لاعب الكرة المصري محمد أبو تريكة

مابين مطرقة  الخيانة والتآمر، وسندان الإرهاب والتطرف، يقبع الأخيار الشرفاء ضحية هذه المؤامرة الخبيثة التي تدور رحاها، هنا وهناك، تغتال خيرة الشباب، وتدفعهم إما للهجرة للخارج أو الخنوع والاستسلام لرغابتهم ومخططاتهم، في ظل آلة إعلامية سخًرت كل إمكانياتها لتشويه الرموز وتهييج الرأي العام ضدهم عبر أسلحة الابتزاز باسم حب الوطن والاستقرار حتى باتت الوطنية حكرًا على بعض المواطنين دون غيرهم.

حين يصبح شرفاء الوطن هم العملاء، الملاحقون هنا وهناك، ولصوصه هم عليته وعنوانه، وقتها لايمكن أن تستقيم الأمور، إذ تتعارض مع نواميس الحياة وتناقض ابحديات المنطق، حينها يصدق فيهم قول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم: "سيأتي على أمتى سنوات خداعات يكذب فيها الصادق ويصدق فيها الكاذب ويؤتمن الخائن ويخون فيها الأمين وينطق فيها الرويبضه"، قيل: "وما الرويبضه؟"، قال: "الرجل التافه السفيه يتكلم في أمر العامة".

ولآن الله عز وجل - وإن امهل الباطل وأهله – هو العدل، فقد أعطانا مؤشرات ودلالات نستطيع من خلالها التمييز بين الحق والباطل، الصواب والخطأ، الصادق والكاذب، الشريف والخائن، فحين نرى أبناء الوطن المخلصين المطرودين من نعيمه، والمعذبين على أعتابه، هم  دون غيرهم من يُستقبلون في الخارج استقبال الفاتحين، وحدهم من يرفعون اسم الوطن عاليًا خفاقًا، فقط هم من يعيدون للمصري كرامته في الخارج من خلال مايصدرونه من أخلاقيات عالية وإمكانيات لا تتوفر فيمن سواهم.

أما غيرهم من لصوص الوطن وجلاديه فهم في المراتب السامية، المنعمون بخيرات الشعب، السارقون لقوت يومه، وحدهم من تلفظهم كل شعوب الأرض، يلاحقون في كل مكان، لايتحركون إلا في ظل حراسة مشددة خوفًا من آهات المظلومين التي تلاحقهم أينما ذهبوا، في ظل هذه المعادلة المتناقضة، هل من الممكن أن نستشعر الأمل في مستقبل أفضل؟!

تريكة.. الغصًة في الحلق

جاء موقف اللاعب الخلوق محمد محمد أبوتريكة في الكويت الرافض لحصول المبلغ المالي مقابل مشاركته مع نجوم العالم ضد منتخب الكويت بعد أيام قليلة من حكم تأييد التحفظ على أمواله، في ظل الإفراج عن أموال العادلي وغيره، ليمثل صفعة جديد على وجوه منتقديه، فاقت في وقعها وتأثيرها ماتعرض له أحمد موسى في بريطانيا وألمانيا وفرنسا، ممن سلطوا سهام النقد اللاذعة المشككة في وطنية الرجل وأخلاقياته، إلى الحد الذي دفع لاعب الزمالك السابق ومدرب الإسماعيلي أحمد حسام ميدو لاتهام تريكه بأنه الممول الرئيسي لجماعة الإخوان، لكن كل هذه الحملات تبخرت فورًا بعد هذا الموقف الذي شرًف المصريين في كل بقاع الأرض، والذي أسقط القناع عن الكثيرين ممن هاجموا الرجل بأبشع الألفاظ، ليطرح السؤال: لماذا تلفظهم بلادهم وتستقبلهم شعوب العالم استقبال الفاتحين؟

وقد حرًك هذا الموقف المشرًف ينابيع النقد اللاذعة على ألسنة النشطاء والسياسيين، حيث قال المحامي خالد علي في تغريدة: "في الوقت الذى تتطلع فيه الحكومة المصرية لمساعدات خليجية، لعب تريكة بالكويت ورفض تقاضى أجر شأن باقى نجوم العالم، لأنها دولة عربية، رغم التحفظ على أمواله بوطنه، أنت بحق نموذج مشرف للرياضى المصرى".

