المتظاهرون الإيرانيون يحملون صورة الشيخ نمر النمر خلال مظاهرة للاحتجاج على إعدامه أمام السفارة السعودية في طهران، بتاريخ 3 ديسمبر 2016

ترجمة وتحرير نون بوست

تصاعدت وتيرة الأعمال العدائية الطائفية في منطقة الشرق الأوسط إلى مستويات غير مسبوقة وخطيرة في 2 يناير من الشهر الجاري، بعد أن أعدمت السعودية رجل الدين الشيعي السعودي والناشط السياسي نمر النمر، حيث استتبع ذلك هجوم نفذه المتظاهرون الإيرانيون على السفارة السعودية في طهران مضرمين النار فيها، وردت السعودية على ذلك بقطع علاقاتها مع إيران وطرد دبلوماسييها، مما أسفر عن تصاعد التوتر، وإطلاق خطابات وتصريحات مروعة من جانب جميع الأطراف.

ولكن مع ذلك، ورغم هذا التصعيد غير المسبوق، فإن مجريات الأحداث لن تتغير كثيرًا نتيجة لما حصل؛ فالمملكة العربية السعودية وإيران منخرطتان في حرب بالوكالة - تختلف بشدتها- بغية السيطرة على النظام الإقليمي في المنطقة منذ سنوات عديدة؛ فمثلًا قد يعوق هذا التصعيد مسار عملية السلام السورية، فضلًا عن إفساحه المجال لصب المزيد من الأسلحة ضمن هذه الدولة المتأزمة والمدمرة بشكل هائل، ولكن بجميع الأحوال قلة فقط هم من كانوا يؤمنون بوجود آفاق للحل في سوريا، ومن المرجح أيضًا أن يسفر هذا التصعيد عن استمرار الحرب في اليمن وفق ذات مسارها الحالي المدمر، خاصة في ظل إخفاق محاولات الوصول لاتفاق وقف إطلاق النار في تهدئة الوضع على الأرض، فضلًا عن أن الحملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية قد تصبح أكثر تعقيدًا، ولكن بذات الوقت، فإن دول الخليج تركز معظم اهتمامها العسكري منذ فترة طويلة تجاه اليمن، وأخيرًا من غير المرجح أن تتنصل أمريكا من الاتفاق النووي مع إيران الذي وصلت إليه بشق الأنفس.

ومع ذلك، فإن تداعيات إعدام النمر اجتاحت السياسة الإقليمية بوضوح، فالقليل من الشك يخامر فكرة أن هذا التصعيد هو متعمد ومبيت مسبقًا في عقلية القيادة السعودية، التي لم يكن عليها أن تستغرب من رد الفعل الإقليمي والدولي الذي سينجم على إعدامها لرجل شيعي بارز، ولكن النتيجة الأكثر إثارة للدهشة هي أن عملية الإعدام حطمت الخطوط الحمراء التي كانت تحكم علاقة الحكومة السعودية مع المعارضة الشيعية على مدى عقود؛ فكما يقول توبي ماثيسن، الناشطون الشيعة، مثل نمر النمر، تتم مضايقتهم بشكل روتيني، ويتعرضون لضغوط قانونية وأخرى خارج النطاق القانوني، ولكن يتم إطلاق سراحهم في نهاية المطاف عندما تتطلب سياسة الدولة ممارسات حكيمة وتصالحية، ومن هذا المنطلق، لم يتم إعدام أي رجل دين شيعي بمكانة النمر منذ سنوات عديدة في الداخل السعودي.

يبقى السؤال المطروح، لماذا تم التصعيد الآن بالضبط؟ الطائفية بحد ذاتها لا تقدم تفسيرًا متكاملًا لما حدث؛ فالصراع الطائفي لم تتغير ملامحه منذ شتاء عام 2013، عندما قمت، من خلال مقال لي، بتحليل تنامي الطائفية فيما يتعلق بالتلاعب المشين بسياسات الهوية من قِبل الأنظمة التي تسعى إلى تعزيز مصالح سياساتها الداخلية والخارجية، وفكرة الصراع المبدئي واللامنتهي ما بين السنة والشيعة لا تقدم تفسيرًا حقيقيًا حول تأرجح السياسة الإقليمية صعودًا وهبوطًا؛ فما يجري حاليًا لا يمكن نعته بأنه تجديد لصراع يبلغ من العمر 1400 عامًا، ويمكن القول بأن الاحتقانات الطائفية التي تشهد تكثيفًا هائلًا اليوم، يرجع سببها لسياسات الدول، فالإرهاصات المستمرة للاحتلال الأمريكي للعراق والحرب الأهلية السورية والاتفاق النووي الإيراني، يفسرون سبب التنامي منقطع النظير للطائفية اليوم، أكثر مما تفسره الاختلافات الدينية الموجود والمستمرة منذ قرون خلت.

