هل يعود الشيطان الأكبر؟

ترجمة وتحرير نون بوست

تتوجه الولايات المتحدة الأمريكية بخطى حثيثة نحو مواجهة مع خصم يتجسد في دولة فاسدة. وتعد هذه الدولة الفاسدة عدوا محتملا، أثبت عقلانيته في العديد من المسائل، ولكنه عديم الرحمة إذا ما تعلق الأمر بالسعي لخدمة مصالحه بما في ذلك جهوده المكثفة لتطوير برنامجه النووي وما اقترن به من قدرات عسكرية. ويعتبر هذا الوصف لهذه الدولة الفاسدة أنسب ما يكون لإيران. على الرغم من أن الأزمة، بطيئة النسق، على خلفية برامج كوريا الشمالية الذرية والصاروخية تحفها المخاطر بلا شك، إلا أن المنطق يفرض على الأرجح الردع النووي المصاحب بدرجة من الحذر من جميع الجوانب.

في الأثناء، تتجه إدارة ترامب على وجه السرعة نحو صراع محتمل في الشرق الأوسط، وبالتحديد مع إيران، علما وأن البيت الأبيض لم يظهر إلى الآن قدرة كافية على التعامل مع هذا الصراع المحتمل. في الواقع، ترتكز هذه المواجهة الوشيكة على ثلاثة عوامل تكتسي أهمية كبرى، وهي في طريقها إلى أن تترابط فيما بينها.

يتمثل العامل الأول في اقتراب المرحلة النهائية بشكل متسارع للمواجهة ضد تنظيم الدولة. فمن شأن هزيمة هذا الجيش الإرهابي أن يلغي نقطة التعاون الضمني بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، بينما سيؤدي ذلك إلى شحذ المنافسة الإقليمية بينهما. من جانب آخر، تستعد كل من واشنطن وطهران للدخول في صراع سياسي مكثف مع الحكومة في العراق. وفي هذا السياق، من المتوقع أن تتفشى أعمال عنف، في أرجاء المنطقة، بين القوات الأمريكية التي لا تزال متمركزة في العراق والميليشيات الشيعية المدعومة من طرف إيران التي تعارض هذا الوجود العسكري الأمريكي.

في سوريا، تتحرك القوات الأمريكية والقوات المدعومة من إيران باتجاه المناطق القليلة التي لا تزال تحت سيطرة تنظيم الدولة. وقد شهد الوادي، الذي يمر عبره نهر الفرات، اشتباكات بين القوات الأمريكية والميليشيات المدعومة من طرف إيران، التي تعمل على دعم نظام الأسد. وفي ظل تضييق الخناق على التنظيم، وسعي أعدائه إلى مراقبة دوائر نفوذهم في مناطق ما بعد تنظيم الدولة في سوريا، سوف تتفاقم موجة العنف المحتملة.

تعتبر مصالح إيران مركزة أكثر وتأثيرها متغلغلا أكثر في سوريا ولبنان والعراق، التي تعد بمثابة مصالح إستراتيجية حيوية

أما العامل الثاني الذي من شأنه أن يقود نحو أزمة جديدة، فيتمثل في تصميم إدارة ترامب على ردع تأثير إيران السلبي في الشرق الأوسط. مع نهاية فترة رئاسة أوباما، انتشر وعي على نطاق واسع في واشنطن، وفي جزء كبير من الشرق الأوسط، بمدى تنامي سيطرة إيران. علاوة على ذلك، شمل هذا الوعي حقيقة استغلال إيران لوضع أوباما المنهك من الحرب ورغبته في التوصل إلى اتفاق نووي مع طهران، وذلك لتعزيز نفوذها من جنوب آسيا عبر الشرق الأوسط.

في الواقع، تعتبر مصالح إيران مركزة أكثر وتأثيرها متغلغلا أكثر في سوريا ولبنان والعراق، التي تعد بمثابة مصالح إستراتيجية حيوية، مما هو عليه الحال في ساحة منافسة ثانوية مثل اليمن. لكن حقيقة السطوة الموسعة لإيران في المنطقة برمتها أمر محقق. ويعد ذلك بمثابة إنذار في صفوف حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية.

