لافتات "أوخي"، وتعني لا باليونانية، مُلصقة على جدران البنك المركزي اليوناني

أوخي .. أوخي .. أوخي .. لم تكن هناك كلمة أخرى على لسان اليونايين بالأمس، بينما تدفقوا للاحتفال بنتيجة الاستفتاء في ميادين أثينا، وهي تعني ببساطة "لا" باليونانية، وهي الكلمة التي هيمنت على الساحة منذ إعلان رئيس الوزراء أليكسيس تسيبراس الدعوة لاستفتاء على شروط الاتحاد الأوروبي المالية المجحفة كما رآها، والتي يبدو أن اليونانيين أيضًا قد رأوها مُجحفة.

بعد ليلة حافلة، استيقظ اليونانيون ليجدوا البنوك التي أُغلقت لأسبوع قد فتحت أبوابها بحد أقصى لسحب الأموال يبلغ 60 يورو، لكيلا تُهرب الأموال من البنوك جراء السحب المبالغ فيه ممن يخشون خسارة أموالهم في الأزمة، في حين اصطف أصحاب المعاشات في طوابير لربما كانت أطول من طوابير استفتاء بالأمس للحصول على معاشاتهم، والتي كانت لتتقلص إذا ما قبلت أثينا الخطة الأوروبية، ولعلها ستتقلص أيضًا بشكل أو آخر مع أي اتفاق جديد يُبقي على اليونان في اليورو.

في سالونيك، وقف ستيفانوس ديموس سعيدًا في محل الورود الخاص به، والذي هبطت أرباحه بنسبة 50٪ خلال الأعوام الماضية، واضطر لتسريح اثنين من مساعديه، مؤكدًا أنه يثق بقدرة تسيبراس على الوصول لاتفاق جديد كما وعد، وأنه لم يصوّت بـ "لا" ليُخرج بلاده من اليورو، بل ليضع حدًا للتقشف مثلما فعل الملايين هنا، ويُجبر الأطراف المالية التي يتفاوض معها تسيبراس على تخفيف الديون كما قال الكثير من المحللين الاقتصاديين.

كان صباحًا جيدًا إذن بدون أية عواصف مالية، بيد أن استمرار ذلك الوضع مرهون بما سيجري في الساعات القادمة اليوم وغدًا، فالنظام المالي اليوناني لا يزال على حافة السقوط، والبنوك لا تملك سوى 500 مليون يورو من الأموال السائلة، والتي يتوقع أن يقوم المواطنون بسحبها خلال أسبوع، مما يعني أنه لا يزال رهن حزمة السيولة التي يقدمها البنك المركزي الأوروبي، والتي لا نعرف إلى متى ستستمر، وستعتمد على مواقف القوى الأوروبية.

حسابات أوروبا ما بعد "أوخي"

المستشارة الألمانية أنغلا مركل مع رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي

على مدار الأسبوع الماضي، أكدت قيادات أوروبية كثيرة أن التصويت بـ "لا" في الاستفتاء سيعني خروج اليونان من اليورو وليس فقط رفض حزمة التقشف الأخيرة، وهي تصريحات كان الهدف منها بالطبع الضغط على الناخبين اليونانيين ليقبلوا شروط أوروبا، وكذلك لإسقاط تسيبراس الذي وعد بالاستقالة إذا ما فازت "نعم" في الاستفتاء، بيد أن الواقع على الأرض يقول إن الخروج من اليورو لن يكون نتيجة حتمية ومباشرة لنتيجة الاستفتاء التي أُعلِنَت بالأمس.

يدرك الجميع في برلين وبروكسل أن أي اتفاق جديد لن يكون مختلفًا جذريًا عن الحزمة المطروحة، وأن الاستفتاء لم يكن سوى تعزيز لموقف الحكومة، وإحراج الاتحاد الأوروبي الذي لا يستطيع الآن أن يضغط لصالح برنامج رفضه شعب بأكمله في استحقاق ديمقراطي، والنقاط الأساسية التي ستخضع للمفاوضات الآن هي مسألة شطب جزء من الديون، والتي ينادي بها الكثير من الاقتصاديين، خاصة مع استحالة دفع اليونان لكافة ديونها حتى العام 2050، وتخفيف الحمل عن أصحاب المعاشات الذين أرادت أوروبا تخفيض معاشاتهم ليتسنى للحكومة اليونانية تحقيق فائض في الميزانية بحلول 2018، وهو هدف غير واقعي.

في برلين، والتي يُعَد أداؤها الاقتصادي جيدًا هذا العام ، يضغط أصحاب المصالح والأعمال لإخراج اليونان من اليورو جملة واحدة والتخلص من "صداع أثينا" في السوق الأوروبية، وهو في الحقيقة أمر مُجد على المستوى المالي والاقتصادي، وسيحرر ألمانيا واليورو بالفعل من عبء الأزمة اليونانية، بيد أن الحسابات بالطبع ليست اقتصادية فقط حين نتكلم عن اليونان، كما تشي بذلك المكالمة الهاتفية التي قام بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صباح اليوم لتهنئة تسيبراس.