استخدام السعودية للهجة الطائفية في سياساتها الداخلية والإقليمية يشكل موضوع بحث هام في مجال العلوم السياسية؛ فكما يوضح غريغوري غوز، المملكة العربية السعودية والأنظمة الخليجية الأخرى تحاول التوازن على حبل رفيع تجاه موجة التهديدات الداخلية والخارجية التي تواجهها، ومن هذا المنطلق، لطالما تم اعتبار التعبئة والحقن الطائفي ضد الشيعة باعتبارها وسيلة فعالة للتصدي لمناشدات ودعوات إيران الموجهة للسنة، وكوسيلة فعالة أيضًا في خضم المعركة السنية الداخلية على اكتساب النفوذ، كما تظهر الكتب التي صدرت مؤخرًا للكاتبين ماثيسن وفريد وهري، كيف يمكن استخدام الطائفية في السياسة الخارجية للحفاظ على استقرار النظام الداخلي أيضًا؛ لذا، فإن حشد التوتر الطائفي الخارجي ينبغي أن يتم فهمه باعتباره مناورة ضمن سياسات القوة الخارجية في المنطقة وكذلك كوسيلة للحفاظ على السيطرة المحلية.

من هذا المنظور، فإن الدافع خلف التصعيد الطائفي الجديد هو خليط غريب وخطير من تفاعل الرياض مع التهديدات المتصورة لموقعها الداخلي الإقليمي ورغبتها باقتناص الفرص؛ وخليط أيضًا من تصديها لجوانب قوتها وضعفها؛ فالمملكة تعد في الوقت الراهن من أقوى الدول ضمن السياسات العربية، حيث استطاعت نيل هذا الموقع من خلال اعتمادها على الشراكة الوثيقة اللحظية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، والضعف المؤقت الذي تعاني منه القوى التقليدية مثل مصر وسوريا والعراق، كما أن منافسي السعودية الأساسين على قيادة التيار السني، تركيا وقطر، مكبلتان بقيود النكسات المتعددة التي تعرضتا لها، مما أسفر عن سعيهما لإعادة بناء العلاقات مع الرياض، كما يمكن القول بأنه وحتى الآن، استطاعت المملكة الانتصار بتحدي الانتفاضة العربية من خلال إخمادها ضمن الداخل السعودي.

ولكن رغم ما تقدم، ما زالت السعودية تشعر بضعفها الكامن بشكل واضح؛ فالحروب المتعثرة في سوريا واليمن، صعود الدولة الإسلامية، وإبرام الاتفاق النووي الإيراني، عززت جميعها من شعور المملكة بالضعف العميق، وهذا الخليط المتراكب من القوة والضعف انعكس على سياسة المملكة الخارجية المتقلبة والعشوائية، خصوصًا في ظل حكمها من قِبل قيادة عدوانية جديدة تسعى لترك بصمتها في المنطقة، وبالإضافة إلى ما تقدم، تعاني المملكة من تحديات عميقة في سياساتها الداخلية، بما في ذلك المعركة على خلافة الملك سلمان، إرهاصات انخفاض سعر النفط، والعجز غير المسبوق في ميزانية المملكة.

لكن يبدو بأن النظام السعودي، كما تنبأ غوز، يستجيب ويتفاعل مع أكبر تهديد مفترض لبقائه، والذي يتمثل بالتهديد الخارجي، حيث يبدو بأن التلاعب بالسياسة الخارجية يوفر وسيلة أرخص وأسهل للتصدي للتحديات المحلية، ومن هذا المنطلق، يمكننا حصر ثلاثة أسباب أساسية على الأقل حذت بالمملكة العربية السعودية لتصعيد الحرب الباردة الإقليمية الطائفية في الوقت الراهن:

