ترجمة وتحرير نون بوست

كتب إتش إي هيلير وناثان براون:

عمل الارتفاع السريع للدولة الإسلامية أو ما يعرف بداعش، على تأجيج النقاش حول مدى إسلامية هذه المجموعة، وما إذا كان يمكن لأي سلطة دينية إسلامية أن تجابه وتواجه أيديولوجيتها المتطرفة، وحتى الآن، أسفرت الجهود الإسلامية لمحاربة أيديولوجية داعش، عن إجماع العلماء المسلمين على أنه على الرغم من أن داعش تعول على بعض المراجع الإسلامية السنية، بيد أن تفسيراتها وتطبيقها لمحتويات هذه المراجع، تقبع خارج النطاق الإسلامي المقبول.

ولكن عندما يتعلق الأمر بوجود شخصية موثوقة أو هيئة إسلامية قادرة على مواجهة داعش دينيًا، فإن الأمور تصبح أكثر تعقيدًا؛ فمن المعروف أنه لا يوجد دولة أوهيئة شاملة، مثل الكنيسة أو مجموعة من الشخصيات الدينية، تعمل على تفسير وفرض مجموعة واحدة وموحدة من التعاليم الإسلامية، كما لا وجود لمؤسسة رسمية مثل الفاتيكان أو أي جسم آخر يمثل المسلمين جميعًا.

ولكن على الرغم مما تقدم، ولعدة قرون خلت، كان المسلمون السنة ينظرون إلى مجموعات من العلماء ،على أنهم يحوزون السلطة الدينية، وغالبًا ما كان هؤلاء العلماء يجتمعون تحت لواء مؤسسات دينية معينة، والتي أصبحت بدورها مؤسسات مقبولة مجتمعيًا باعتبارها مختبر لما يمكن اعتباره أو ما لا يمكن اعتباره إسلاميًا، وإدراكًا منها للأهمية التي تلعبها هذه المؤسسات، حاولت الدول والسلطات السياسية في كثير من الأحيان ضم هذه المؤسسات الدينية أو الشخصيات الدينية تحت جناح الدولة، وحاولت التأثير عليهم في خضم هذه العملية.

هذه المؤسسات الدينية منتشرة ومشهورة في جميع أنحاء العالم الإسلامي السني، فهناك القرويون في المغرب، والقيروان في تونس، ونهضة العلماء في إندونيسيا، ودار المصطفى أو رباط تريم في محافظة حضرموت اليمنية، ولكن أيًا من هذه المؤسسات لا تضاهي الهيبة التي يتمتع بها الأزهر في مصر، وهو المجمع الإسلامي الذي أسسه الفاطميون في القاهرة منذ أكثر من ألف سنة.

السلطة التي تحوزها جميع هذه المؤسسات، وهي سلطة أخلاقية أكثر منها سياسية، ترتكز على فاعليتها لمدة قرن من الزمان لتضاهي بذلك أقرانها الأكاديميين، والنظام السائد في هذه المؤسسات قائم على الاستمرارية، ولكنه بذات الوقت مفتوح أمام تطور التطبيقات الإيمانية، ونتيجة لذلك، سمح العلماء عمومًا بمستوى معين من التعددية الإيمانية داخل هذه المؤسسات، ولكنهم بذات الوقت، حددوا المعايير التي تكون التفسيرات الصادرة عن هذه التعددية مقبولة.

ضمن الإسلام السني الكلاسيكي، هناك أربع مدارس فقهية تشريعية، وثلاثة أساليب رئيسية في النظرية الدينية، وعدد كبير من الطرق الصوفية التي تركز على جوانب الإسلام الباطني، تاريخيًا، الأزهر، الذي يتبع المذهب السني الكلاسيكي، كان تعدديًا للغاية، ليس فقط بالاعتراف باتساع المذهب السني باعتباره مذهبًا صالحًا، ولكن أيضًا فيما يدرسه، وفي القرن العشرين، كان هناك محاولة صغيرة داخل الأزهر لدمج التشيع، وإن كان ذلك في ظل ظروف معينة، وهي خطوة ربما تعتبر مستحيلة اليوم، في ظل البيئة الطائفية التي نعيشها، وفي ذات الوقت، القرويين والقيروان اعترفا بصحة مجمل التعاليم السنية، ولكنهما اقتصرا على تعليم مذهب واحد فقط، والأمر سيان أيضًا بالنسبة لنهضة العلماء ودار المصطفى.

النهج الأزهري النموذجي في الإسلام السني، يصوغ نوعًا آخر من الانفتاح، يقوم على أساس أن فهم الإسلام وتطبيقه يختلف بالضرورة باختلاف الظروف، وهذا النهج هو الذي وضع الأزهر في أسبقية الموقف السني الكلاسيكي، حيث كانت وجهة نظره العامة للممارسة الإسلامية، تعتمد على تسهيل حياة المؤمنين بدلًا من فرض المشقة، وبذات الوقت عمل الأزهر تاريخيًا، على مراجعة تفسيرات وتطبيقات الإسلام ووضعها ضمن قالب وسطي، عن طريق شخصيات دينية محترمة ومثقفة.

