لم يكن أحد يعلم أن صفعة شرطية تونسية لبائع متجول لم يتجاوز عمره الـ 26 ربيعًا في أحد شوارع محافظة سيدي بوزيد البعيدة عن العاصمة تونس (260 كيلومترًا) ستكون سببًا لانطلاق الثورة التونسية والربيع العربي.

في الـ 17 من شهر ديسمبر 2010 صفعت الشرطية فادية حمدي بائع الخضار المتجول محمد البوعزيزي في مدينة سيدي بوزيد (وسط)، فلم يجد البوعزيزي غير إشعال النار في جسده أمام مبنى المحافظة، تعبيرًا عن شعور عميق بالإحباط واليأس بعد أن طرق أبواب المسؤولين المحليين للمدينة ولا مجيب.

لم تكن صفعة الشرطية سوى القطرة التي أفاضت الكأس، فإشعال البوعزيزي النار في جسده كان نتيجة حتمية للفقر والتهميش، للخصاصة والبطالة، للقمع والاستبداد، للإهانة والتحقير، لغياب العدالة الاجتماعية وتفشي الفساد؛ مظاهر طالت شعبًا بأكمله ولم تكن حكرًا عليه.

حادثة سرعان ما أخذت صداها لدى شباب تونس خاصة العاطلين عن العمل منهم؛ دفعت المئات إلى تنظيم مظاهرات واحتجاجات سلمية في مدينة سيدي بوزيد، سرعان ما تحولت في اليوم التالي إلى مواجهات دامية مع قوات الأمن، لتمتد بعدها إلى محافظة القصرين المحاذية ومن ثم إلى محافظات أخرى في البلاد قبل أن تصل العاصمة تونس يوم 12 يناير 2011.

احتجاجات فاجأت السلطات فاختاروا الحل الأمني لقمعها كسابقاتها، فما إن تحدث احتجاجات في تونس إلا وكان الأمن قبالتها لصدها والتنكيل بمنظميها والمشاركين فيها وحتى المتعاطفين معها كحال كل الأنظمة القمعية في المنطقة.

لم يعلم النظام أن ترسانته الأمنية لن تنفع في هذه الحالة، فالشعب قرر أن يثور وينفض عنه غبار ظلم وجبروت عاشه طوال أكثر من نصف قرن، فانتقل الغضب الشعبي إلى مدن ومحافظات تونس بشمالها وجنوبها، شرقها وغربها، ليبلغ أقصاه ظهر الجمعة 14 يناير  2011 وتعجل بهروب الرئيس آنذاك زين العابدين بن علي وسقوط نظامه.

مظاهرات واحتجاجات شملت مختلف مدن تونس نتج عنها سقوط العديد من القتلى والجرحى في صفوف المتظاهرين لم يضبط عددهم إلى الآن، وأجبرت بن علي قبل هروبه على إقالة عدد من وزراء حكومته على رأسهم وزير داخلتيه وتقديم وعود لمعالجة المشاكل التي طالب بحلها المتظاهرون، وعزمه على عدم الترشح لانتخابات الرئاسة سنة 2014، وأمر بن علي بالتزامن مع المعالجة الأمنية بفتح المواقع المحجوبة في تونس كاليوتيوب بعد سنوات من الحجب، كمسكنات لتهدئة الأوضاع والتحكم في المحتجين، بالإضافة إلى تخفيض أسعار بعض المنتجات الغذائية، ومع ذلك لم تنجح المسكنات ولا القبضة الأمنية في إخماد ثورة ارتفع لهيبها واشتد حتى وصل دول عربية عدة.

ثورة طالب المحتجون خلالها بالشغل والحرية والكرامة الوطنية، فلا هذا تحقق وذلك شهد النور، فالبطالة على حالها بل زادت وارتفعت وتيرتها، والحرية أوصدت أبوابها بعد أن فتحت لبعض الوقت، والكرامة الوطنية انتهكت وقض مضجعها.

خمس سنوات من انطلاق ثورة لم يجن التونسي بعد بعض ثمارها، حتى أن الأمر زاد عن سابقه، فوقود الثورة ولهيبها، الشباب، يقبعون في المقاهي هروبًا من واقع مرير، صحفيون ومحامون وقفوا يومًا في صف الثورة وضد النظام يحاكمون في المحاكم العسكرية، وإرهاب يضرب أمن تونس وأبناءها دون هوادة ولا يخاف فيهم إلا ولا ذمة، وتوتر اجتماعي ظن البعض أنه سيرتاح منه بعد هروب زعيم المتسببين فيه، وارتهان للأجنبي خال الشعب أنه أبعده عن طريقه بعد أن أبعد رأس النظام الذي يحمي مصالحه.

 ورغم كل هذا تبقى الثورة التونسية أمل المنطقة نحو بناء دولة ديمقراطية تكون المؤسسات والقانون عمادها، والحرية إحدى شعاراتها والكرامة من مبادئها والتشغيل ضمن أولوياتها.