الاتفاق النووي الإيراني: علاوة على كل شيء، الدافع خلف التصعيد السعودي يتركز حول خوف المملكة من إمكانية نجاح الصفقة الأمريكية مع إيران بشأن برنامجها للأسلحة النووية، السعودية تعتبر عودة إيران إلى النظام الدولي وتطوير علاقاتها مع واشنطن باعتبارهما تهديدان عميقان لموقفها الإقليمي، والتعبئة الطائفية ضد الشيعة هي خطوة مألوفة في جهودها لاحتواء إيران وتعزيز عزلتها؛ فالسعوديون عارضوا تقريبًا جميع مبادرات السياسة الأمريكية الكبرى في الشرق الأوسط على مدى السنوات الخمس الماضية، بمعنى أن الأمر لم يقتصر فقط على معارضة النهج الأمريكي تجاه الاتفاق مع إيران، بل عارضت السعودية أيضًا الدعم الأمريكي للديمقراطية المصرية وإحجام إدارة أوباما عن التدخل في سوريا؛ إذن، يهدف التصعيد الطائفي على الأرجح لتقويض الأهداف الإستراتيجية الأساسية للولايات المتحدة في المنطقة، مثل صفقة إيران ووضع نهاية تفاوضية للحرب في سوريا، وذلك من خلال تأجيج التوترات الطائفية في سبيل جعل التقدم الدبلوماسي في هذه المواضيع أمرًا مستحيلًا.

فشل السياسات الخارجية: يهدف التصعيد السعودي على الأرجح لإلهاء الجماهير الإقليمية والمحلية عن الإخفاقات الجلية لمقاربات السياسة الخارجية السعودية، حيث فشلت المملكة في منع صفقة إيران رغم المعارضة الشعبية التي أطلقتها علنًا، وفشلت سياستها في دعم التمرد في سوريا في الإطاحة بنظام الأسد من الحكم رغم استمرار المعاناة الإنسانية الهائلة في ظل تنامي التطرف والتمرد وبزوغ الدولة الإسلامية، كما أصبح من المسلم به على نطاق واسع اليوم بأن تدخل السعودية في اليمن يشكل إخفاقًا إستراتيجيًا في تحقيق الأهداف المرجوة منه، حيث أسفر النزاع حتى الآن عن تكلفة بشرية هائلة؛ إذن، الخلاف العلني مع إيران يساعد على تحويل الأنظار عن كل ذلك وإعادة الانتباه إلى العدو المألوف.

القيادة السنية: قد تكون إيران الهدف الأبعد من التصعيد الذي مارسته السعودية الذي يُرجح بأنه موجه قبالة خصومها السنيين الآخرين، حيث ركزت الدبلوماسية السعودية بشكل خاص على الجهود الرامية لتعزيز قيادتها السنية من خلال إعادة تشكيل نظام إقليمي سني؛ فأعلنت الرياض مؤخرًا، ضمن ضجة إعلامية هائلة، عن تشكيل "التحالف الإسلامي" ضد الإرهاب، كما قدمت ائتلاف حرب اليمن باعتباره نموذجًا للعمل العربي المشترك، ولكن النفوذ السعودي في هذا النطاق محدود للغاية؛ فرغم الوحدة الظاهرية للمعارضة السورية التي تأتت عن مؤتمر الرياض والدعم المشترك لتشكيلات الثوار الجديدة، ما زالت قطر وتركيا تشتركان بالمنافسة مع السعودية لاغتنام النفوذ ضمن صفوف الثوار السوريين، وفيما عدا البحرين، يبدو من غير المحتمل أن تحذو بقية دول مجلس التعاون الخليجي حذو السعودية في قطع العلاقات مع إيران، فحتى الحليف الوثيق للسعودية المتمثل بدولة الإمارات العربية المتحدة اقتصرت فقط على تخفيض تمثيلها الدبلوماسي مع طهران.

في خضم ذلك، تتحدى الشبكات الإسلامية السنية السياسات السعودية الرئيسية، حيث تمخض النزاع السوري عن ولادة فصائل جهادية طائفية مهيمنة تحوز أجنداتها الخاصة، كما اكتسب العدو السعودي طويل الأمد، تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، مكانة كبيرة في اليمن جرّاء الفوضى التي أحدثتها الحرب السعودية الكارثية عليها، فضلًا عن أن الضغط الممارس لتجريم جماعة الإخوان المسلمين لم يلقَ شعبية كافية بين العديد من الإسلاميين السعوديين النافذين، في الوقت الذي حظي فيه إعدام النمر وإثارة المواجهة مع إيران بشعبية كبرى بين هذه العناصر الإسلامية، مما يساعد على إبقائهم على متن السفينة الحكومية السعودية لبعض الوقت.

