نماذج الجمال المختلفة

لم تعد الملابس مجرد وسيلة للتغطية فحسب، أو وسيلة لإرضاء حاجة في الإنسان، بل الملابس الآن من أقوى الوسائل للتعريف بالشخصية، الأزياء هي الإعلام الخاص بالشخص الذي يرتديها بدون حاجة الشخص أن يتواصل بالكلمات، فالأزياء هي واسطة بين الناس أثناء مرحلة التواصل غير اللفظي، فتعمل دور موصل الرسائل للعالم الخارجي، عما يؤمن به الفرد وعن هويته، ومن الممكن أن تكون أداة للتعريف بمكانة الشخص الاجتماعية، أو بوضعه الاقتصادي، أو بتفكيره السياسي، أو بإيمانه الديني، أو من الممكن جدًا أن تكون وسيلة للتلاعب والخداع من أجل السيطرة على بعض الثقافات وأحيانًا الحضارات.

كيف يمكن استخدام الأزياء في تحديد الهوية؟

هناك نظريات تقول بأن ما ترتديه هو بمثابة هويتك في المجتمع الذي تعيش فيه، وأن ما يرتديه الإنسان هو ما يشعره بالأمان داخل المجتمع، فالأزياء تحمل انعكاسات العديد من مشاعرنا المختلفة واليومية، فترى أنك تحدد ملابسك على أساس إذا ما كنت سعيدًا اليوم أو تريد أن تكون جذابًا، أو أنك لا تشعر بأنك نحيف بالدرجة الكافية، أو أنك تشعر بأنك غير مُنظم فترتدي الملابس العشوائية غير المهندمة، فالزي الخاص بك لا يعبر عن هويتك فحسب، بل يُعبر عن الشخصية المزاجية التي تقدمها للناس في يومك، كما أنه ليس مجرد قطع من القماش الملونة على جسدك، فقطعة القماش تلك، من الممكن أن تشعرك بالسعادة أو بالسوء أو بالجاذبية، يمكنها أن تجعلك تنتظر اليوم كله لإطراءات الناس، أو من الممكن أن تشعرك بالسوء والقبح فتتخفى عن الأنظار، فقطعة القماش إما تُشعرك بالقوة والسيطرة، أو تجعلك تقع ضحية الاضطهاد، إذًا مما يأتي ذلك الشعور بالقوة أو السيطرة، وما سيسبب الاضطهاد، ما النموذج الذي نحتذيه؟

نحن نشعر بالقوة أو بالسيطرة اعتمادًا على آراء المجتمع الذي نعيش فيه عن اختيارتنا في الأزياء التي نرتديها، وهناك مقاييس للأزياء لكل مجتمع، فهناك مجتمعات تعتبر أن التستر الكامل للمرأة هو الصحيح وهو ما يجب على المرأة ارتدائه، وأن كل مخالف لذلك هو مخالف للصحيح في رأيهم، وهناك مجتمعات ترى أن تغطية الشعر مخالف لمقاييس الأزياء التي تراها صحيحة بالنسبة إليهم.

الأمر الآخر الذي يُحدد مدى القوة التي يشعر بها المرء عندما يرتدي الزي الخاص به يعود إلى مقاييس المرء نفسه للجمال والجاذبية، وعلى تقديره الشخصي للشيء الجميل والشكل المثير، ولأن الأمر نسبي ومن المفترض ألا تكون مقاييس الجمال عالمية، أو مقبولة من قِبل الجميع، فذلك أيضًا عامل رئيسي يحدد اختيار المرء لملابسه أو زيه الخاص.

مصممو الأزياء ينقسمون لفرق ومدارس وأذواق متباينة وبعيدة كل البعد عن بعضها، البعض يرى في التنورة رمزًا للقمع والاضطهاد، فالأساس في الجاذبية هو إبراز انحناءات جسد المرأة، وصناعة الأزياء قائمة على إبراز الأنوثة أو الرجولة، وتحديد كل ما هو جميل في الأنثى بالأخص والعمل على إبرازه، وهذا لا يضع صناعة الأزياء في موضع الاتهام، فلا ينكر أحد أن صناعة الأزياء هي نوع من أنواع الفن يتطلب مهارة وموهبة وذوقًا خاصًا، كما أن لهم فلسفتهم الخاصة في التصميم، ففلسلفة صانعي الأزياء تكمن في أن الجسد، هو الآخر، قطعة من القماش، يحق لهم تشكيله كما يحلو لهم، ووفقًا لما يرون فيه من إلهام، والذي يكون مصدره كل ما تقع عليه أعينهم في البيئة المحيطة بهم.

ولكن لا يمكن إنكار أن مصممي الأزياء يتلاعبون بالقماش كما يحلو لهم، ليس فقط لإبراز نموذج جديد للموضة، ولكن للتأكيد على بعض الأفكار المحورية كذلك، فعلى سبيل المثال،  من الممكن جدًا ربط القوة والجنس في نموذج واحد للموضة، فيمكن أن يتم إنتاج أزياء خاصة بالأنوثة، أو بالموضة، أو أزياء مثيرة، ويمكن تقسيم الثلاثة الآخرين إلى أقسام أكثر، وهنا مثال في الصورة الآتية.

