لم يكن غربيًا كل ما جرى في الأشهر الأولى من العام 2011 بطول العالم العربي، فالشارع الذي انفجر فجأة بوجه النظم السياسية الحاكمة فيه كان يعيش بالفعل تحولات كبيرة منذ مطلع الألفية، مع ما جلبته تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الجديدة بشكل غيّر تمامًا من طبيعة المجال العام، ليُحدث نوعًا من الديمقراطية والشفافية المعلوماتية التي لم تستطع النظم الحاكمة أن تتحكم فيها بسهولة، وهو تحول كان لينعكس مباشرة على المجال السياسي دون شك، غير أن الطريقة التي انعكس بها مع الواقع الذي كشفته تلك الديمقراطية المعلوماتية لم يكن بالضرورة موائمًا تمامًا للصورة الوحدوية الرومانسية التي رسمتها أولى شعارات تلك الثورات، والتي أطلقتها مجموعات صغيرة منتمية للطبقة الوسطى في بادئ الأمر.

بقدر ما أملت التحولات المعلوماتية انقلابًا سياسيًا إذن، فإنها حتمت عليه أيضًا أن يتعثر خلال سنوات قليلة كما نشهد الآن، فالمساحة التي انفتحت على سبيل المثال في الثورة المصرية بميدان التحرير، ملأتها حشود جديدة ومختلفة بشكل كبير مستظلة بالنظام القديم وشبكات مصالحه بعد حوالي عامين في 30 يونيو، فيما يثبت أن المجال الجديد مساحة تستطيع كافة الأطراف أن تستخدمها لصالحها، والثوار وأعداؤها هنا سواء، كما يثبت أن الشارع الافتراضي الذي حرك الثوار العرب في أول لحظات الربيع، يختلف كثيرًا عن التعقيد الذي يتسم به الشارع الحقيقي، والمنقسم بين الثورة وأعدائها، والإسلاميين وأعدائهم، والسنة والشيعة، وغيرها من انقسامات شكلت مسار الربيع أكثر مما فعل شعاره الأشهر، "الشعب يريد إسقاط النظام".

هل تشرذم الربيع حقًا؟

ليس ذلك عيبًا في الشعار بطبيعة الحال، والذي خرج من عقليات انحصرت قبل ذلك في المجال الافتراضي، وحملت، ولو بشكل جزئي، إرث المجال العام الاستبدادي الذي سبقه لعقود بما فيه من افتراضات اجتماعية وسياسية زائفة، أبرزها أن الشعب العربي يمكن أن يكون له صوت واحد، أو حتى إن شعبًا واحدًا كالشعب المصري أو التونسي أو غيرهما هو كيان واحد، وهو إرث تعود جذوره لمنظومة الإعلام العربي التي شكلت المجال العام خلال الخمسينات والستينات واستمرت حتى أواخر القرن العشرين، والتي ارتكزت لخطاب وحدوي عربي على نمط الخطابات القومية الكلاسيكية القادمة من الغرب أولًا، وهو ما لم يتفق والواقع الأكثر تركيبية الذي قامت فيه، كما قامت على أحادية في الخطاب مستندة لنظام مستبد خلقت بها صورة "الشعب" الواحد المتجانس، والتي لم تتفق هي الأخرى مع تنوعات الشارع على الأرض.

نجح المجال العام القديم بالطبع في الاستمرار بنفس الصورة التي هيمنت عليها الدول العربية وآلاتها الإعلامية حتى وقعت ثورة تكنولوجيا المعلومات العقد الماضي، وفتحت مجالًا عامًا وإعلاميًا أفقيًا لا رأسيًا، وأتاحت درجة من الفردانية لم تكن متاحة من قبل، وتمثيل لمجموعات عانت من القمع سابقًا وشكلت تحديًا للخطابات القومية الوحدوية، لتكون أول النتائج هي ميل المجال العام العربي بقوة ناحية الديمقراطية بشكل طغى على الشارع الحقيقي أولًا، ثم ظهور تشرذم كبير في المجال العام على المستويات السياسية، الطائفية، العرقية، الدينية، وغيرها، في نوع من أنواع "انفجار الواقع" الذي كان جزءًا في الحقيقة من الربيع نفسه على عكس صورة الربيع الرومانسية التي رُسِمَت دون وعي بنفس التحيزات الوحدوية القديمة.

لسوء حظ الكثيرين ممن أرادوا أن يدفعوا قدمًا ناحية منظومات سياسية أكثر انفتاحًا وديمقراطية، فإن النظم القديمة استفادت بقوة من الربيع العربي لنفس تلك الأسباب، فإن كان المجال العام الديمقراطي الجديد قد أربكها قبل الربيع، كما حدث مع الحراك المتنامي في مصر قبل الثورة بخمس أو ست سنوات، فإن الثورات شهد تشرذمًا أربكها هي بعد الربيع متيحًا للنظم القديمة أن تلعب على الانقسامات لتُطيل عمرها قدر الإمكان، بل وأن تستخدم نفس تلك المساحات لتمرير شبكة مصالحها كما حدث مع ميدان التحرير في يونيو 2013.

