلى المذبحة كان بعيدا تمام عن محاكمة الجناة، بل على العكس، تم إحالة بعض المدنيين للمحاكمات العسكرية، من بينهم المدون والناشط علاء عبدالفتاح الذي اعتقل وحوكم عسكريا ثم أُفرج عنه لاحقا، وأجريت تحقيقات مع بعض النشطاء، فيما لم تتم معاقبة أي أحد من قيادات القوات المسلحة، خاصة المسؤولين المباشرين مثل اللواء حمدي بدين قائد الشرطة العسكرية في ذلك الوقت.

اليوم هو الذكرى الثانية لمذبحة ماسبيرو، حيث يتذكر النشطاء والمدونون المصريون الأحداث على حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وينتظر بعضهم الآخر محاكمة المتسببين في تلك الأحداث.

 إلا أن البعض الآخر ينتظر مرددا تلك الكلمة التي يقولها المصريون "الحساب جمع"، فقد ثقل ميزان جرائم العسكر، ورغم أن ضحية الأمس يدعم قاتله اليوم، إلا أن الرهان هو أن يثق الأعزل بالأعزل، حتى يسقط حكم العسكر.