في مارس عام 1986، ظهر نوع جديد من الحشيش في القاهرة هو “باي باي رُشدي،” كما سماه تجار الحشيش آنذاك تيمنًا برحيل وزير الداخلية المُقال أحمد رشدي، والذي قاد لمدة عام حملة موسعة لمكافحة المخدرات، بل ووقف بوجه كل من ضلع في تجارة المخدرات من داخل الوزارة، بما في ذلك قيادات كبيرة من الأمن المركزي، وهي جهود باءت بالفشل كما نعرف، حيث قام جنود الأمن المركزي باقتحام قسم شرطة الهرم وفندقين سياحيَّين مجاورين، بعد أن نشرت القيادات بينهما إشاعة مفادها أن رُشدي يريد تخفيض رواتبهم وتمديد فترة خدمتهم.

خلال 24 ساعة كانت معظم أنحاء الجيزة وبعض أجزاء من القاهرة قد غرقت في الفوضى، وحين وصلت انتفاضة الأمن المركزي لمنشآت مهمة في أسيوط، قام لواء الشرطة زكي بدر بفتح أقفال قناة أسيوط، مما أدى لغرق حوالي ثلاثة آلاف من الجنود، وهي أحداث أدت في النهاية لتدخل الرئيس مبارك الذي أمر الجيش بالنزول للشوارع، ومواجهة المنتفضين لاستعادة الأمن العام، حيث قام باقتحام ثلاث معسكرات للأمن المركزي في شبرا وطرة والهايك ستِپ، ورُغم أننا لا نملك إحصائيات واضحة عن أعداد المقتولين، إلا أنها تتراوح على الأرجح بين 4000 و6000 من جنود الأمن المركزي.

إقالة أحمد رُشدي من جانب الرئيس كانت نتيجة طبيعية لتلك الأحداث، والذي عيّن مكانه اللواء زكي بدر، صديقه الشخصي وصاحب الآراء المتشددة في التعامل مع الإسلاميين، وكيف لا وهو الذي قتل بدم بارد كل الجنود ممن انتفضوا لإشاعة تمس قوت يومهم، وترك في نفس الوقت كافة القيادات الفاسدة للأمن المركزي في أماكنها، دون مساس بتجارة المخدرات التي يسيطرون عليها، وهو ما يفسّر إذن ظهور “باي باي رُشدي” كنوع من الاحتفال بين تجار الحشيش، وكنوع من الإشارة بأن كل شيء قد عاد لطبيعته.

***

من المهم في هذه الأيام أن نفهم ماذا جرى عام 1986، حيث تقوم حكومة الجنرال عبد الفتاح السيسي بمواجهة ما تصفه بأنه حملة من القبائل وعوائل المجرمين والإرهابيين، وبينما يحاول المراسلون الغربيون أن يضعوا أيديهم على طبيعة العصابات والجهاديين أولئك الموجودين على الأرض، إلا أن الحظ لم يحالفهم حتى الآن، فطبقًا لأحد مراسلي كبريات الصحف اليومية الأمريكية، “يمكن لأيٍ منا أن يطلق العنان لتخميناته، ببساطة لأن أحدًا لا يستطيع أن يصل إلى هناك.”

بيد أن حفنة من القيادات الرفيعة في الجيش الأمريكي تراقب ما يجري عن قُرب، ويقول أحدها، وهو مسؤول استخباراتي في وزارة الدفاع البنتاجون، أن المشاكل في سيناء ليست فقط بسبب غضب القبائل، ولكن قيادات الأمن المركزي في سيناء العازمة على حماية طرق التهريب وتجارة المخدرات التي تتحكم فيها منذ ثلاثة عقود تقريبًا، أي منذ محاولات أحمد رشدي السابقة القضاء عليها، “ما يحدث في سيناء أمر خطير، ومن السهل جدًا أن ننعته بالإرهاب، ولكن الواقع أن هناك جانبًا آخر للمسألة، حيث يثبت لنا ما يدور أن الدولة العميقة كما تُسمّى ليست عميقة جدًا كما نتصوّر،” هكذا يقول المسؤول الاستخباراتي الرفيع.

