توصلت اليونان أخيرًا إلى اتفاق تاريخي مع قادة منطقة اليورو فجر اليوم الإثنين، للحصول على خطة مساعدة ثالثة تجنبها الخروج من المنطقة، في ختام مفاوضات شاقة استمرت طوال الليل في بروكسل.

فبعد مفاوضات ماراثونية استمرت طوال الليل، شاركت فيها مع رئيس الوزراء اليوناني أليكسيس تسيبراس، أوضحت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أن أوضاع أثينا ازدادت سوءًا بالتدهور الحاد الذي شهده اقتصادها على مدى الأشهر الستة الماضية وإغلاق بنوكها في الأسبوعين الماضيين، وقالت ميركل إنها ستوصي البرلمان "بقناعة تامة" بإعطاء الضوء الأخضر لبدء المفاوضات مع اليونان بشأن حزمة إنقاذ ثالثة فور موافقة البرلمان اليوناني على البرنامج بأكمله وقيامه بسن قوانين مبدئية، ولم تذكر ميركل متى سيحدث ذلك لكنها قالت إنها ستقدم تقريرًا إيجابيًا للجنة برلمانية هذا الأسبوع، وذكرت المستشارة الألمانية أن من الأفضل عدم استدعاء المشرّعين من عطلتهم الصيفية لحين إقرار القوانين اليونانية.

وفي نهاية المحادثات حمل قادة منطقة اليورو اليونان على التخلي عن جزء كبير من سيادتها وإخضاعها لرقابة خارجية مقابل الموافقة على بدء محادثات لتقديم حزمة إنقاذ بقيمة 86 مليار يورو.

من جهته، قال تسيبراس إن بلاده حصلت على إعادة هيكلة لديونها وتمويل متوسط الأجل في حزمة بقيمة 35 مليار يورو، وأضاف أن الاتفاق قد يجلب استثمارات جديدة تسهم في انتشال البلاد من الركود وتفادي انهيار نظامها المصرفي، وأكد صعوبة الاتفاق حيث قال "الاتفاق صعب لكننا تجنبنا محاولة نقل أصول الدولة إلى الخارج، وتفادينا الخطة الرامية إلى الخنق المالي وانهيار النظام المصرفي، في هذه المعركة الصعبة تمكنا من الفوز بإعادة هيكلة للديون"، كما أشار إلى أن الإجراءات سوف تؤدي حتميًا إلى اتجاهات تتسم بالكساد، لكن حزمة النمو وإعادة هيكلة الدين وتأمين التمويل بالنسبة للأعوام الثلاثة المقبلة سوف تعني أن خروج اليونان من اليورو أصبح أمرًا من الماضي.

وينبغي أولًا أن يقر البرلمان الاتفاق ولن تكون هناك مساعدات إذا لم يلتزم رئيس وزراء اليونان بجدول زمني دقيق لتنفيذ سلسلة من الإصلاحات لا تحظى بقبول شعبي كما ظهر في الاستفتاء الذي جرى الأسبوع الماضي.

ومن بين بنود الاتفاق قيام اليونان بحلول 15 يوليو الجاري بتمرير إجراءات تشمل تبسيط معدلات ضريبة القيمة المضافة وتطبيق الضريبة على نطاق أوسع، وكذلك خفض معاشات التقاعد ومنح الاستقلالية لوكالة الإحصاءات الوطنية، وبحلول 22 يوليو ينبغي على اليونان إقرار إجراءات لإصلاح نظام العدالة المدنية وتطبيق قواعد الإنقاذ المالي الخاصة بالاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى ذلك ستضع اليونان جدولًا زمنيًا واضحًا للإجراءات الخاصة بالإصلاحات التالية: إصلاح طموح لمعاشات التقاعد، إصلاح أسواق المنتجات بما في ذلك معاملات الأحد وملكية الصيدليات والحليب والمخابز، خصخصة شبكة نقل الكهرباء، مراجعة عملية المفاوضات الجماعية والإجراءات العمالية والفصل الجماعي، تعزيز القطاع المالي بما في ذلك التصدي لمشكلة القروض المتعثرة والقضاء على التدخلات السياسية، وتشمل الإجراءات التي يتعين على اليونانيين اتخاذها: الخصخصة بما في ذلك نقل الأرصدة إلى صندوق مستقل في اليونان مخصص لجمع 50 مليار يورو سيستخدم 75% منها لإعادة تمويل البنوك وخفض الدين، خفض إنفاق الإدارة العامة والحد من النفوذ السياسي عليها.