بينما أبدى الكاتب الصحفي تامر أبو عرب، انزعاجه من تعامل الدولة مع "أبو تريكة" قائلًا: "أبو تريكة رفض ياخد 50 ألف يورو نظير مشاركته في مباراة نجوم العالم ونجوم الكويت، الجدع اللي متحفظين على أمواله وممنوع من التصرف في فلوسه اللي جابها بشقاه وتعبه رفض حوالي نص مليون جنيه كانوا ممكن يحلوا له أزمات كتير لأنه حاسس إنه معملش حاجة يستاهل عليها الفلوس دي، محدش يفكر يعمل كده إلا إذا كان راجل مجدع وشبعان وابن ناس، ومفيش دولة تحجز على فلوس راجل زي ده وترفض الحجز على فلوس حبيب العادلي في نفس اليوم إلا إذا كانت دولة ظالمة وجائرة وبلا عقل".

عبدالله عاصم.. المخترع المطرود

ولم تكن حالة تريكة هي الأولى من نوعها التي تجسد حجم الكارثة التي يعاني منها زهور وشرفاء هذا الوطن، فهناك العشرات من النماذج الأخرى الى تسقط القناع عن وجه المنظومة القبيح، لتفند كل الادعاءات والأكاذيب التي تعزف على أوتار الاهتمام بالمواهب ودعم أصحاب الأفكار والابتكارات، لكنها هذه المرة تأتي من الصعيد، من قلب مدينة أسيوط.

عبدالله عاصم، الطالب الذي لم يتجاوز عمره 17 عامًا والملقب بالمخترع الصغير، والذي كان من المقرر سفره إلى ولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأمريكية؛ لتمثيل مصر في مسابقة «Intel» العالمية، بعد اختراعه نظارة تساعد مرضى الشلل الرباعي في التواصل، وفوزه بمسابقة «Intel» مصر للعلوم والهندسة في نادي العلوم والتكنولوجيا، علمًا بأن نظارته المخترعة ستخدم ما يقرب من 7 ملايين معاق في مصر للتحكم في الكمبيوتر، وتباع بـ100 جنيه فقط، بدلًا من سعرها الحالي الذي يبلغ 7 آلاف دولار، ويضطر من يريد الحصول عليها إلى شرائها من الخارج.

وبدلًا من تهيئة الأجواء وتمهيد الطريق أمام هذه الموهبة، تم اعتقاله وإلقاء القبض عليه بتهمة التظاهر، وعلى الفور ألقي به في غياهب السجون لولا الضغط الاعلامي الذي أجبر القائمين على المنظومة الأمنية السماح له بالسفر لتمثيل مصر خارجيًا، وإعادة محاكمته فور عودته، مما دفع الطالب إلى رفض العودة لمصر.

عاصم الذي كان مفعمًا بالأمل والحماس لخدمة وطنه وإعلاء شانه دوليًا، يرفض العودة لموطنه خوفًا من الاعتقال مرة أخرى، معلنًا استكمال دراسته بأمريكا، ومؤكدًا أنه لو عاد سيتم إلقاء القبض عليه ورميه في السجن، على حد وصفه، ليقتلوا حلمًا قبل أن يولد.

المخترع الصغير أكد أنه وبالرغم مما فعله به وطنه إلا انه يكن له بقلبه مكانة عظيمة، وأنه سيسعى بكل ما أوتي من قوة وعلم أن يرفع رأس مصر في الخارج من خلال التفوق العلمي والمزيد من الاختراعات والابتكارات.

الصاوي .. اغتيال الأمل على أعتاب اللامبالاة

وهاهو مصطفى الصاوي طالب بمحافظة الدقهلية شهد له مدرسوه منذ صغره بذكائه وتنبؤا له بمستقبلٍ باهر في مجال الاختراعات، بعد أن حصل على المركز الأول من منظمة الأمم المتحدة لأفضل مخترع على مستوى العالم لعام 2014، وجائزة المخترع الأول على مستوى الشرق الأوسط من دولة الكويت، والمركز الأول بلندن كأفضل مخترع في المهرجان الدولي للموهوبين في 2014.

ورغم ما حصل عليه  المخترع، من جوائز عالمية ومحلية إلَّا أنه لم يلق اهتمامًا من جانب الدولة، حيث عرض تلك الاختراعات على العديد من المسؤولين، إلَّا أنه لم يلق استجابةً واهتمامًا باختراعاته من الدولة.