منذ انقلاب يوليو 2013، ظهرت شبكات المصالح بين رجال الأعمال والبيروقراطية للنور أكثر من أي وقت مضى، وفي القلب منها الجيش المصري، بالإضافة لقوة الأمن المركزي البالغ قوامها حوالي 350،000 رجل، والتي تأسست عام 1969 لضبط الأمن الداخلي وقمع أي حراك معارض (وهو أمر متوقع بالنظر لهبوط شعبية النظام آنذاك بسبب النكسة وبروز الحركة الطلابية المعارضة ومن ثم صعود الإسلاميين في السبعينيات)، ورُغم أن معظمها من الشرائح الواسعة للشباب الفقير والأمي، إلا أنها تتمتع بدخل يبلغ ملايين الدولارات من مبيعات المخدرات والسلاح، والتي تشاركها مع حليفها الأكثر رزانة وهيبة: الجيش المصري.

“ليست هناك أي مفاجئة في تلك المعلومات، لقد سمعنا كثيرًا عما يقوم به الأمن المركزي منذ السبعينيات، وتحكّمه في المخدرات هو تقليد عتيد، التهريب من وإلى سيناء هو البزنس الأكبر لهم،” هكذا يقول سبرينغبورج، المتخصص بالشؤون المصرية في الكلية البحرية في مونتيري بكاليفورنيا، وهو ما تؤكده أيضًا المعلومات المقدمة من إحدى الشركات الاستخباراتية الأمريكية التي تعمل مع الجيش المصري، إذ يقول أحد مستشاري الشركة أن إسرائيل أيضًا ضالعة في تلك المعادلة، “علينا أن نلوم إسرائيل أيضًا، فالكثير مما يجري في سيناء مرتبط بقوة بالتجارة مع عائلات المافيا الإسرائيلية، والتي يخرج حصادها في النهاية من طرق تهريب الأمن المركزي.”

***

ما يجري في سيناء ليس جديدًا إذن، فقد رفع الزعيم القبلي إبراهيم المنيعي إلى مرسي أثناء رئاسته شكاوى من المعاملة التي يلقاها بدو سيناء، وطلب منه أن يعيد هيكلة المنظومة الأمنية الفاسدة فيها، وهي المنظومة التي تسيطر عليها وزارة الداخلية منذ معاهدة كامب ديفيد عام 1979، وهي مهمة شرع فيها مُرسي بالفعل متذرعًا بالهجوم الذي وقع في أغسطس 2012 وخلّف 16 شهيدًا من الجنود المصريين، إذ قام بتغيير وزير الداخلية، وعيّن رئيسًا جديد للحرس الجمهوري، وغيّر رأس جهاز الاستخبارات المصري ومحافظ شمال سيناء، وحصل على مواقفة إسرائيل وضع عة آلاف من الجنود المصريين على الحدود في سيناء، وأطلق العنان لضربات جوية على “معاقل الإرهاب” في المنطقة.

على الرُغم من ذلك، لم تنجح جهود مُرسي في تهميش قوة الأمن المركزي، فقد اضطر مرسي لإحداث تغيير آخر بعد أن قامت قيادات الأمن المركزي بالوقوف بوجه تظاهرات اندلعت ضد الحكومة، وهو ما دفع مرسي ومستشاريه للتفكير في إصلاح جذري للوزارة تضمن تدريب قوة الأمن المركزي، ليقوم مُرسي بدعوة حلفائه من مسؤولي الأمن لهيكلة القطاع الأمني، وبث رسالة مفادها أن إصلاح الوزارة لن يكون على الأرجح على هواها.

