يبدو للمتابع للشأن التونسي من الوهلة الأولى أن الأزمات التي يعيش على وقعها الحزب الأول في تلك البلاد "نداء تونس" والتي تكاد تعصف بكيانه وهياكله، سيكون لها الوقع الإيجابي على الحزب الثاني في تلك الربوع ألا وهو حركة النهضة الإسلامية الحائزة على 69 مقعدًا في البرلمان التونسي.

إلا أن العديد من الخبراء يرون عكس ذلك، بل يذهبون إلى حد اعتبار أن النهضة التونسية ستكون الخاسر الأكبر وستلفحها رياح خريف "النداء" إن تواصل الأمر على ما هو عليه الآن، فالأزمات المتكررة التي يمر بها نداء تونس لم تعد حبيسة بيته الداخلي بل تجاوزته ووصلت أروقة البرلمان ولجانه، فكان أن أعلنت مجموعة مكونة من أكثر من 30 نائبًا "ندائيًا" تجميد عضويتهم في حزبهم إلى أن يتم الوصول إلى حل ولم شمل فرقاء الحزب الواحد وهو الأمر المستبعد حليًا حسب العديد من الملاحظين.

ذات شتاء عاصف وعقب موجة من الاحتجاجات سنة 2014 اجتاحت البلاد التونسية، تخلت النهضة عن الحكم وتركته لحكومة تكنوقراط، وقبلها قبلت تحييد وزارات السيادة ونصبت وزراء مستقلين، حينها قال البعض إن "النهضة تخلت عن الحكم مكرهة، ليدرك الجميع فيما بعد أن خروج النهضة من الحكم وقتاها كان أحسن خيار للحزب الإسلامي حتى يرمم بيته الداخلي ويعيد ترتيب أولوياته ونظرته للمجتمع التونسي وكيفية حكم البلاد، الأمر الذي لم ينته منه بعد.

كما أن عدم وجود حركة النهضة كحزب أول في تونس سيخفف من الاحتقان بين الإسلاميين والعلمانيين ويدفع إلى إنجاح المسار الديمقراطي ويقوي فرص المناورة لديها ولعب دورها في إحداث التوافقات والتوازنات ويترك لها المجال أمام المحافظة على موقعها ومكانتها ضمن الأحزاب الكبرى والقوية في تونس .

النهضة ارتأت ان تستريح قليلاً وتنفض عنها غبار الحكم وإن كان لوقت قصير، وتوجه بوصلتها نحو الإعداد الجيد لمؤتمرها العاشر الذي لم يحسم بعد موعد انعقاده النهائي، مؤتمر سيكون بلا شك حافلاً بالعديد من المفاجآت وسيمثل انطلاقة جديدة للحزب حسب العديد من الملاحظين خاصة وأنه يأتي بعد تجربة في الحكم وسيناقش خلاله أيضًا مسألة الفصل بين الجانب الدعوي والسياسي إضافة إلى العديد من المسائل المهمة الأخرى، فانشغال النهضة بالحكم فوت عليها العديد من الاستحقاقات الداخلية للحزب وما المكانة الثانية في البرلمان إلا فرصة لها لأخذ متنفس وأن تقوم بمؤتمرها وتقييمها الذاتي .

من مصلحة النهضة انقسام نداء تونس وحتى اندثاره لكن ليس في الوقت الحالي؛ فالحركة الإسلامية لم تنه تقييمها لفترة حكمها بعد ولم تستعد كفاية للعودة إلى الحكم، حتى أنها ارتضت أن يكون نصيبها من التشكيل الحكومي عقب الانتخابات التشريعية الأخيرة التي شهدتها البلاد في 26 أكتوبر 2014، وزيرًا يتيمًا و3 كتاب دولة والحال أنها القوة البرلمانية الثانية في البلاد بـ 69 مقعدًا في مجلس نواب الشعب .

هذا لا يعكس إلا رغبة في عدم الظهور في الواجهة خاصة وأن البلاد الآن تعرف مرحلة مطلبية بالأساس، فالكل يطلب ولا تجد من يعطي، كما أن حركة النهضة الآن ليس بمقدورها وهي من تذوقت مرارة الحكم عقب الثورة أن تجابه الوضع الكارثي الذي تمر به تونس اقتصادًا وأمنًا وسياسة.

فوضع البلاد لا يشجع عاقلاً على تصدر المشهد وتحمل تبعاته، نسبة نمو تقارب الصفر، اقتصاد مرتبك، هجمات إرهابية متكررة، موسم سياحي متعثر، مطلبية مجحفة، وواقع إقليمي متقلب، كما أن تونس بداية سنة 2016 ستنطلق في تسديد الديون المتخلدة بذمتها، كلها مؤشرات سلبية تجعل كل من يقترب من الحكم وقصري قرطاج والقصبة وتسنح الفرصة له إلى ذلك سبيلاً أن يعيد التفكير المرة تلو الأخرى.

إضافة إلى هذا فإن تجربة حكم النهضة الإسلامية لمدة سنتين عقب الثورة أظهرت بشكل عام أن الوقت لم يحن بعد لوصول الإسلاميين إلى السلطة في تلك البلاد وسيطرتهم على مقاليد الحكم بكل مفاصله ومؤسساته، ليس لضعف قدراتهم ولا لقلة خبرتهم وإنما لثقافة المجتمع السائدة التي لم تتقبل أو بالأحرى لم تعتد بعد حكم حزب إسلامي، كما أن النظام العالمي في معظمه يعارض هذه الحركات الإسلامية ويسعى إلى حشرها في الزاوية.

واضح أن حركة النهضة فهمت هذه الحقيقة منذ البداية، ومن هنا ابتعدت عن الهيمنة على السلطة والرجوع إلى الحكم وهي القادرة على ذلك وما المكانة الثانية في البرلمان إلا أفضل مكانة لها الآن من خلالها تراقب أوضاع البلاد بعين بصيرة وتقيم مستلزمات الواقع والجغرافيا بروية وهدوء.