بالإضافة إلى مختلف العوامل التي قد تأجج المواجهة ضد طهران، لا يمكن تناسي حقيقة استياء المسؤولين في إدارة ترامب، حيث عمل البعض منهم في العراق منذ عقد مضى، وقد قضى أصدقائهم ورفاقهم نحبهم على أيدي الميليشيات المدعومة من إيران وباستخدام الأسلحة التي زودتها بها طهران.

في الأثناء، تجلى هذا الموقف من خلال فرض الولايات المتحدة الأمريكية لعقوبات اقتصادية جديدة على طهران وزيادة الدعم والإذعان للمملكة العربية السعودية وغيرها من المنافسين السنة لإيران. فضلا عن ذلك، أعربت واشنطن عن استعدادها لشن عدد من الغارات العسكرية على القوات المدعومة من طرف إيران في سوريا.

لم تتمكن الولايات المتحدة من المصادقة على التزام إيران بشروط الاتفاق النووي في شهر تموز /يوليو، إلا من خلال التغاضي عن الاعتراضات العنيفة لترامب

وفقا لتقارير صدرت حديثا، تدرس الإدارة الأمريكية مسألة تتعلق بتنفيذ عملية إقليمية واسعة النطاق ضد إيران، تتضمن تعزيز الحظر على شحنات الأسلحة الإيرانية الموجهة إلى قوات عملاءها في اليمن وأماكن أخرى. كما تشمل هذه العملية إضفاء نوع من التساهل على قواعد الاشتباك التي غالبا ما يلتزم بها ضباط البحرية الأمريكية، حيث تواجه سفنهم مضايقة مستمرة من طرف إيران في الخليج العربي.

أما بالنسبة للعامل الثالث، فيُحيل إلى العداء الشديد الذي يتبناه ترامب تجاه الاتفاق النووي الإيراني. وفي هذا الصدد، لم تتمكن الولايات المتحدة من المصادقة على التزام إيران بشروط الاتفاق النووي في شهر تموز /يوليو، إلا من خلال التغاضي عن الاعتراضات العنيفة لترامب. وفي الأثناء، تواترت المؤشرات، ليس أقلها أهمية تعليقات ترامب، التي تحيل إلى أن ترامب يخطط إما لسحب الثقة من الاتفاق أو جعله أكثر هشاشة، حتى الموعد النهائي للمصادقة في تشرين الأول/أكتوبر المقبل.

وتجدر الإشارة إلى أن الخيار الأول من شأنه أن يمهد الطريق لإعادة العقوبات الاقتصادية المتعلقة بالملف النووي. وقد يكون لهذا الأمر عدد من التداعيات، على غرار تعزيز قوة المتشددين الإيرانيين وخلق شرخ عميق في العلاقات الثنائية، إلى جانب إثارة محتملة لأزمة قد تستجيب لها إيران باستئناف برنامجها النووي.

على العموم، تعزز العوامل الثلاثة الآنف ذكرها مجتمعة التوترات المتزايدة بشأن مجموعة متنوعة من القضايا. بالإضافة إلى ذلك، قد تخلق هذه العوامل وضعية يكون فيها احتمال التصعيد في الخليج وسوريا والعراق كبيرا بالفعل. وبشكل أوضح، لا يعد هذا الجنوح نحو المواجهة، بأي حال من الأحوال، في مجمله خطأ الإدارة الأمريكية. ففي الواقع، يتجذر هذا الجنوح إلى المواجهة بشكل أساسي في السلوك المزعزع للاستقرار الذي تنتهجه إيران. ويعكس ذلك عودة متوقعة للتنافس بين الطرفين مع تلاشي التهديد المشترك من قبل تنظيم الدولة.

من هذا المنطلق، تتوفر حجة معقولة بشأن اتباع نهج قوي ولكن خاضع لمعايير دقيقة، للحد من التوسع الإيراني. في الواقع، اعترف المسؤولون السابقون في إدارة أوباما بأن الجهود الأمريكية السابقة لم تكن كافية. في المقابل، تتمحور المشكلة بالأساس، حول عدم إظهار ترامب لأي مؤشر يذكر بشأن قدرته على تحمل مسؤولية هذا البرنامج أو وعيه بالمخاطر الناجمة عنه.

