جورج بوشسيش، أحد أفراد عصابة "تراكسيون أفون"، تم توظيفه من قبل دائرة الوثائق الخارجية ومنع التجسس الفرنسية خلال الستينات

يعود بنا "بيير بيان"، المؤلف الذي شارك في إنجاز سلسلة وثائقية تم بثها على القناة التلفزيونية الفرنسية "أرتيو"، إلى التاريخ ليستعرض تاريخ المافيا الكورسيكية التي سجلت حضورا بارزا في الحياة السياسية الفرنسية من سنة 1940 إلى سنة 2000.

كيف نشأت المافيا؟

تتطور هذه العمليات الإجرامية عندما تفقد الدولة والقوى المختلفة السيطرة على البلاد لتخلق بذلك "مناطق رمادية". في هذا السياق، ولدت المافيا الكورسيكية خلال حملة الانتخابات البلدية في مرسيليا سنة 1929، حينها قام السياسي "سيمون سابياني" عند الترشح لمنصبه، بالاستعانة بمجموعتين ينتميان إلى هذه المافيا، وهما  جماعة بول كاربوني الكورسيكي والفرنسي الإيطالي فرانسوا سبيريتو. من هنا، بدأت المافيا تتسلل شيئا فشيئا إلى الجمهورية لعقود من الزمن.

خلال حملة الانتخابات البلدية في مرسيليا، ظهر السياسي "سيمون سابياني" بشكل بارز مع المافيا الكورسيكية، لكن، ألا توجد هناك شكوك حول تورطه معهم؟

إنه متورط فعلا، لكن إلى تلك اللحظة لا أحد ينظر إليه على هذا النحو. في المقابل، بدأ في السبعينات، الاشتباه بعلاقته بالمافيا. ونظرا لغياب قوات الأمن التي من شأنها أن تحافظ على النظام والأمن في البلاد، تمكن العديد من أفراد العصابات من أن يصبحوا إما وكلاء لدى مركز خدمات التوثيق الخارجية ومكافحة التجسس، أو لدى مركز خدمة العمل المدني.

لماذا ضغط نظام ديغول كثيرا على المافيا الكورسيكية؟

إذا تم الأخذ بعين الاعتبار أن الجميع ينتمون إلى صفوف الحركة الديغولية بين سنتي 1944 و1945، فإن السياسة "الديغولية" تفتقر لأي بنية أو تمثيل أو تنظيم. إلى جانب ذلك، فإن النظام الديغولي ظلّ غير معترف به في جهاز الدولة إلى حين إنشاء دستور تجمع الشعب الفرنسي في نيسان/أبريل سنة 1947، وذلك خلافا للحركة الجمهورية الشعبية الفرنسية والقسم الفرنسي الاشتراكي الدولي للعمال. ولضمان حماية الجبهة السياسية لتجمع الشعب الفرنسي، تم إنشاء جهاز أمني يضم كل من أفراد المافيا والمواطنين المشكوك فيهم.

منذ إنشاء المافيا الكورسيكية، كانت مرسيليا دائما عاصمة المجتمع الكورسيكي، فكيف تفسر ذلك؟

إلى حدود فترة من الزمن، تمكن الكورسيكيون من توسيع أعمالهم خارج جزيرتهم، وهو ما مثل لهم ملاذا لحماية أسرهم. فقد تمكنوا من مساعدة عائلاتهم وبناء البيوت قبل تقاعدهم. وتجدر الإشارة إلى أن مرسيليا كانت لفترة طويلة العاصمة الاقتصادية للمافيا الكورسيكية.

بالإضافة إلى ذلك، فإنه منذ أواخر القرن التاسع عشر، أصبحت مرسيليا أكبر ميناء للإمبراطورية الكورسيكية، وهو ما يفسر الاتصال بين العديد من الكورسيكيين الذين جاؤوا ليستقروا هناك هربا من الحياة البائسة والفقر. وفي ذلك الوقت، كان موقعهم الجغرافي مثاليا لتنظيم تجارة الأفيون، المتأتية من منطقة الهند الصينية وتركيا ولبنان، والتي يتم تصديرها للسوق الأمريكية ما أن تتحول إلى هيروين، وذلك بشرط مراقبة أنشطة الموانئ.

وعلاوة على ذلك، قامت في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية، وكالة المخابرات المركزية وإدارة المراقبة الإقليمية، بخدمة "الإخوة غيريني" للقتال ضد "الخطر الأحمر" وكسر إضراب عمال الموانئ بمرسيليا. وبالتالي، ستستفيد شبكة كورسيكا، من تواطئها مع السلطة لمزيد بسط نفوذها.

ومنذ أواخر الأربعينيات إلى أواخر الستينات، تمكنت مرسيليا من الاستحواذ على حوالي 90 بالمائة من السوق الأمريكية، لتصبح بذلك عاصمة لتجارة الهيروين.

