يتميز فيلم عن الآخر تبعًا لمقدرة المخرج على الابتكار من كل عناصر الفيلم، فئة أفلام الفضاء من أكثر الفئات التي تمتلك مساحة كبيرة من الخيال والابتكار الذي من الممكن أن يتقبله المشاهد بدون نفور أو اعتبارها مبالغة كبيرة، والتي توفر للمخرج المقدرة على وضع القواعد التي يرغب بها، فمن يستطيع إنكار فكرة أو قصة لأمور لازالت غامضة، فالتكهنات أو التصورات بوجود كواكب أو حيوات أخرى، أمور من غير الممكن الجزم بعدم وجودها مادام لم يتم إثبات ذلك بالتجربة أو بإثباتات علمية قوية. 

أفلام اعتبرت تربة خصبة جذبت إليها كبار المخرجين والمؤلفين أمثال كريستوفر نولان، ريدلي سكوت، وألفونسو كوارن.

فأصبحت جودة أفلام الفضاء في تحسن مستمر واهتمام أكبر عامًا تلو الآخر، ليكون حصاد آخر ثلاثة أعوام متتاليين هو: Gravity \ Interstellar \The Martian، وبعد صدور فيلم المريخي دخل مع إنترستيلر في قائمة كبيرة من المقارنات.

الأداء التمثيلي

المريخي بطولة مات ديمون شبه منفرد، بينما يتشارك ماثيو ماكونهي البطولة مع طقم مميز من الممثلين في إنترستيلر.

يشارك مات ديمون بالفيلمين، وذلك واحد من الأسباب التي دفعت المشاهدين للمقارنة وعلى الرغم من أن قصتي الفيلمين مختلفتين تمامًا وعدم وجود أدنى تشابه بين الشخصيتين اللذين يقوم بهما ديمون إلا أن وجوده في فيلمين عن الفضاء وهجره على كوكب وحيد نقط أكثر من كافية للمشاهدين خاصة بسبب مدى التقارب في عرض الفيلمين.

ولكن على مستوى الأداء التمثيلي يفوز مات ديمون بكل تأكيد على نظيره ماثيو ماكونهي وهو ما أهله لجوائز الأوسكار لهذا العام عن قائمة أفضل ممثل، فعلى الرغم من وجوده وحيدًا في أغلب المشاهد إلا أن لديه من خفة الروح والوجود مما لا يسبب مللاً منه، أما ماكونهي فقدم أداءً جيدًا لم يقدم فيه جديد.

مجموعة كبيرة من الممثلات من ذوات الثقل الكبير شاركن في فيلم إنترستيلر إلا أن أدوارهن لم تعطهن المساحة الكافية لإبراز أي من قدراتهن على الإطلاق إلا الصغيرة ماكنزي فوى التي تميزت في أدائها، كذلك فيلم المريخي الذي لم يبرز فيه ممثل ما بشكل خاص وكانت أغلبيتها أدوار ثانوية عابرة.

القصة والعقبات الأخلاقية

جوهر الفيلم هو القصة، وعلى الرغم من أن الأفلام تحتوى على آلاف الأطراف والمؤثرات بجانب القصة إلا أن جودة القصة هو ما يؤهلها لتبقى في التاريخ أو لا، وإلا تندرج كعمل بصري ونتاج تكنولوجي ومعدات فقط بلا روح.

يدور فيلم المريخي حول قصة رائد فضاء في مهمة على كوكب المريخ، يتعرض طاقم الرحلة لعاصفة شديدة مما تدفعهم لإلغاء الرحلة ومحاولة الخروج من الكوكب ولكن بسبب إصابة مات ديمون وشدة العاصفة التي تمنعهم من الوصول إليه يظن الجميع بوفاته، لتستمر بعدها أحداث الفيلم ومحاولته الاستمرار وحيدًا على قيد الحياة على كوكب غير مهيأ للحياة لمدة أربع سنوات، لتكون القصة أقرب للتحدي والإرادة والعلم، ويبقى التساؤل خلال الفيلم هل تستحق حياة شخص واحد، تَعرُض رفاقه لخطر الموت والعودة مرة أخرى لكوكب المريخ وتكلفة مهولة تتكبدها وكالات الفضاء في محاولة إنقاذ فرص نجاحها غير كبيرة.

وعلى الرغم من أن المعادلة غير سهلة إلا أن العاطفة المسيطرة على الأجواء خلال الفيلم تدفعك بكل تأكيد لتأييد كل المخاطر في سبيل إنقاذ ساكن المريخ الجديد، بدون أدنى محاولة لتدخل التفكير العقلي في الموضوع، وكره ونفور كامل لمدير وكالة ناسا الذي يدعو للتفكير في هذه المعضلة من وجهة نظر أخرى.