تعتبر السيطرة على المناطق المحيطة بمدينة دير الزور غربي سوريا مهمة بدرجة ثالثة من الناحية الجيوسياسية بالنسبة لواشنطن

إلى حد الآن، كانت جهود الرئيس الأمريكي لردع إيران غير مدروسة ومزعزعة للاستقرار. وفي شهر أيار/مايو، قرر ترامب تفويض مسؤولية المواجهة مع إيران إلى المملكة العربية السعودية وحلفائها من السنة. وقد تجسد ذلك من خلال منحه المملكة وحلفائها الضوء الأخضر، بشكل ضمني أو علني، لتفعيل خططهم وخوض غمار مواجهة حاسمة مع الحكومة القطرية التي تنطوي جرائمها على إقامة علاقة ودية للغاية مع إيران. وقد كانت نتائج هذه المخططات والتحركات عكسية، لترتد في وجه شركاء الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة. فقد دفع الحصار إلى مزيد التقارب بين قطر المعزولة وإيران.

على نحو مماثل، حتى وإن لم تكن الرغبة في تفعيل سياسة أكثر صرامة بالضرورة غير مجدية، يمثل إنهاء أو تقويض الاتفاق النووي الآلية الخاطئة للتعامل مع المسألة. وبغض النظر عن حقيقة أن جميع المراقبين يتفقون حول امتثال إيران لشروط الاتفاق، فإن اتخاذ خطوة مماثلة من شأنه أن يؤدي على الأرجح إلى عزل الولايات المتحدة الأمريكية على الصعيد الدبلوماسي. على العموم، يشمل هذا العزل الدبلوماسي علاقات الولايات المتحدة الأمريكية مع شركائها الأوروبيين، الذين يتعين عليهم التعاون مع الولايات المتحدة لتفعيل عقوبات اقتصادية إضافية.

من جانب آخر، قد تعيد هذه الخطوة أيضا إحياء البعد النووي للصراع الأمريكي الإيراني. وفي الأثناء، افترض الكثيرون أن هذا السبب يقف بالأساس وراء معارضة العديد من مستشاري ترامب لرغبته في تقويض الاتفاق. فضلا عن ذلك، يبدو أنه من غير المرجح أن الرئيس الأمريكي مدرك لمدى خطورة المسار الحالي للأحداث. وعلى الرغم من تنوع مستويات مصالح طهران في مختلف الصراعات والدول التي تتدخل فيها في الشرق الأوسط، تكتسي هذه الصراعات، بشكل عام، أهمية أكبر لدى إيران مقارنة بالولايات المتحدة الأمريكية، وذلك لأسباب جغرافية بحتة.

ينطوي تصعيد التوتر مع إيران على مخاطر تتجسد بالتحديد في التكاليف والأخطار الذي ادعى ترامب رغبته في تجنبها

فعلى سبيل المثال، تعتبر السيطرة على المناطق المحيطة بمدينة دير الزور غربي سوريا مهمة بدرجة ثالثة من الناحية الجيوسياسية بالنسبة لواشنطن. أما بالنسبة لطهران، يعتبر هذا الأمر أساسيا نظرا للدور الحاسم الذي تلعبه العلاقات مع سوريا وجماعة حزب الله الإرهابية في لبنان في إطار السياسة الخارجية لإيران.

من هذا المنطلق، تستعد إيران دون أدنى شك إلى انتهاج سياسة أكثر قذارة ودموية من واشنطن في إطار المنافسة حول ترسيخ تأثيرها في هذه المناطق. وفي هذا الإطار، ستنشب هناك حرب باردة حادة، ناهيك عن حروب ملتهبة، مشحونة بالمصالح الأمريكية بشكل يفوق توقعات ترامب.

في الحقيقة، كشف التوجه نحو المواجهة مع إيران عن اختلال أساسي على مستوى حنكة ترامب السياسية تجاه الشرق الأوسط. وفي وقت سابق، أعرب ترامب بوضوح عن عدم استعداده قطعا لاستثمار قدر إضافي من الدماء والثروات في منطقة سببت الإحباط للولايات المتحدة الأمريكية.

في المقابل، ينطوي تصعيد التوتر مع إيران على مخاطر تتجسد بالتحديد في التكاليف والأخطار الذي ادعى ترامب رغبته في تجنبها. وقد تمحورت السياسة الخارجية الأساسية لترامب حول التصرف بصرامة ولكن بأقل التكاليف. عموما، ينبغي على الرئيس الأمريكي أن يستوعب أن هذه المقاربة قد تكون مكلفة للغاية عندما يتعلق الأمر بإيران.

المصدر: بلومبرغ