كانت روسيا قد عرضت سابقًا على لسان مسؤول حكومي دفع جزء من ديون اليونان، وهو دعم اقتصادي سيصاحبه بالتأكيد تعزيز نفوذها السياسي على الساحة في منطقة مضطربة، حيث تُعَد بلغاريا جارة اليونان معقلًا للنفوذ الروسي رُغم عضويتها في الاتحاد الأوروبي، وكذلك صربيا أكبر وأهم دول البلقان، علاوة على التوسع الروسي الأخير في أوكرانيا والعلاقة الوطيدة بين بيلاروسيا وموسكو، وبالنظر لوجود جناح يساري متطرف بين صفوف سيريزا تعود جذوره للحركات الشيوعية اليونانية التي ناصرت السوفييت، لا يبدو أن خيار إخراج اليونان من اليورو سيكون حكيمًا في هذه اللحظة التي يتباطأ فيها قطار أوروبا شرقًا.

إلى أي مدى إذن يمكن أن ترضخ أوروبا لليونانيين ومطالبهم؟ وهل سيكون ذلك كافيًا لأثينا؟ لا نعلم حتى الآن إجابة السؤال قبل أن تبدأ المفاوضات من جديد، ولكن التأثير الألماني سيصعّب من تلك المهمة، حيث يرى الألمان أن الخضوع لليونان بسهولة بعد استفتاء شعبي سيضرب مثالًا سيئًا لبقية الاقتصادات المأزومة، وسيكون بمثابة رسالة أن شطب الديون أو تخفيف الالتزامات المالية أمر سهل للإسبان والبرتغاليين والإيطاليين الذين يعانون أيضًا، وأن مجرد الحشد الشعبي والتصويت لحركات التقشف كافي لتحقيق تلك الحركات لما تريد، وهو ما لا تريده برلين بالطبع.

لكن برلين لا تريد أيضًا تحمل العواقب المالية لقطع الدعم عن اليونان، ومشاهدة النظام البنكي لأثينا وهو يسقط ويُحدث زلزالًا اقتصاديًا في السوق الأوروبية كلها، وربما يكون كتأثير الدومينو؛ بداية النهاية لمشروع اليورو الذي يشهد أسوأ فترة في تاريخه منذ تدشينه في التسعينيات، أضف لذلك أن الدولة اليونانية لا تزال تعاني من شبكات فساد راسخة بين مختلف المسؤولين ورجال الأعمال، والتي قد تستغل خروج اليونان من اليورو لإعادة أثينا للخلف وربما القضاء على النظام الديمقراطي الهش فيها، مما يعني تراجعًا عن الديمقراطية في بلدان كثيرة في محيط البلقان وشرق أوروبا تشهد اتجاهًا نحو الاستبداد منذ سنوات مثل المجر وصربيا ومقدونيا، مما يفتح مرة أخرى باب النفوذ الروسي القريب من تلك الشبكات، والذي مارس نفوذه عبرها حتى وقت ليس ببعيد.

لعل وعسى

بعد إعلان النتائج، سرعان ما اشتعل النشاط الدبلوماسي في أوروبا، باتجاه تسيبراس إلى الرئيس اليوناني للاتفاق على إستراتيجية للتفاوض مع بروكسل والوصول لاتفاق جديد، ووصول مركل إلى باريس للحديث مع الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند، قبل أن ينطلق تسيبراس إلى بروكسل مجددًا، وتبدأ القمة الأوروبية الطارئة غدًا للبحث عن مخرج من الأزمة.

سيكون التوتر الشخصي بين تسيبراس ومركل بالطبع عاملًا سلبيًا في محاولات التوصل لاتفاق جديد، وكذلك بينه وبين رئيس المفوضية الأوروبية جيان كلود جانكر ومديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاجارد، والحقيقة أن الثقة والتواصل الجيد شبه منعدمين حاليًا بين أثينا وبرلين، وهو على الأرجح ما دفع بوزير المالية اليوناني المثير للجدل بتصريحاته النارية وأيديولوجيته اليسارية، يانيس فاروفاكيس، إلى الاستقالة صباح اليوم، قائلًا أن تسيبراس يجد في غيابه فرصة أفضل للوصول لاتفاق.

هي بادرة جيدة وذكية بالطبع من أثينا تحاول أن تُظهِر بها حسن نواياها للبقاء في اليورو والتوصل لاتفاق خلال الأيام المقبلة في بروكسل، وقبل الـ 20 من يوليو الجاري، وهو الموعد النهائي لدفع 3.5 مليار يورو من ديون اليونان للبنك المركزي الأوروبي، والذي يستحيل تصوره ما لم يتفق الطرفان، وسيكون عجز اليونان عن التسديد في الموعد هذه المرة ضربة شبه قاضية لآمال بقائها في اليورو.

لننتظر ونرى إذن ما الذي ستُسفر عنه الاجتماعات المشتعلة الآن في عواصم أوروبا، والمفاوضات الجديدة التي ستنطلق بين تسيبراس ومركل ووزراء مالية أوروبا بدون فاروفاكيس، لعل وعسى.