أفيش مسلسل النهاية المصري

"مؤسف وغير مقبول على الإطلاق، خاصة بين الدول التي أبرمت اتفاقية سلام بينها منذ 41 عامًا"، هكذا علقت وزارة خارجية دولة الاحتلال على المسلسل المصري "النهاية" الذي يعرض على إحدى الفضائيات المصرية في شهر رمضان، متهمة العمل بأنه يروج لزوال دولة "إسرائيل".

العمل كما أنه يعد نقطة انطلاق جديدة نحو استشراف المستقبل دراميًا، وهي المعضلة التي طالما واجهت الدراما المصرية على مدار عقود طويلة وحصرتها في دائرة الحاضر المقيد أو الماضي المغلق، إلا أنه أثار ضجة كبيرة مع عرض أولى حلقاته بداية الشهر الكريم، الأمر الذي ألهب موسم السباق مبكرًا للغاية.

لاقى المسلسل ترحيبًا كبيرًا لدى الشارع المصري مع أول حلقتين، وتعاظم هذا الترحيب مع الاعتراض الإسرائيلي على العمل، وهو ما أضفى قيمة مضافة له من المتوقع أن تتزايد معها معدلات المشاهدة، حيث يرى كثير من الجمهور المصري أن "كل ما يزعج الكيان المحتل فنحن معه وندعمه بصرف النظر عن المستوى الفني".

يتزامن هذا العمل مع حملات التنديد التي تعرضت لها بعض الأعمال الدرامية المعروضة هذا الموسم وتروج للتطبيع والتعايش مع دولة الاحتلال، وعلى رأسها مسلسلي "أم هارون" الكويتي، و"مخرج 7" السعودي، التي تدعمهما قناة "إم بي سي" السعودية تمويلًا وعرضًا.

وحتى كتابة هذه السطور لم يصدر أي تعليق رسمي، سواء من وزارة الخارجية المصرية أم شركة "سينرجي" منتجة العمل والتابعة للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، المملوكة للاستخبارات العامة في مصر، على البيان الإسرائيلي الذي نشرته صحف عبرية، منها "جيروزاليم بوست".

نقلة نوعية

تدور أحداث المسلسل الذي كتبه المؤلف شريف عرفه في مدينة القدس العربية، خلال العام 2125، أي بعد 105 أعوام من الآن، حيث تسيطر الطاقة على مقدرات الحياة كافة، فهي الأداة الرئيسية في هذا المجتمع، وبها يتم التعامل في البيع والشراء بدلًا من المعاملات المالية التقليدية، كما أنها مصدر التعايش الأول للجميع.

المرتكز الأساسي الذي يقوم عليه المسلسل هو مهندس يحاول محاربة الآلات في مواجهة آلة تحمل نفس ملامحه تؤمن بأن خلاص الأرض في التخلص من البشر، ويجسد دوره الفنان يوسف الشريف، مهندس طاقة يعمل في إحدى كبريات شركات الطاقة في القدس، ولتلك الشركة مكانة وحصانة كبيرة، فهي بمثابة جهة سيادية كالمتعارف عليها هذه الأيام، ورغم ذلك فهو يسعى إلى مزيد من التقدم والتطور تجنبًا لنهاية العالم جراء استخدام التكنولوجيا المتطورة.

وبينما يسعى بطل العمل إلى تخريج جيل من الأطفال على درجة من الوعي تؤهلهم للتوظيف الجيد للتكنولوجيا حفاظًا على الحياة فوق الأرض، إذ بالعديد من الجهات الأخرى تحارب هذا التوجه، الأمر الذي يضطر إلى تدشين مدارس سرية لتعليم النشء وهو ما يحارب المهندس لأجله.

المشاهد الأولى للمسلسل تناولت بعض الأحداث المشوقة، حيث تحول الإنسان إلى قطع غيار من الآلات الضوئية يمكن تركيبها بسهولة، ومن ثم بات من السهل اختراع روبوت يحمل مواصفات أي إنسان، شكلًا وصوتًا وإحساسًا ووعيًا، وهو الأمر الذي حذر منه السياق الدرامي للعمل من سوء استخدامه.

النقطة اللافتة للعمل واسترعت انتباه المشاهدين تقوم أولًا على نجاح العرب من التخلص من الاستعمار الصهيوني عبر تحرير القدس بعد أقل من مئة عام على احتلالها، حيث انهارت دولة الاحتلال والولايات المتحدة كذلك، إلا أن ذلك لم يقي العرب مغبة التناحر والتحارب فيما بينهم كذلك، حتى إن كان ذلك في سياق الخيال العلمي.