على الجانب الآخر يقف إنترستيلر في قصة أكثر مصيرية وملحمية؛ فشل الإنسان في النهاية على الحفاظ على كوكب الأرض وأصبح أمله يكمن في البحث بداخل مجرات أخرى وتقبع فرصته الأخيرة في ثقب دودي بعيد، لتدور أحداث الفيلم في البحث عن الكوكب الأمثل لمستقبل البشرية. 

ويطرح الفيلم عدة أسئلة إنسانية وأخلاقية؛ فبينما يعرف بروفيسور براند مسبقًا أنه لا أمل في إنقاذ كوكب الأرض أو حتى نقل من عليه لمكان آخر، يخفى هذا الواقع عن الجميع ويترك كوبر يذهب لرحلته المجهولة، ويقف السؤال هل يحق لنا إخفاء مصير العالم؟ من لديه الحق باختيار المستقبل وإخفاء الواقع؟ ويكون التساؤل في هل نزع الأمل مع بيان حقيقة النهاية أفضل أم الاستمرار في الكذب حتى تتضح رؤية للمستقبل؟ وأيهم أحق بالحياة، الجنس البشري القادم أم الأحياء الآن؟ وهل استمرار الجنس البشري تكلفة يجب أن يتكبدها الحاضر أيًا كانت الوسائل البشعة التي من الممكن أن يتعرض لها؟ 

ثم يعود بنا دكتور مان لبدايتنا، ألا يقول الجميع إنه في النهايات نتذكر البدايات، هكذا قام نولان بتقديم هذا الواقع في قصة مان، رائد الفضاء الوحيد على كوكب غير صالح للحياة، فتدفعه رغبة الحياة والتشبث الأخير بالبقاء إلى إرسال بيانات كاذبة عن الكوكب أملاً في أن يأتي أحد لإنقاذه بدون أدنى تفكير في مستقبل الآخرين وحتى البشرية برمتها، والجنون المصاحب لمشهد مان في الخروج من الكوكب وهو يترك الجميع ويسرق المركبة ليهرب بها إلى كوكب الأرض المشرف على الزوال، يدفعك هذا للحظة في التفكير في مدى تأثير الخوف واليأس على الإنسان الذي يدفعه لكل هذا بالرغم من معرفته التامة بالنهاية، ولزيادة الجرعة الفلسفية في الفيلم يترك الاختيار لمان في اختيار إنقاذ نفسه وحيدًا أو إنقاذ الجميع، لينتهي الأمر باختيار أناني يكون سبب مباشر في نهاية مان بيديه ليوضح نولان أنه دائمًا سيبقى الصراع على البقاء هو لعنة البشرية، وفناء الإنسان حصيلة اختياراته الأنانية.

 التأثيرات البصرية والصوتية

قدم كلا الفيلمين تأثيرات صوتية وبصرية رائعة فتحت لكلاهما موضعًا في ترشيح الأوسكار، لكن تبقى موسيقى إنترستيلر أكثر عبقرية وتميزًا، فمن غير هانز زيمر قادر على إيجاد موسيقى لما لا صوت له، فاستطاعة هانز على إيجاد تركيبة موسيقية تشعرك بالفضاء ورحلة في فضاء بلا صوت كان أمرًا عجيبًا، بينما كانت موسيقى فيلم المريخي جيدة بدون تميز واضح، كانت موسيقى إنترستيلر صنع جديد يليق بفكرة اكتشاف حياة أخرى.

النظريات العلمية

واحد من أهم أسباب نجاح الفيلمين جماهيريًا وعلى غير المعتاد هو النظريات العلمية المعقدة في الفيلميين؛ فبالرغم من تأثير هذه النظريات على مجريات الأحداث في الفيلمين إن لم تكن في أحدهم هي المؤثر الأكبر إلا أن الاستمتاع وشدة المتابعة كانت بسببهم وليس متابعة فقط من المهتمين بالعلم أو النظريات بل أيضًا من غير المنتميين لهذه الفئة على الإطلاق، لتكن هذه نقطة محورية مهمة في دراسة كيفية تقديم النظريات العلمية بشكل آخر أكثر تأثيرًا وإمتاعًا عن المحاضرات أو الكتب العلمية خاصة لصغار السن أو غير الدارسين لهذه العلوم.