هذا النهج السني الكلاسيكي الموّحد الذي يتبناه الأزهر، كان يشكل قلب الحروب الثقافية السنية على مدى السنوات الـ200 الماضية، فعلى سبيل المثال، السلفي محمد بن عبد الوهاب، مؤسس المذهب الوهابي الذي انتشر في  أواخر القرن الثامن عشر، والإخوان المسلمون، مؤسسو الحركة السلفية الحداثية، والتي انتشرت في أوائل القرن المنصرم، يعتبران ردا فعل متناقضان على المذهب السني الكلاسيكي للأزهر؛ فالمذهب السلفي الوهابي يرفض النهج الموّحد، ويؤكد على القراءة الحرفية للنصوص الدينية، ويرفض قبول وجود هيئة من المفسرين المؤهلين لتفسير الدين الإسلامي، وهذا المذهب يشكك بالتفسيرات المتحررة والمرونة المفرطة داخل الأزهر ومنهاج السنة الكلاسيكي، أما السلفيون الحداثيون، فلديهم اعتراضات أخرى، تتمثل باعتبار السنية الكلاسيكية التي صاغها النهج الأزهري، ظلامية ومتخلفة، وردًا على هذين المنهجين المتناقضين، يرى أنصار المنهج الأزهري التاريخي أن الأصوليين والحداثيين يفتقرون للقراءة الصحيحة لتعقيدات التراث السني.

ولكن، عندما يتعلق الأمر بالسلطة الإسلامية والقدرة على محاربة التطرف، فإن العديد من هذه المؤسسات الدينية تعاني من الانخفاض العام في درجة الشرعية، وأحد الأمثلة على ذلك هو الأزهر؛ فعلى الرغم من أنه لا يزال يتمتع بدرجة كبيرة من الاحترام في الأوساط الدينية، بيد أنه لا يستطيع الظهور بمظهر المستقل سياسيًا، خصوصًا بين أولئك الذين يرونه ناطقًا باسم الدولة، ولم تتغير هذه النظرة، حتى عندما عمد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى توجيه كلمة في يناير الماضي من الأزهر، يطلب فيها من العلماء الأزهريين المباشرة بثورة دينية لمكافحة التطرف.

على مدى القرن الماضي، شهدت المؤسسات التعليمية في مصر، بما في ذلك الأزهر، تضاؤلًا في استقلاليتها، واستنزافًا في مواردها، وبالتالي تدهورًا في معاييرها، حيث تم تغيير الهيكل التعليمي الأزهري بشكل هائل، ولأسباب كثيرة لم يعد الأزهر يخرّج عددًا من العلماء على مستوى عالٍ من الثقافة والرصانة، وجامعة الأزهر، التي يُنظر لها باعتبارها المدرسة الدينية السنية الأبرز، تكافح الآن من أجل الحفاظ على نهجها التاريخي في العلوم الدينية، ليس فقط بين طلابها، ولكن أيضًا بين العديد من أعضاء هيئتها التدريسية.

وعلاوة على ذلك، المنهج الأزهري لا يتم تمريره بين الأجيال بذات المستوى الجوهري والشمولي الذي كان عليه سابقًا، بل في الواقع، غالبًا ما لا يتم تدريسه على الإطلاق، مما يلقي بتداعياته الواسعة على خريجي الأزهر، كون فشل الأزهر في اتباع معايير التعليم الديني الدقيق، مكّن داعش من العثور على مجندين من بين طلاب الأزهر، رغم أن هذه المجموعة بالذات من المجتمع المصري، يفترض أن تكون في مأمن حتمي من هذا الفكر المتطرف؛ فطالب الأزهر الذي يتعاطف مع داعش، هو أكثر غرابة من طالب الجامعة الكاثوليكية البابوية الغريغورية في روما الذي يختار أن يعيش حياة واعظ بروتستانتي معمداني، ولكن هذا الواقع يمكن أن يحدث، طالما كانت المعايير التعليمية الدينية التي يتم تقديمها تعاني من نقص حاسم.