يعد هذا المسلسل نقطة تغير جذرية في الخط الدرامي المعتاد للمسلسلات المصرية على وجه الخصوص، التي اعتمدت في مساراتها طيلة العقود الماضية على العزف على وتر الحاضر، مستلهمة من بعض الظواهر موادًا لها، أو استدعاء تجارب الماضي وإحياء عدد من المحطات التاريخية المهمة التي يغلب عليها التسييس في كثير من الأحيان.

غضب إسرائيلي

مع عرض أول حلقة من العمل عبرت دولة الاحتلال عن استنكارها الشديد لمجريات المسلسل وما تضمنه سياق الأحداث، حيث أوضحت وزارة الخارجية الإسرائيلية أن المسلسل التليفزيوني المصري يصور مستقبلًا دمرت فيه الدول العربية "إسرائيل"، لافتة في بيانها إلى قول أحد المدرسين: "كانت أمريكا الداعم الرئيسي للدولة الصهيونية".

وتابع المدرس "عندما حان الوقت لتتخلص الدول العربية من عدوها اللدود، اندلعت حرب سُميت باسم حرب تحرير القدس"، وأضاف "الحرب انتهت بسرعة وتسببت في تدمير دولة إسرائيل الصهيونية بعد أقل من 100 عام من قيامها"، وتابع "هرب معظم اليهود في إسرائيل وعادوا إلى بلدانهم الأصلية في أوروبا".

البيان الصادر أشار إلى أنه "تم بث المسلسل التليفزيوني على ON، وهي قناة تليفزيونية خاصة، ولكن تم اعتماده من رقابة الحكومة المصرية، وتم نشر الحلقة الأولى في الأصل على YouTube، ولكن تمت إزالتها لاحقًا"، لافتًا إلى أن الشركة التي أنتجت العمل لديها علاقات حكومية قوية، في إشارة إلى علاقة الشركة بجهاز المخابرات المصرية.

كما لفتت صحيفة "جيروزاليم بوست" التي نشرت البيان، إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي تعرض فيها أعمال درامية تسيئ للمجتمع الإسرائيلي، ذاكرة أنه في عام 2010، استدعى نائب وزير الخارجية آنذاك داني أيالون، السفير التركي، من أجل الاعتراض على مسلسل بثه التليفزيون التركي يصور عملاء جهاز المخابرات الإسرائيلي وهم يختطفون الأطفال، وهنا علق أيالون عبر تغريدة له بأن "هذا وضع لا يطاق ويعرض المجتمع اليهودي والمبعوثين الإسرائيليين والسياح القادمين إلى تركيا للخطر".

اللافت للنظر أنه في الوقت الذي لم تحرك فيه تل أبيب ساكنًا بشأن عرض العديد من المسلسلات التي تناولت قضية الصراع العربي الإسرائيلي، إلا أنها لم تعترض إلا على عملين فقط، هما مسلسل "فارس بلا جواد" المنتج عام 2002، و"النهاية" الذي يعرض هذا العام، غير أن العامل المشترك في كلا العملين أن رسالتهما الأساسية تتمحور حول أن القدس عربية وهو ما يؤرق مضاجع دولة الاحتلال.

MBC ودراما التطبيع

في الوقت الذي يذهب فيه مسلسل "النهاية" إلى تأكيد زوال دولة الاحتلال مهما طال الوقت، هناك أعمال أخرى تكرس للتطبيع وقبول الآخر ومحاولة تقديم اليهود والإسرائيليين في صورة المضطهدين الذي يجب أن يعاد النظر في مسألة احتوائهم عربيًا، سالكين في ذلك المسلك السياسي لبعض الدول في الآونة الأخيرة.

قناة "إم بي سي" السعودية كانت على رأس هذا التوجه، حيث حملت على عاتقها إنتاج بعض الأعمال التي تسير في هذا الاتجاه، كما تقوم بعرضها كذلك، وعلى رأس تلك الأعمال، مسلسل "أم هارون" الكويتي، الذي أثار موجة من الجدل حين تم إعلانه قبل أيام قليلة.