تباعًا، يمكن القول إن الثورات العربية لم تتشرذم بقدر ما مثل الواقع التالي لها تحديًا في كيفية الاشتباك به، وهو واقع لم يكن سهلًا اكتساب الدراية به سريعًا، بدءًا من الشرائح الاجتماعية المحافظة والمتحفظة على راديكالية الثورات، والمجموعات القبلية التي امتلكت تصورات مختلفة عن الأهداف التي تريد تحقيقها منه، وحتى قدرة النظم القديمة على اللعب على الانقسامات بسهولة واستخدام نفس المجال العام الديمقراطي لمواجهة قوى الربيع العربي، ودرجة التعقيد التي اتسمت بها مؤسسات الدولة والمصالح المشتبكة بها في الداخل والخارج.

العجلة لن تعود للوراء

يحلو للكثيرين الآن إذن التحدث عن العودة للخلف في مصر وتونس، وهو حديث غير دقيق في الحقيقة، فعجلة الثورة في مصر لم تعد للخلف ولكنها تعثرت بينما نجحت قوى مختلفة في معرفة آلية تُحرّكها للأمام ووقفها أو استغلالها لصالحها، وبقدر ما كان انقضاء لحظة الربيع الرومانسية الأولى حتميًا لصالح واقع أكثر تعقيدًا، فإن تجاوز التعثر نفسه مسألة وقت ليس إلا، لا سيما وأن ديمقراطية المجال العام مسألة لا يمكن أن تعود للخلف، وهو ما يثبته الحراك المستمر، والذي عاد في مصر لقواعده في المجال الافتراضي ليس إلا بعد أن خسر المعركة الثانية في يوليو 2013.

بقدر ما يبدو الأفق ضبابيًا في المرحلة الراهنة، فإن التاريخ، والطبيعة الاجتماعية لتحولات المجال العام التي أدت للربيع أيضًا، يقولان بأن التعثر لن يدوم طويلًا، وأنه جزء من سُنة الثورة في الحقيقة لا نهاية مؤلمة كما قد يرى المتشائمون، فالبيئة العربية الجديدة ما بعد الربيع حاضرة وموجودة بشكل لا يمكن إلغاؤه والعودة لمنظومة التسعينات وما قبلها، والمحاولات الفاشلة من جانب النظام المصري حاليًا لغلق المجال لا يقابلها إلا المزيد من فقدان الشرعية كما تثبت لجان الانتخابات الخالية، والسخط المتزايد والمستمر في الشارع الافتراضي، والشارع الحقيقي أيضًا كما أثبتت أحداث أخيرة عدة كالأقصر والإسماعيلية.

كيف ستكون العودة إذن ومتى؟ هو سؤال لا يمكننا الإجابة عليه إجابة قاطعة بالطبع، ولكن يمكننا القول بأن العودة مرهونة برسوخ إدراك واسع أن الحراك الثوري لا يجب أن ينحصر في إطار وحدوي وهتاف واحد على غرار صورة الربيع الأولى، لا سيما وأن المجال العام فيما بعد، وأي منظومة سياسية ديمقراطية مستدامة ستتمخض عنه، سيكون لزامًا عليه أن يمثل مصالح وهويات كافة الشرائح المكونة له كما هي على الأرض، كما ستكون تلك العددية أساسًا لأي عقد اجتماعي حقيقي يضمن استمرارية تلك المنظومة والحفاظ على تعددية المجال العام، والتي ستكون تعددية حينئذ لا تشرذمًا.

أخيرًا، يجدر القول إن التشرذم الحاصل حاليًا ليس تشرذمًا في حد ذاته بقدر رؤيته بهذا المنظور مقارنة بالمنظومة القديمة التي قامت على أحادية أو وحدوية زائفة، وهو ما يدفع بالكثيرين ممن حسبوا أنفسهم لحظة وقوع الربيع الرومانسية على الثورات إلى الوقوف بصف نفس النظم القديمة اليوم حماية للوطن في نظرهم أو تخوفًا من الانزلاق للفوضى، وهو مرة أخرى تجسيد للمعضلة الذهنية التي تنتاب الكثيرين من المنتمين للطبقة الوسطى الذين أطلقوا الثورة في البداية، وحملوا تحيزات من المنظومة السابقة دون وعي، فالتشرذم والاضطراب الحالي أمر حتمي، واستغلاله من جانب المنظومات القديمة أيضًا مسألة متوقعة ومنطقية. 

تجاوز التعثر إذن مرهون فقط بإدراك شرائح واسعة لتركيبة الشارع العربي، وضرورة صياغة صورة جديدة لعودة الحراك الثوري أكثر استيعابًا لها لا أكثر توجسًا من فوضويتها، وهو حراك سيكون أكثر تعقيدًا بالتبعية، ولكن أكثر استدامة مستقبلًا، وأصعب على النظم القديمة أن تتحكم فيه، كما سيكون أكثر قابلية لتحقيق انتصار شافٍ يرسخ ديمقراطية المجال العام الجديدة ويوسعها للمجال السياسي.