كيف ساهم "الموقع" في مساعدة المافيا على بسط نفوذها في العديد من المستعمرات، ولاسيما في إفريقيا؟

تعدّ كورسيكا الإفريقية، نقطة بداية اهتمامي بالمافيا الكورسيكية. عندما داست قدمي على أرض القارة الإفريقية في سنة 1962، كانت هناك بالفعل مافيا كورسيكا. وبفضل شبكة الاتصال الخاصة بهم، تمكنوا من بيع بضائعهم ومن الاحتماء بالقانون ليصبحوا بذلك مالكي عدد كبير من الفنادق والكازينوهات.

إلى جانب ذلك، ساهم السياسي "شارل باسكوا"، في سنة 1986، عندما كان في ذروة قوته، في مساعدة مافيا كورسيكا على إثبات وجودهم بشكل أفضل في الدول الإفريقية. في المقابل، أصبحت مافيا كورسيكا إحدى "صانعي الملوك" في إفريقيا، خاصة في الغابون، حيث ضمنت انتصار الرئيس عمر بونغو في الانتخابات خلال سنة 1993.

لقد شاركت شخصية شارل باسكوا ضمن السلسلة الوثائقية، فهل كانت له نفس التجربة من دون المافيا الكورسيكية؟

في الحقيقة، وبغض النظر عن الدور الذي لعبه في المافيا الكورسيكية، لا أعتقد بأنه سيكون له نفس المصير. فقد كان دائما ما يتصرف مع أصدقائه بإخلاص، ولكن ما يلفت النظر هنا أنه لا أحد يمكنه أن يثبت ما إذا قام شارل باسكوا بسلب أمواله. وبالتالي، فإن باسكوا لطالما كان في وضعية الحامي الأول للمصالح الكورسيكية.

ما هو وضع المافيا الكورسيكية اليوم؟

تراجعت قوة جان جيري كولونا وعصابة نسيم البحر، في أواخر سنوات الألفية الثانية، بعد وفاة مؤسس عصابات كورسيكا. واليوم، لم تعد عشائر هذه العصابة على وفاق، ولم تعد قوة هذه المافيا الكورسيكية، كما عهدناها في السابق.

هل مازالت تربط هذه العصابة علاقات مع السلطة الفرنسية؟

في سنة 2012، أعلنت السلطة الفرنسية عن وجود "المافيا الكورسيكية"، وأعربت عن رغبتها في محاربتها والقضاء عليها. وقد تولى كل من جان مارك أيرولت ومانويل فالس مهمة اقتلاع جذور هذه العصابة، وذلك بغض النظر عن النتائج السياسية التي يمكن أن تنتج عنها.

في المقابل، كانت تربط الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الداخلية برنارد سكوارسيني، علاقات تعاون وثيقة مع هذه العصابة الكورسيكية، تجاوزت بوضوح كل الخطوط الحمراء. أما اليوم، من المحتمل أن تكون هناك علاقات لازالت تربط الحكومة الفرنسية بكورسيكا، لكنها بالتأكيد لم تعد مثل السابق.

تستند هذه السلسلة الوثائقية على الكثير من دراساتك الاستقصائية. فما هو رأيك في تطور الصحافة الاستقصائية؟ هل تأسف لعدم تحقيق الصحافة الفرنسية في هذه القضية؟

لا يتحمل الصحفيون مسؤولية عدم التحقيق في هذا الشأن، لكن يرتبط هذا الفشل بالتطور الاقتصادي والتكنولوجي. فحتى الصحف التي تملك موارد مالية ضخمة، لا يوجد بها صحفيون يملكون الوقت الكافي للبحث في هذه القضية. أما بالنسبة لي، فإنني أملك الكثير من الوقت الذي مكّنني من البحث في أصول تكوين هذه العصابة.

فمنذ سنوات الثمانينات، كنت أملك من المال ما سمح لي بالعمل دون قيود. وعندما تعرف أن المخابرات قد قضت سنوات طويلة وهي تبحث في هذه القضية، سوف تصبح واثقا أنك ستجد شيئا ما وراء كل هذه الجهود الحثيثة. وأنا أعمل وفق مبدأ ينصّ على أنه ما دمت لا تعمل تحت سلطة أي صحيفة، فليس هناك شيء لتخسره.

هل أنت متفائل بمستقبل المهنة؟

أنا أعرف أن مستقبل هذه المهنة محدود. ولكن الأمر المثير للاستغراب، هو أن معظم التحقيقات الضخمة تُنشر في الكتب وليس في الصحف. أنا لست من الأشخاص المتشائمين، ولكنّني واثق من ظهور نماذج جديدة مماثلة لهذه العصابة.

المصدر: ليزانروك