صورة لعمال فلسطينيون في مدينة الروابي النموذجية في الضفة الغربية

ترجمة وتحرير نون بوست

يعرف عن بشار مصري أنه رجل مشغول دائما. وقد حظينا بفرصة لقائه، يوم 16 أيار/مايو الفارط، حيث كان يرتشف فنجانا من القهوة في باحة المركز التجاري الذي افتتح رسميا خلال هذا الأسبوع في مدينة الروابي.

وقد دفع الوفاء والحنين للوطن بهذا الملياردير الفلسطيني إلى إعادة بناء مدينة الروابي، الواقعة في الضفة الغربية على بعد عشرة كيلومترات من رام الله. وفي هذا الإطار، قال مصري، وهو في الأصل رجل أعمال أمريكي من أصل فلسطيني، إن "أكثر مخاوفي تتمثل في أن نتحول إلى ضحايا لهذا النجاح، لذلك طلبت من فريق العمل أن يتمهل في إعلان يوم الافتتاح حتى نتجنب الازدحام وتبعاته".

في الأصل، يعني مصطلح "روابي" في اللغة العربية "التلال"، لذلك ليس بمحض الصدفة أن يتم اطلاق هذا الاسم على هذه المدينة التي تشرف على تلة من بين التلال المنسوبة لدولة الاحتلال. وفي سياق الحديث، يمكننا ملاحظة رفرفة الراية الفلسطينية من فوق المركب التجاري الجديد الذي بدأت أفواج الزبائن تتوافد عليه. في المقابل، لم ترق رفرفة الراية الفلسطينية للإسرائيليين القاطنين في المستوطنات اليهودية المجاورة لمدينة الروابي.

إنشاءات مدينة الروابي

من جانب آخر، لم ينج بشار مصري من الانتقادات على الرغم من مشروعه التجاري لإحياء مدينة فلسطينية، حيث اتهمه البعض بالتطبيع مع "إسرائيل". وفي هذا الإطار، ذكر مصري قائلا: "لماذا نخفي الحقيقة، فنحن لم نستطع بناء هذا المشروع من دون مساعدة الإسرائيليين!". ومن جهته، أشار مصري إلى أنه قد اقتنى معدات البناء والمعدات الكهربائية من شركات إسرائيلية، كما أنه لم يخف أيضا تعرضه لمضايقات من قبل السلطات الإسرائيلية، خاصة خلال إجراءات نقله للتجهيزات اللازمة لتزويد المدينة بالماء الصالح للشراب قبيل تركيز المشروع.

دفع الرجل فاتورة للسماح بمرور القناة وصلت في حدود 1.4 مليار دولار، أي ما يعادل 1.25 مليار يورو. ولم يدفع بشار مصري تكاليف المشروع ككل من جيبه الخاص، بل تلقى دعما ماليا هاما من قبل شركة الديار القطرية للاستثمار العقاري

والجدير بالذكر أن تركيز قناة لجر المياه في عدة مناسبات تعطل، حيث قدم المستوطنون اليهود عدة شكاوي رافضين أن تمر هذه القناة من المنطقة الخاضعة للرقابة الإسرائيلية من الضفة الغربية. وفي الموضوع نفسه، أكد الملياردير الفلسطيني أن هذا التعطيل قد "أنهكهم ماليا"، حيث دفع الرجل فاتورة للسماح بمرور القناة وصلت في حدود 1.4 مليار دولار، أي ما يعادل 1.25 مليار يورو. ولم يدفع بشار مصري تكاليف المشروع ككل من جيبه الخاص، بل تلقى دعما ماليا هاما من قبل شركة الديار القطرية للاستثمار العقاري.

من جهة أخرى، لم تساهم السلطة الفلسطينية في هذا المشروع على الرغم من إلحاح بشار مصري. كما أنها لم تساهم في تمويل كل من ثلاثة مدارس في مدينة الروابي، وتأسيس أكاديمية إنجليزية هي الأولى من نوعها في الضفة الغربية (تستقبل الآن 120 تلميذ)، ولم تدفع أي مبلغ في تمويل بناء مصحة بعدة طوابق والتي من شأنها أن ترى النور قريبا لتستقبل مرضى منطقة الضفة الغربية ككل.