التصميم لمصمم الأزياء توم فورد

العارضة في الصورة ترتدي بذلة من قماش الستان، الشعر معقوص للخلف وفيها إخفاء لعلامة أنثوية، البدلة هي علامة من علامات الرجولة كما أنها رمز من رموز الرسمية في الأزياء، إلا أنها هنا مُصممة بطريقة أكثر إثارة تلائم الأنثى، بالإضافة إلى نظرة السيطرة والغرور التي تحملها العارضة، وهذا يؤكد الفكرة السابقة، الأزياء يمكنها أن تمنحك القوة والسيطرة، ويمكن لمصمم الأزياء أن يربط بين الإثارة والقوة في تصميم واحد.

اليوم في عالم يعيش عصر العولمة، الحفاظ على الحضارة أو الزي التقليدي أصبح من أصعب المهمات حاليًا، فيجب أن يكون الجميع بشكل متشابه لكي يتم قبوله في أي مكان يذهب إليه، فالحكم على شخص من طريقة ارتدائه لملابسه، تعني أنه ضد المقاييس التي وضعها المجتمع للمظهر الخارجي، وأنه مختلف عن المعايير التي يسير عليها العالم، وذلك كله تحت مظلة العولمة، لذا فإن الأزياء يمكن استخدامها كأداة من أجل الحصول على المظهر الجمالي المقبول في كل مجتمع، بدون الحفاظ على أي شيء خاص أو تقليدي أو مختلف أو إيماني يخص كل ما يتعلق به الشخص أو ما يفكر به أو ما يؤمن به.

مائة عام من الجمال

هي حلقات متسلسلة يمكنك مشاهدتها على اليوتيوب، تلخص تاريخ البلاد الحضاري من خلال التطور في الأزياء أو التطور في الشكل الخارجي والذي يشمل كيفية استخدام مساحيق التجميل وربطات الشعر أو الحجاب بالنسبة للبلاد المسلمة، يمكنك هنا أن ترى كيفية تأثير الاقتصاد المسيطر أو السياسة المسيطرة على حقب عدة من أعمار الدول.

  • مائة عام من الجمال (سوريا)

نعم، الأزياء من أكثر الطرق الموضحة للتطور البشري، ولكن ليس بالضرورة أن تعبر عن تقدمه الحضاري، الفيديو يوضح أن سوريا كانت تنعم بالتقدم الحضاري في حرية المظهر تحت الاحتلال الفرنسي، ومن ثَم النعيم تحت نظام الأسد، ومن ثم ينتهي تلك النهاية الغريبة بامرأة محجبة كليًا ترفع علم سوريا.

من المعروف تاريخيًا أن المرأة السورية كانت ترتدي الحجاب من قبل، كما أن هناك من لم تكن ترتديه، كما هو الحال أيضًا الآن، ليس كل السوريات محجبات كما أظهر الفيديو في النهاية، كما أن المحجبات منهن يمكنهن ارتدائه بطريقة أكثر حضارية من كونه حجابًا أسود كما هو الحال في بعض المناطق بأفغانستان إلى اليوم، الحجاب السوري له شكل معروف وهذا الذي أهمله الفيديو، كما أن تسلسل الدقائق يوضح أن البداية كانت الحضارة والنهاية هي القمع بارتداء النساء الحجاب، وهذه النهاية لا تمثل كل الحرب في سوريا، كما أنه من الغباء اختصار الحرب المستمرة لأربع سنوات في تحول المرأة السورية من امرأة متحررة لامرأة ترتدي السواد فقط بجوار العلم السوري.

  • مائة عام من الجمال ( مصر)

بمشاهدة البحث المنشور وراء اختيار ربطات الشعر وطريقة مساحيق التجميل، فتجد أن لحقبة ازدهار السينما المصرية تأثيرًا واضحًا على طريقة الأزياء وطريقة ربطات الشعر، والتي لم تكن بعيدة كل البُعد عن نجمات هوليود في ذلك الوقت، بالأدق فهي تعتبر محاكاة، بالإضافة إلى التأثير الكبير لسياسة الانفتاح التي تبناها أنور السادات في تحويل الاقتصاد المصري من النظام الاشتراكي إلى النظام الرأسمالي، لتنشط في مصر ثقافة محلات العلامات التجارية المشهورة التي كان يمنعها النظام الاشتراكي، ويبدأ بعدها الغزو الغربي للاقتصاد وكذلك للأزياء والموضة الرائجة في مصر.

في عصر العولمة، أصبح للجمال مقاييس، من احتفظ بتقاليده في الزي أو طريقة الشعر فهو مجنون ومخالف للتيار ولا تنطبق عليه مقاييس المجتمع الدولية، الأمر تخطى مبدأ صراع الحضارات ليصبح طمث حضارات لأخرى، لتبقى الحضارة المسيطرة، اقتصاديًا، بل وفي وضع مقاييس الأزياء والجمال عالميًا كذلك، فهل هناك إمكانية من محو حضارة عن طريق حرمانها من ارتداء زيها التقليدي أو إبراز ما يؤمن به أو يفكر به البشر في اختيارهم للملابس التي يحبون الظهور بها، أو دعني أسأل السؤال بشكل مباشر أكثر، هل أنت ترتدي ما تُمثله هويتك؟ أم أنك مجرد نسخة من هوية أخرى؟