المخترع صاحب العشرين عامًا، كان أبرز اختراعاته،”السد الذكي” ابتكار لحل مشكلتي المياه والطاقة، تعتمد فكرته على إقامة أحد السدود في بحر مالح على مستوى واحد من البحر ينقسم إلى نصفين أولهما إنشاء منحدر بحيث يكون السد على عمق داخلي من البحر بـ35 مترًا ويتم تنزيل المياه لتدوير 7 توربينات، التوربين الواحد قدرته 600 ميجا وات وبعد توليد التوربينات فهناك طاقة أخرى وهى طاقة الرياح في البحر أقوى من الأرض بـ70%.

وبصرف النظر عن مدى جدوى الاختراع من عدمه حسبما أشارت بعض المصادر إلا أن الفكرة نفسها كان لابد لها أن تحتل أولوية لدى القائمين على أمور البلد، وإن لم تكن صالحة عمليًا لكنها تنبئ بمشروع عالم مستقبلي لابد من الاهتمام به ورعايته وتوفير المناخ الماسب له، لكن للأسف استقطبته إحدى الدول العربية لتمنحه جنسيتها وتنسب الاختراع لنفسها لتفقد أرض الكنانة بذرة جديدة من بذور الأمل والعلم.

وحين سُئل الدكتور عصام حجي لماذا هاجرت من بلدك؟ أجاب إن السبب الأول لسفرى خارج مصر هو البحث عن العلم، والبحث عن بيئة أستطيع أن يكون لي دور فيها، بعد أن أصبحت المنظومة لا يجد المواطن فيها الحد الأدنى من الآدمية أو الفرصة التى تمكنه من الإبداع، وخاصةً أن البحث العلمى في مصر مع الأسف تغلغلت فيه الواسطة والمحسوبية والفساد الإداري، الذي حوله إلى منظومة لا تقدر أن تُقدم أي عطاء للمجتمع المصري، بعد أصبحت منظومة معزولة ومهمشة.

القادم أسوأ.. حسين جاحر نموذجًا

"هو كده الحلو دايمًا بيتاخد واللى يفضل كفتة"، بهذه العبارة علقت الدمية الساخرة "أبلة فاهيتا" خلال برنامجها المقدم على إحدى الفضائيات على هجرة شرفاء الوطن وعلمائه للخارج في ظل سياسة فاشلة طاردة لكل المواهب المبدعة والأصوات الشريفة.

المتابع للمشهد يخرج بنتيجة مؤكدة مفادها أن القادم لن يكون أفضل حالًا مما هو عليه الآن، فالمؤشرات جميعها تقودنا إلى أن الوضع لو استمر على ماهو عليه فلن يكون للشرفاء مكان في هذا الوطن، ولن تجد المواهب الأيدي الحانية التي تحتضنهم وتوفر لهم البيئة المناسبة لإخراج طاقاتهم وإمكانياتهم من أجل مستقبل أفضل.

وللأسف، رغم أن حالات كثيرة من الطلاب والباحثين والمفكرين تركوا مصر لتجاهلهم واتهامهم بالعمالة والخيانة وإنكار الوطنية عليهم، إلَّا أنه مازال هناك مخترعون وعلماء لكنهم ينتظرون مصيرهم كمن سبقوهم؛ لعدم الاهتمام بهم من قِبَل الدولة ومسؤولي وزارة التعليم بمصر.

هذا حسين جاحر 15 عامًا طالب بالصف الأول بمدرسة المرج الثانوية، عمره 11 عامًا كانت أول ابتكاراته طائرة، مما أبهر جميع أساتذته، وكل من حوله، وعندما التحق بالمرحلة الإعدادية، وبعدها صنع قبعة بمروحة تعمل على تبريد الجسم وهدوء الأعصاب، كما صنع بطارية موبايل، وقدم عدة مشروعات لحل أزمة الغاز بمصر، لكن في نهاية المطاف لم ينظر اليه أحد، وقد أعلن استعداده للرحيل في القريب العاجل لينضم إلى قافلة المهاجرين عن هذا الوطن.

أعلن الاتحاد العام للمصريين في الخارج مؤخرًا أن تعداد علماء مصر في الخارج 86 ألف عالم، وأن مصر تأتي في المركز الأول في عدد العلماء على مستوى العالم، وأن بها ألفًا و883 عالمًا مصريًّا في تخصصات نووية نادرة، مشيرًا إلى أن إجمالي مدخرات المصريين في الخارج  بلغت 147 مليار دولار، بما يمثل ضعف الاستثمارات الأجنبية الموجودة في مصر، فمتى تعود طيور مصر المهاجرة إلى عشها ووطنها مرة أخرى؟! سؤال قد نجد إجابته عند الجميع إلا من هم في الحكم الآن.