وفي السياق ذاته، أكد الملياردير الفلسطيني قائلا: "في الحقيقة، تلقينا دعما من محمود عباس... ولكنه لم يفهم أن المشكل الأكبر لا يتمثل في تأسيس مدينة الروابي في حد ذاتها، وإنما يتجاوز ذلك بكثير، فنحن نعمل على أن نضع حدا للاحتلال الإسرائيلي وأن نعمل على تفكيك المستوطنات اليهودية".

من بين المميزات التي تختص بها مدينة الروابي، أنها مدينة عصرية، مذهلة، ومحافظة على البيئة. كما أنه من المتوقع أن تستقبل المدينة قرابة 25 ألف فلسطينيا موزعين على قرابة 22 حيا راقي بني أغلبهم في شكل حلزوني

ومن بين المميزات التي تختص بها مدينة الروابي، أنها مدينة عصرية، مذهلة، ومحافظة على البيئة. كما أنه من المتوقع أن تستقبل المدينة قرابة 25 ألف فلسطينيا موزعين على قرابة 22 حيا راقي بني أغلبهم في شكل حلزوني. علاوة على ذلك، تنتشر في هذه المدينة عدة مباني فاخرة تتخللها أرصفة مطلية بعناية، كما أنها تحتوي على دور سينما ومسرح.

في هذا الصدد، أشار مدير المبيعات والتسويق لمدينة الروابي، محمود طاهر، إلى أن "أغلب فلسطينيي الضفة يكونون إما في المدرسة أو في العمل، فهم لا يحظون بمراكز ترفيهية كافية". وتجدر الإشارة إلى أن مدينة الروابي، أو كما أطلق عليها مؤسسها اسم "النجمة الساطعة"، يعيش فيها إلى حد اليوم قرابة 750 عائلة فلسطينية، أي قرابة ثلاثة آلاف فلسطيني.

يتراوح سعر شقة بمساحة 140 متر مربع قرابة 120 ألف دولار في مدينة الروابي. ويعد ثمن الشقق في هذه المدينة أقل غلاء بنسبة 25 بالمائة من نظيرتها في كل من مدينتي القدس ورام الله

وللفت انتباه الفلسطينيين، أكد بشار مصري على أن "مشروعنا يخدم في الأغلب شباب الضفة، الذي يحلم بأن يعيش في رفاهية ورقي أشبه بذلك الموجود فيبدبي أو بنيويورك... ونحن لن نقف في وجه هذا الشباب الطموح للسكن في مدينتنا، بل سندعمه بمنح مالية، كما أننا لن نعسر عليهم إجراءات الدفع". عموما، يتراوح سعر شقة بمساحة 140 متر مربع قرابة 120 ألف دولار في مدينة الروابي. ويعد ثمن الشقق في هذه المدينة أقل غلاء بنسبة 25 بالمائة من نظيرتها في كل من مدينتي القدس ورام الله.

والجدير بالذكر أن التحديات التي تجعل من الصعب الولوج نحو مدينة الروابي بسهولة، تتمثل في الحواجز المكثفة للشرطة الإسرائيلية على طول الضفة الغربية، إذ أدت هذه الحواجز إلى نفور سكان المدينة وعدم زيارتها إلا لقضاء العطلة الصيفية أو عطلة آخر الأسبوع.

من جانب آخر، لم يتوان الملياردير الفلسطيني وطاقمه على العناية بالبنى التحتية لمدينة الروابي، حيث يمكن ملاحظة عملية إنشاء مسجد سوف يكون ثاني أكبر مسجد في الضفة بعد المسجد الأقصى. كما سيقع في القريب العاجل تدشين كنيسة أرثوذكسية يونانية لاستقبال 10 بالمائة من المسيحيين العرب من جملة الذين يعيشون في الضفة ككل.