نسبية أينشتاين الأكثر تعقيدا والأصعب تحقيقًا أو تجربة، كانت هي الفكرة الأساسية التي بنيت عليها حبكة إنترستيلر وعلى الرغم من التعقيد في فهمها أساسًا إلا أن طريقة الطرح داخل الفيلم جعلت من الممكن على المشاهد تقبلها سواء بفهمها أو تقبل العمل بها داخل قصة فيلم هو في الأساس فيلم خيال علمي، ليدور على الجهة ألأخرى فيلم المريخي في نظريات أخرى أقل تعقيدًا من الآخر وتم إثبات أجزاء منها، فالفيلم في الأصل مأخوذ عن رواية تحمل نفس الاسم لـ "أندى وير" والذي حاول تحري الدقة العلمية بشكل كبير في كتابتها، بينما كان إنترستيلر نتاج الدراسات والأبحاث للإخوان نولان بمساعدة ناسا.

فإن كان هناك اعتراض على مدى مصداقية تلك النظريات أو تنفيذها بشكل علمي سليم، تظل تلك الأفلام تندرج تحت فئة أفلام الخيال العلمي.

النهايات السعيدة المعتادة

نادرة هي الأفلام التي تطرح نهايات مفتوحة أو فشل للأبطال في النهاية، دائمًا نهاية انتصار الجميع وحل المشكلات، وكأنها قاعدة لا يشذ عنها إلا القليل وأن اللجوء لنهايات واقعية قد يسبب فشل للفيلم؛ فينتهي المريخي بعودة رائد الفضاء سالمًا غانمًا بحبكة قابلة للتصديق والمنطق العام لأفلام علمية، وينتهي إنترستيلر نهاية محشورة لتحقق في الختام الرؤية العلمية والدرامية لنولان، فبينما الجزء العلمي فيها وباعتباره جزء من علم خيالي أثبت نظريًا فقط، كان ممتازًا ليكمل فكرة النسبية القائم عليها الفيلم، إلا أن تركيبة المشاهد الختامية لم تكن بجودة البداية أو أحداث الفيلم، فالرحلة بأكملها التي قام بها كوبر لأجل ابنته، يقابلها في النهاية بمشهد عابر يملأه الفتور لا يليق بالكم الكبير من العاطفة التي كان يكنها كوبر لابنته، وكأن معضلة النهاية السعيدة للبطلة والبطل أكثر أهمية من الجزء الإنساني لكوبر وابنته.

وتبقى فكرة البعد الخامس والبشرية التي على الجهة الأخرى فكرة جديدة تميز نولان وإن كان من الممكن أن يقدمها بشكل أكبر وأكثر تفصيلاً.

كثرة الأحداث والمشكلات التي يسارع مان بحلها هي السمة التي احتواها المريخي مما يقلل أي قدر من الملل يمكن أن يتسبب به طول مدة عرض الفيلم كذلك يتوفر فيه قدر أكبر من المنطقية والواقع سواء كان في الحلول المستخدمة لحل المشكلات التي تواجه رواد الفضاء أو العاملين في وكالات الفضاء، فيصبح فيلم خيال علمي يحتوي على نظريات حقيقية ورؤية علمية، تجربة مشاهدة ممتعة بشكل عام.

ويكون إنترستيلر عالم نولان الخاص قبل أن يكون فيلمًا سينمائيًا، فأنت إن لم تستطع أن تتقبل أن هذا الفيلم هو رؤية نولان إخراجيًا ودراميًا وأن تتكيف مع هذا الفيلم من هذه الوجهة فمن الممكن أن ترى تفاصيل كثيرة يمكن اعتباراها غير هامة بينما هي قطعة أخرى لإكمال عالم نولان، الوحيد القادر على أن يستخدم فيلم واحد ليقدم علم ودين وفلسفة وخيال بشكل مذهل، وهو ما يعرفه أي مشاهد لسلسة أفلام نولان.

ناسا مستفيدة بالصدفة أم طرف؟

ويظل التساؤل المعتاد بعد عرض أفلام الفضاء العلمية، عن الدور الذي تلعبه ناسا في هذه الأفلام، هل هو فرصة لتوضيح أهميتها للجميع ردًا على المعارضات التي تواجهها بسبب الكم الهائل من التكلفة والمعدات التي تستخدمها والتي يري البعض أن الأرض أحق بها في توفير غذائها وشرابها وأن العلم للبقاء واستغلال كوكب الأرض بشكل أمثل أفضل من التطلع للفضاء مع إمكانية عدم الوصول لشيء.

تستمر السينما ويستمر عرض الأفلام ويظل الجدال قائمًا دائمًا على أيهم أفضل، ولكن الفائز الأكبر هو المشاهد الذي أصبح لديه تنوع أكثر في الجودة والأفلام واحترامًا يرقى بعقليته العلمية والتقدم العلمي المستمر، ويبقى الخيال والفضاء ملاذنا الأول والأخير وعيوننا تتطلع نحو الأعلى.. للأمل والمجهول.