لهذه الأسباب، كان غريبًا جدًا للمسؤولين الأمريكيين سيل الادعاءات الذي صدر من نظام السيسي فيما بعد متهمًا مُرسي بالتعاون مع حماس لبث القلاقل في سيناء، كما يقول مسؤول رفيع بالبنتاجون، “الإسرائيليون كانوا ممنونين لما يقوم به مرسي، ووزارة الداخلية كانت هي المتضرر الأساسي،” وهو ما يفسر ربما اتفاق معظم مسؤولي الاستخبارات الأمريكيين على أن ما كان يحاربه مُرسي في سيناء لا علاقة له بالإرهاب بقدر ما له علاقة بتجارة المخدرات وطرق التهريب التي تحاول بسط هيمنتها، وأن أي خطاب جهادي أو إرهابي يجد أرضية في سيناء هو مجرد نتيجة للفراغ الأمني الحادث ليس إلا.

***

بعد رحيل مرسي، ومحاولاته خلخلة قبضة الأمن المركزي داخل الوزارة، بغض النظر عن الأهداف الكامنة خلف ذلك، وهل هي إصلاح الوزارة بالفعل كما يقول أنصاره أم إفساح المجال لجماعته فقط ليس إلا كما يقول معارضوه، فإن الأجواء في الداخلية كانت تحمل رسالة مفادها أن الأمور ستعود كما كانت أيام مبارك، وهو خبر لم يكن سعيدًا بالطبع للإسلاميين بشكل عام ولأنصار مُرسي الذين أُطلِقَت بوجههم القبضة الأمنية من جديد، ويقبع الآلاف منهم في السجون حاليًا، ولكنه كان خبرًا سعيدًا لملوك الحشيش المتربعين على عرش الأمن المركزي.

لعل ذلك يفسّر لنا الكثير مما يجري في سيناء منذئذ، فـ"معاقل الإرهابيين" التي لم تكن موجودة أصلًا نشأت بالفعل نتيجة الفراغ الأمني كما كان متوقعًا، وكذلك نتيجة التوتر بين المنظومة الأمنية العائدة بقوة والقبائل التي تعاني ويبدو أنها ضاقت ذرعًا وفقدت الأمل في إصلاح الأوضاع بسيناء بعد الانقلاب، بل وأدى كل ذلك لما لم يكن يتوقع أحد حدوثه في مصر وبتلك السرعة: ظهور مجموعات بايعت دولة الإسلام في العراق والشام، تمامًا كما حدث بين قبائل العرب السنة في غرب العراق وشمال وشرق سوريا، حيث أدت سياسات نظامي المالكي وبشار الأسد للقضاء على أي مساحة ممكنة لخلق أرضية تفاهم مع معارضيها.

تسلسل الأحداث بعد ذلك يبدو حتميًا، فتحول الصراع نحو حالة صفرية يؤدي لعداوة واضحة بين الطرفين، وهو ما يفسر القصف العشوائي الذي يتعرض له أهل شمال سيناء بين الحين والآخر، وربما الأرضية التي وجدتها داعش في سيناء، وبينما يقول البعض أن "غباء" الإخوان، كما يوصف، في التعامل مع الوضع السياسي خلال عام رئاسة مرسي للجمهورية قد أودى بأي محاولات إصلاح وأفسح المجال لعودة كافة مراكز القوى القديمة، فإنه حري بنا أن نقول أن "جنون" النظام العسكري الحالي في تناول الوضع بعد يوليو 2013، والذي كان يمكن التعامل معه بطرق أكثر هدوءًا وذكاءً، هي التي فتحت طريق العنف في سيناء، فالغباء السياسي كما يقول التاريخ قد يؤدي لفشل ثورات وسقوط أنظمة، ولكن الجنون فقط هو الذي يفتح باب الدم.

الجزء الأساسي من هذا المقال منقول بتصرّف من مجلة فورين بوليسي الأمريكية