وقد رحب قادة الاتحاد الأوروبي بالاتفاق، إذ أثنى الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند على الاتفاق، الذي وصفه بأنه "تاريخي"، ورأى أنه يسمح لليونان بالبقاء في منطقة اليورو.

وبشكل فوري صعدت الأسهم الأوروبية في مستهل تعاملات اليوم بعدما قال رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك إن زعماء منطقة اليورو توصلوا لاتفاق للمضي قدمًا في تقديم قرض إنقاذ لليونان، وكتب توسك قائلاً في تغريدة على موقع تويتر "قمة اليورو توصلت إلى اتفاق بالإجماع، الكل جاهز للمضي نحو برنامج آلية الاستقرار الأوروبية لليونان بإصلاحات جادة ودعم مالي".

في حين قال رئيس الوزراء البلجيكي شارل ميشيل في تغريدة من كلمة واحدة على موقع تويتر "اتفاق".

من جهته، كتب رئيس وزراء إستونيا، تافي رويفاس، على تويتر محذرًا أن "أوروبا قررت خارطة طريق وكل شيء يتوقف الآن على تطبيقها".

أما بالنسبة للأجواء في أثينا، فإن الكثيرين يرفضون قبول الاتفاق الجديد، بما في ذلك أعضاء كُثُر في حزب سيريزا اليساري الحاكم، وما إذا كان تسيبراس سينجح في إقناع حزبه بتمرير الاتفاق أم لا هو أمر ستكشف عنه الأيام القليلة المقبلة، بيد أن الشروط المتشددة من قِبل الألمان تشي بأن برلين قد عقّدت من الأوضاع خصيصًا لوضع تسيبراس وحزبه تحت الضغط، فالحزب إن رفض بأغلبية أعضائه، وهم 149 من أصل 300 في البرلمان اليوناني، سيكون هناك احتمال من اثنين: أولها بالطبع ميل كفة الرافضين داخل البرلمان لينتهي الأمر باليونان خارج اليورو.

الوضع الثاني هو أن يرفض أغلب أعضاء سيريزا، في حين يتم تمرير الاتفاق بأغلبية تعتمد على الأحزاب الأخرى، وفي هذه الحالة فإن ائتلاف تسيبراس نفسه سيكون في مهب الريح، وقد تنجر أثينا إلى ائتلاف جديد بدون سيريزا يقوده تسيبراس أيضًا، ولكن سيكون أصعب عليه قيادته بدون حزبه، وسيكون أبعد عن الشرعية الانتخابية المعتمدة على رفض التقشف التي تعزز من موقفه في المفاوضات، وفي حال لم ينجح في ذلك الائتلاف، فإن فقدان تسيبراس لدعم سيريزا قد يؤدي للدعوة لانتخابات جديدة، ومن ثم احتمال خسارته ليكون قد انتهي سياسيًا كما يريد الألمان.

في جميع الأحوال، يُعَد الاتفاق قبلة حياة لعضوية اليونان في اليورو ما لم يرفض البرلمان اليوناني، وهو أمر ليس مرجحًا نظرًا للضغوط الشديدة على اليونان، ولكنه في نفس الوقت سيكون انتصارًا للسياسات الألمانية بعد معركة طويلة على حركات التقشف، إذ سترسل برلين رسالة بعد ذلك مفادها أن الاستفتاءات والحركات الشعبية وحتى الانتصار في الانتخابات، لن يغير من الشروط المالية للتقشف الألماني، عدا ذلك فإن السيناريو الوحيد البديل هو رفض البرلمان وخروج اليونان، وهو ما سيرسل تقريبًا نفس الرسالة، أن رفض شروط الألمان لا مكان له داخل السوق الأوروبية.