إذن، هل يمكن القول بأن تصعيد الاستقطاب السني - الشيعي هو مجرد تكرار لسياسات قديمة؟ ليس تمامًا، كون التغييرات الهيكلية الأخرى التي تشهدها المنطقة تجعل من الصعب حاليًا السيطرة على المشاعر الطائفية بعد أن أُطلق لها العنان، على عكس ما كان عليه الوضع في الماضي؛ فالشبان العرب الذين بلغوا سن الرشد السياسي منذ الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003، لم يشهدوا أي شيء خلاف الصور والواقع اليومي للصراع الطائفي العنيف، كما أن النسيج الطائفي للحروب الحالية في المنطقة، خصوصًا في سوريا، تغلغلت بعمق في سياسات الهوية وفي الخطاب العام بعد فشل الانتفاضة العربية.

كما يقول باسل صلوخ في مقاله المنشور في مشروع الشرق الأوسط للعلوم السياسية، الانتفاضة العربية لعام 2011 كشفت عن ضعف عميق يختبئ خلف الواجهة العنيفة لدول المنطقة؛ فالأنظمة الاستبدادية تعرضت لهزة كبرى، أو تم الإطاحة بها، أو اضطرت للاستجابة لبعض المطالب الشعبية من أجل التغيير الديمقراطي، ولكن هيمنة هذه الأنظمة تفتقر للإدارة الفعالة والقاعدة الشرعية مما يجلعها ضعيفة وغير مستقرة، وأغلب الأنظمة شقت طرقها بصعوبة للنجاة بنفسها وللتكيف مع الوضع الراهن، وهي على علم يقيني بضعفها، وفي هذا المجال، لطالما كانت الطائفية الورقة الرابحة التي تتمسك بها الأنظمة الضعيفة والعنيفة لترمي بها إلى النزاع بغية تقسيم المعارضين المحتملين وتوليد الحماس بين مؤيديها.

في هذا السياق، تعطينا الدول التي انهارت وانخرطت في حرب أهلية طاحنة، كسوريا واليمن وليبيا، مثالًا واضحًا على فشل الدولة والحرب الأهلية وتحزب وسائل الإعلام المفرط التي تخلق الظروف المثالية لترسخ الطائفية بين المجتمعات الغاضبة والخائفة والمستَقطبة، والحرب السورية في هذا النطاق كانت أكبر حاضنة للطائفية، حيث انتشرت الحملات العامة والخاصة واسعة النطاق عبر دول الخليج لتعبئة الدعم الجهادي السني ضد النظام السوري ومؤيديه في إيران وحزب الله، وبالمقابل، حشدت إيران وحزب الله والميليشيات الشيعية العراقية جمهورها على نحو مماثل، مخاطبة استقطابات الهوية والطائفة لدعم نظام الأسد.

روجت وسائل الإعلام الإقليمية بشدة للسرد الطائفي بغية حشد الدعم لحروب سوريا واليمن، وفي الوقت عينه، عملت وسائل الإعلام الاجتماعية، من خلال نزعتها لدفع الناس إلى مجتمعات منغلقة مؤلفة من ذات النمط الفكري، وقدرتها على تعميم الأفكار ومقاطع الفيديو التحريضية، على جعل هذا الاستقطاب أسوأ مما هو عليه، وسيتنامى تأثير وسائل الإعلام ووسائل الإعلام الاجتماعية بشكل أكبر مع استمرار نمو ثورة تكنولوجيا المعلومات، علمًا أنه وحتى الوقت الراهن، لا يوجد سوى عدد قليل من القوى في الساحة العربية تحاول عكس اتجاه الانقسامات الطائفية.

من المحتمل أننا بالغنا في تحديد الآثار المترتبة على التصعيد الطائفي السعودي ضمن السياسة العليا في المنطقة؛ فتحدي إيران وتعبئة المشاعر الطائفية هي جزء من قواعد اللعبة القياسية التي تمارسها الرياض عندما تواجه تحديات إقليمية ومحلية، ولكن القوى الجديدة التي أطلقتها الانتفاضة العربية، ابتداءً من ضعف الدولة والحروب الأهلية إلى منصات وسائل الإعلام الجديدة القوية، تجعل هذه اللعبة الطائفية أكثر خطورة مما كانت عليه في الماضي، وستكون تهدئة هذه المشاعر الطائفية أصعب للغاية من الجهد الذي بُذل لتأجيجها.

المصدر: الواشنطن بوست