فضلا عن ذلك، سيتم بناء مدرج مسرحي بطاقة استيعاب تصل إلى 15 ألف مقعد، حيث زينت الجدران بصور لعدة نجوم عالميين في مجال الفن. ومن بين هذه الصور، صورة الممثلة الأمريكية مارلين مونرو وهي ترتدي ثوبا أبيضا. وفي هذا الموضوع، أكد مدير التسويق، محمود طاهر، قائلا: "نحن فخورون جدا بتعليق صورة لمارلين مونرو. وفي حال ركزتم جيدا، فستلاحظون تواجد صور لعدة فنانين ومغنيين عرب من الزمن الجميل".

وأضاف محمود طاهر أن "الثقافة الفلسطينية تطورت شيئا فشيئا، وأصبح الناس يفكرون بطريقة مختلفة، حيث أصبحنا أكثر تعطشا للانفتاح على الثقافات الأخرى". والجدير بالذكر إلى أن أول حفلة غنائية نظمت على ركح المسرح الجديد في مدينة الروابي كانت بتاريخ سنة 2016، حيث نظم هذه الحفلة المغني الفلسطيني، محمد عساف.

الملياردير بشار المصري، صاحب مشروع الروابي

في الواقع، لقد زرنا المركز التجاري الجديد، والذي شيد في قلب مدينة الروابي بهدف تسهيل تنقل المواطنين لزيارة المركز. وخلال دخولنا، استقبلنا المدير العام، إبراهيم بركات، وهو يرتدي حلة أنيقة، ويضع على عينيه نظارات شمسية، وقام باصطحابنا للتجوال في المركز التجاري.

وقد عقب عملية التجوال داخل المركز أصوات مطارق العمال وهم يسابقون الوقت لاكتمال عملية بناء أحد المحلات. وفي نفس الوقت، بدأت محلات أخرى في عرض سلعها للبيع، خاصة محلات الملابس، حيث عرضت أسعار الملابس والتي تتراوح بين 400 و600 شيكل إسرائيلي، أي ما يعادل ما بين 100 و150 يورو.

"أغلب هذه الماركات لا تعترف بلدانها المصنعة بأن فلسطين دولة قائمة الذات". وبالتالي، يبقى السؤال المطروح، لماذا قررت هذه الماركات إذن أن تعرض سلعها في مدينة الروابي؟

ويقف أمام المحلات باعة أغلبهن من النساء، بعضهن محجبات، والبعض الآخر يرتدين أزياء غربية كالفساتين الصدفية وأحذية الكعب العالي. وفي كلمة واحدة، أحسسنا بروعة الأجواء التي جمعت بين مختلف المحلات في هذا المركز، من مغازات، ومطاعم، ومراكز ترفيه.

وخلال تجولنا، لاحظنا تقريبا عرض جميع الماركات العالمية المختصة في الألبسة على غرار،ليفيس، وأديداس، وغوتشي مع العلم أن هذه الماركات ليست متداولة كثيرا في الضفة الغربية. وفي الأثناء، فسر لنا إبراهيم بركات سبب ذلك مؤكدا أن "أغلب هذه الماركات لا تعترف بلدانها المصنعة بأن فلسطين دولة قائمة الذات". وبالتالي، يبقى السؤال المطروح، لماذا قررت هذه الماركات إذن أن تعرض سلعها في مدينة الروابي؟

في الحقيقة، أجابنا المدير العام عن هذا التساؤل قائلا: "إن هذه الماركات تعلم جيدا أن نسبة تسويق بضاعتها سيمر من مدينة الروابي نحو الأردن ودبي وغيرها، فهذه الماركات أصبحت تعي جيدا أن عدد حرفائها سيزداد مع ارتفاع نسبة التسويق في فلسطين".

من جانبها، ذكرت منار، وهي شابة فلسطينية تبلغ من العمر 28 سنة، أنها انتظرت يوم افتتاح هذا المركز بفارغ الصبر. وأشارت منار إلى أنها ستعمل كمدرسة في الأكاديمية الإنجليزية بمدينة الروابي، وقد عادت إلى وطنها، صحبة زوجها وطفلتيها، بعد أن قضت عدة سنوات في دبي. وبهذه المناسبة، ذكرت منار "نحن نعد من بين الأوائل الذين شدوا الرحال إلى مدينة الروابي، فهذه المدينة هي عبارة عن مكان هادئ نحس فيه بالأمان".