إلى جانب انخفاض المعايير التعليمية، فإن السلطة الداخلية للأزهر آخذة بالانخفاض أيضًا، فعلى الرغم من أن الأزهر لا يزال مؤسسة محترمة في أوساط كثيرة، بيد أن الكثيرين يسخرون من مزاعم تحييده سياسيًا، حتى من قِبل الأشخاص الموجودين ضمن صفوف هذه المؤسسة، والجزء الأكبر من المشكلة، يكمن في حقيقة أن الأزهر هو في الأساس جزء من الدولة المصرية، فحينما تم تأميم الأوقاف، أصبح الأزهر يعتمد ماليًا على الحكومة المصرية، وأصبح القانون المصري هو الذي يحكم هيكلته الداخلية، حتى أن شيخ الأزهر الحالي، الشيخ أحمد الطيب، تم تعيينه من قِبل الرئيس المخلوع حسني مبارك، علمًا بأن شيخ الأزهر القادم سيتم اختياره من قِبل المجلس الأعلى للعلماء وليس من قِبل رئيس الجمهورية، كما أن دعوة السيسي للثورة الدينية، قد تبدو صريحة ومنعشة لآمال استقلال الأزهر بالنسبة للبعض، ولكنها بالنسبة للبعض الآخر، بدت دعوة سلطوية مألوفة جدًا، خاصة بالنسبة لمن يعملون ضمن الأزهر ويشعرون بالامتعاض من الكيفية التي تطعن بها الدولة باستقلالية هذه المؤسسة الدينية.

بالإضافة إلى ما تقدم، يفتقر الأزهر إلى الصوت السلطوي، حيث يتم انتقاد الطيب في بعض الأحيان داخل المؤسسة، بأنه معزول أو بمنأى عن علماء الأزهر الآخرين، والأزهر في حد ذاته، أصبح إلى حد كبير أكثر تنوعًا، فالهيئة التدريسية والطلاب تضم أعضاءً من السلفيين، وأنصار الإخوان المسلمين، وذوي الرؤى الدينية الأقل صرامة، وهذا الواقع يختلف تمامًا عن الطريقة التي اعتاد الأزهر أن يكون عليها، وقد أدى هذا الواقع التعددي، إلى حدوث انقسام وتشتت أيديولوجي ما بين أعضاء هيئة التدريس؛ فمعظم أعضاء الهيئة من أصحاب المناصب العليا في الأزهر، يميلون إلى النظر للإخوان المسلمين بنظرة من التعالي والتشكك لاستخدامهم للدين لأغراض سياسية، كما أن هذا التعدد أدى إلى انقسام العلماء الأزهريين ما بين مروّج للمنهج الأزهري التقليدي، وما بين منتقد له؛ ونتيجة لذلك، الأزهر لا يتكلم بصوت واحد، حتى بمواجهة الأشخاص الذين يقبلون بسلطته.

وحتى عندما يحاول الأزهر التحدث بصوت واحد، فإنه عادة ما يحاول من خلال ذلك أن يستعرض سلطته بدون أن يطالب بها مباشرة، وهذه السلطة تتضاءل بشكل أكبر، عندما يكون الأشخاص الذين يطلقون الفتاوى، ليسوا من الفقهاء المدربين، بل من المتخصصين في المجالات الدينية الأخرى، ومع ذلك، مازال الأزهر يعتقد بأن المسلمين المصريين العاديين، يجب أن يتبعوا تفسيرات علمائهم في أمور فهم الشريعة الإسلامية، كون فهم تعقيدات الفكر الديني الإسلامي، يتطلب تدريبًا مكثفًا لا يخضع له أغلبية المسلمين.

إذن، نتيجة لتشتت الأزهر ما بين شعوره بجوهرية مهمته كقطب من أقطاب العالم السني، ورغبات القيادة السياسية في مصر، بالإضافة إلى تشتته ما بين أصواته التعددية المربكة في بعض الأحيان، ونهجه التقليدي في العلوم الدينية، أصبح الأزهر عاجزًا عن التحدث بصوت واحد يتمتع بمصداقية، وفي العالم الإسلامي اليوم، حيث يستطيع مستهلكو التعاليم الدينية الولوج إلى العديد من الخيارات الدينية، بشكل أكثر تنوعًا مما كان عليه في الماضي، تكون النتيجة هي وجود سلطة إسلامية حقيقية، ولكنها سلطة مشتتة، وهذا الانقسام، قد يُنظر إليه من جهة على أنه تعددية صحية وإثراء للدين الإسلامي، ولكنه على الجهة الأخرى، قد يكون مربكًا للمؤمنين العاديين، ومحبطًا لعلماء الدين المتخصصين.

أخيرًا، وطالما استمر التشرذم، وسوء استخدام السلطة الدينية، فإنه سيكون من الصعب الوصول إلى نتيجة تتجاوز ما تم تحقيقه الآن، والتي تتمثل بإجماع النسبة الأكبر من علماء الدين الإسلامي بأن داعش هي انحراف عن الدين القويم، وتفسيراتها متباينة - عمدًا - عن المنهج والتراث السني الكلاسيكي، ولكن بعيدًا عن داعش، ستبقى قضايا السلطة الدينية والتعليم الديني قائمة ومستمرة، ومن المرجح أن تستمر بإنتاج النشازات ما بين المسلمين السنة في المستقبل.

المصدر: فورين أفيرز