المسلسل الذي يشارك في التمثيل فيه الفنانة الكويتية حياة الفهد، الفنان محمد جابر وأحمد الجسمي وفخرية خميس وسعاد علي وعبد المحسن النمر، ويخرجه المخرج المصري محمد جمال العدل، يحكي قصّة امرأة يهودية تتعرض للكثير من المتاعب بسبب ديانتها، كما يصور حياة الجالية اليهودية في الخليج في فترة الأربعينيات في القرن الماضي، وما تعرضوا له من اضطهاد، وهي رسالة ضمنية تخاطب العقل العربي الباطن بتبرئة ساحته من تهمة الاضطهاد بالتعايش والقبول، وهي ذاتها الرسالة التي تعزف عليها بعض العواصم الخليجية خلال الآونة الأخيرة لا سيما الرياض وأبو ظبي.

يذكر أن مخرج العمل محمد العدل، هو نفسه من أخرج مسلسل "حارة اليهود " الذي عُرض في رمضان 2015، الأمر الذي أثار التساؤل بشأن إصراره على إخراج أعمال تتناول حياة الجالية اليهودية في الأوساط العربية، واحتمالية أن يكون ذلك بداية لترسيخ هذا النوع الجديد من الطرح في الدراما العربية خلال الأعوام القادمة في محاولة لتجميل صورة التعايش مع اليهود.

وفي أول رد فعل على العمل الكويتي، اتهم تجمع "اتحرّك" لدعم المقاومة ومجابهة التطبيع مع "إسرائيل" مسلسل "أم هارون" بالترويج للتطبيع مع "إسرائيل"، لافتًا في بيان له "المسلسل الذي تتمحور أحداثه بشأن الدعوة إلى التعايش مع العدو الصهيوني، من خلال طرحه للقضية على أنها ذات طابع ديني، حيث يتم فيه تمييع الصراع مع العدو".

التجمع وعلى صفحته الرسمية على فيسبوك، أضاف أن "العدو الصهيوني الذي لطالما حاول جاهدًا كسب ذلك الترويج والدفع بذلك ليقترب أكثر فأكثر من تحقيق حلمه المتمثل بإزالة الحاجز النفسي والعدائي المفروض عليه من العرب على وجه الخصوص، وبذات الوقت يفعل ما يفعله من تنكيل بالأسرى وتهويد للأراضي وإقامة المستعمرات على الأراضي العربية".

وأضاف "واجبنا يُحتِّم علينا أن نحارب كل عمل تطبيعي من شأنه أن يروِّج للتطبيع مع العدو و/أو تمييع أشكال الصراع معه و/أو تزييف حقيقة الإرهاب الذي يمارسه بحق الفلسطينيين والعرب"، وعليه "نأمل أن يتم تجريم تلك الممثلة المذكوره أعلاه ومقاضاتها من السلطات الكويتيه لقيامها بخرق معايير المقاطعة".

لم يكن "أم هارون" وحده العمل الذي يروج للتطبيع في الموسم الرمضاني الحاليّ، فها هو مسلسل "مخرج7" الذي يعرض على الشاشة السعودية كذلك، ففي إحدى حلقاته ظهر الممثلان السعوديان ناصر القصبي وراشد الشمراني، وهما يروجان بشكل واضح للتطبيع.

المحادثة التي دارت بين الممثلين لا تختلف كثيرًا عن الخط الإعلامي والسياسي الذي تتباه لجان الذباب الإلكتروني السعودية، حيث قال الشمراني إنه ينوي توسيع نشاطه التجاري مع بعض التجار الإسرائيليين، ليرد عليه القصبي بأن هذا لا يصح كون الإسرائيليين أعداء، إلى هنا ربما يكون الموقف مقبولًا، لكن الإجابة تكمن في باقي الحديث.

وهنا علق الشمراني بالعبارات التقليدية المعتادة خلال الأونة الأخيرة، حيث قال: "العدو الحقيقي هو اللي يسبك وينكر تضحياتك ووقفتك معه ويسبك ليل نهار أكثر من الإسرائيليين"، مضيفًا "قصدي دخلنا حروب علشان فلسطين، قطعنا النفط علشان فلسطين، ويوم صارت سلطة ندفع رواتب نحن أحق بها، وهم ما يصدقون فرصة هالكبر يهاجمون السعودية".

وقد أثار هذا المشهد سخط الكثير على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اعتبره البعض محاولة لتمرير منهجية التطبيع عبر الدراما، وهذا يأتي في إطار سياسة سلخ المجتمع الخليجي بصفة عامة والسعودي خاصة عن القضية الفلسطينية لا سيما في ظل حالة الدفء والتقارب في العلاقات بين السعودية والإمارات والبحرين وعمان مع تل أبيب في السنوات الثلاثة الماضية على وجه التحديد.