صورة المدرج المؤهل لاستقبال 15 ألف متفرج

ويشارك مراد الهواري نفس حماسة منار، حيث فتح، هذا الفلسطيني صاحب 39 سنة، مقهى لتقديم الشيشة في الساحة الرئاسية للمركز التجاري. وعلى الرغم من قلة عدد الزبائن الذين يتوافدون على مقهى الهواري، إلا أنه لم يخف تفاؤله وحماسته، حيث صرح "ليس هناك مشكل في الانتظار قليلا، فقد وضعت يدي في يد بشار مصري وأصبحت متفائلا بنجاح هذا المشروع المستقبلي". كما نوه الهواري بأنه صاحب مقهى آخر في مدينة رام الله، وهو يعمل حاليا على اقتناء شقة من بين الشقق المعروضة في مدينة الروابي، والانتقال للعيش فيها صحبة عائلته.

بالإضافة إلى ذلك، عبر هذا المواطن الفلسطيني عن حماسته بالمستقبل الذي ينتظر مدينة الروابي مؤكدا على أن "هذه المدينة لا تعد وجهة اقتصادية هامة فحسب، بل تعد أيضا مدينة ينتشر فيها السلام. فهي بالنسبة لي تعكس مستقبل فلسطين المشرق".

من جهة أخرى، عبر بشار مصري عن رغبته في جعل مدينة الروابي قطبا تكنولوجيا يجذب أنظار الشركات الأمريكية المتخصصة في التكنولوجيا على غرار، جوجل، وأبل، ومايكروسوفت. وإلى حد الآن، ذكر الملياردير الفلسطيني الأمريكي أنه نجح في توقيع عقد عمل مع شركة "ميلانوكس تكنولوجي" الإسرائيلية المتخصصة في إنتاج الأجهزة المعلوماتية. وقد أكدت هذه الشركة، المتمركزة في الضفة الغربية، أنها سترسل عمالها التقنيين في أسرع وقت ممكن إلى مدينة الروابي بهدف الشروع بتزويدها بالأجهزة التقنية والإلكترونية.

وتجدر الإشارة إلى أن مشروع هذا الملياردير الفلسطيني لا يبدو مربحا كثيرا بالنسبة له، حيث أكد الملياردير أن هدفه ليس الربح بل "إثبات أن مدينة الروابي تعكس صورة الفلسطيني المسالم والقوي في آن واحد، وأن الفلسطينيين قادرين على النهوض بمستوى عيشهم". وفي إجابته عن سؤالنا حول لا مبالاته في اقتحام الحياة السياسية،  أكد بشار مصري أنه "لا يفكر تماما في الدخول في السياسة".

بناء الأكاديمية الإنجليزية في مدينة الروابي

ولسائل أن يسأل، هل يمكن اعتبار مدينة الروابي بمثابة "حجر الأساس" المكون لدولة فلسطينية مستقبلية؟ وقد أجابنا عن هذا السؤال، بشار مصري الذي أراد أن يجعل من مدينة الروابي مدينة "علمانية" ذات مجتمع استهلاكي واسع. وفي هذا السياق، قال المصري "إلى حد الآن لم  نتعرض للانتقادات، لا من قبل سياسيين ولا من قبل رجال السلطة أو الدين. فهؤلاء، حتى في حال كانوا يعتقدون أنني شخص مجنون وأراهن بأموالي على مشاريع ربما لن تنجح، إلا أنهم موقنون بأن مدينتي الجديدة توفر على الأقل العديد من مواطن الشغل".

وفي هذا الإطار، تأكد إلى حد الآن أن قرابة 10 آلاف فلسطيني يعملون، إما بصفة سرية أو علنية، في تشييد مدينة الروابي. ومن جهته، أشار بشار مصري إلى أن مشروعه يعد "الأول في استقطاب اليد العاملة في الضفة الغربية كلها".

المصدر: ميديا بار