شهدت الأيام الماضية شن النظام السياسي في مصر حملةً أمنيةً جديدةً ومفاجئةً، للقبض على قياداتٍ مصرية بارزةٍ في التيار اليساري والليبرالي، المهتم بالعمل في مجال الحقوق الشخصية والسياسية والاجتماعية، ومراجعة "السياسات" الحكومية، ضمن مجالات عمل أكاديمية وسلمية منظمة.

على عكس الكثير من حملات الاعتقال المُشابهة، أدت موجة الاعتقالات الأخيرة إلى أزمة سياسية دولية كبرى للنظام المصري، أدت إلى "كشف" جانب كبير من السياسات التي حاول من خلال هذه الحملة الأمنية إخفاءها، وسط شكوك عن تعثر النظام في صياغة إستراتيجية مناسبة لإدارة اللحظة السياسية الدولية الراهنة، خاصةً بعد أن كانت رسائله السابقة، قبل هذه الأزمة، تصب في اتجاه استيعاب غضب ومخاوف وصعود القوى الديمقراطية مجددًا في الولايات المتحدة وأوروبا.. فماذا حدث لنخرج بهذه الانطباعات؟ وما أبعاد القصة؟

المبادرة المصرية

بدأتِ القصة يوم الـ15 من نوفمبر/تشرين الأول، عندما أقدمت قوات الأمن المصرية على اعتقال محمد بشير، المدير الإداري للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، واقتياده إلى مكان غير معلوم، مع أحاديث صحف مصرية داخلية عن التحقيق معه في نيابة أمن الدولة العليا، إثر تحريات الأمن الوطني، عن تهم تتعلق بالانضمام إلى جماعة إرهابية وتلقي أموال من الخارج ومزاولة نشاط غير رسمي ونشر أخبار كاذبة، مع انتهاء التحقيقات، مؤقتًا، بالحبس الاحتياطي 15 يومًا على ذمة إحدى القضايا المفتوحة بالفعل. هذا، مع عدم ظهور محمد بشير نفسه أو لقائه بمحاميه.

بالنسبة للكثيرين، في بداية الأمر، لم تكن مفهومة دوافع هذه "القبضة": هل هي مقصودة؟ هل ستشمل آخرين؟ هل سيخرج القيادي الحقوقي البارز بعد ساعات من التحقيقات، أو أقل، أو حتى أيام قليلة، كما حدث من قبل مع قيادات صحفية على صلة بدوائر المبادرة؟ هل خرج بشير عن النص المسموح بشكل أزعج المؤسسة الحاكمة في مصر؟

لاقت قضية المبادرة المصرية اهتمامًا دوليًا واضحًا منذ الساعات الأولى للقبض على المدير الإداري للمبادرة محمد بشير

ثلاثة أيام فقط مرت على القبض على محمد بشير ومحاولة فهم ملابسات اعتقاله، حتى تردد خبر جديد عن قيادات المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وهو مداهمة منزل مدير وحدة العدالة الجنائية بالمبادرة كريم عنارة، دون أن تنجح قوات الأمن في القبض عليه، وفي محاولة تالية في نفس السياق الزمني، نشرت المبادرة خبر اعتقال الحقوقي المطارَد، في مدينة دهب السياحية، جنوب سيناء، خلال قضائه إجازة عمل هناك، ليتضح، جليًا، ما وصفته المبادرة، نصًا، أنه: "تصعيد غير مسبوق، لم تواجهه طيلة عملها".

تلى ذلك بساعات إعلان خبر القبض على قيادي آخر بالمبادرة، هو جاسر عبد الرازق، المدير التنفيذي، من منزله بالمعادي، مع الكشف عن رقم القضية المُسكَن بها محمد بشير، أول المختطفين من قيادات المبادرة، وهي القضية رقم 855 لسنة 2020، المحبوس فيها حقوقيون يساريون وإسلاميون بارزون، مثل المحامية ماهينور المصري والمحامي محمد باقر، لنصبح، بعد أسبوع عصيب، أمام 3 قيادات معتقلين من المبادرة المصرية الأكثر نفوذًا وصلة بالجهات الحقوقية في الخارج، مع وضع باقي أعضاء المبادرة تحت التهديد الدائم لخطر الاعتقال أو التغييب، بطبيعة الحال.

ردود الفعل

لاقت قضية "المبادرة المصرية" اهتمامًا دوليًا واضحًا منذ الساعات الأولى للقبض على المدير الإداري للمبادرة، محمد بشير. لم يكن هذا الاهتمام حقوقيًا فقط، بل كان، للمفارقة، في معظمه اهتمام رسمي أو شبه رسمي، قادم من البقاع الدولية الأكثر أهمية وقوة، أوروبا والولايات المتحدة ومنظمة الأمم المتحدة نفسها.

أصدرت الخارجية الفرنسية بيانًا نادرًا لاذعًا، تعليقًا على اعتقال محمد بشير، انتقدت فيه هذه الهجمة الأمنية الرسمية، وطالبت بالإفراج عن بشير، وقد لاقى هذا البيان صداه المنتظر في القاهرة، فعلى الرغم من أن مصر لم تستجب أو تتفاعل إيجابيًا مع بيان الخارجية الفرنسية، فإنها لم تستطع تجاهله. بيان الخارجية المصرية، كان بحسب مؤيدي النظام المصري، واضحًا وصارمًا، يعكس التغير في قدرة القاهرة على اللعب مع الكبار، بعد أن كانت خاضعة لنفوذهم منذ سنوات، وجاء مخيبًا، محبطًا، للآمال، بحسب مقربين من التيار الحقوقي المصري.

ركز بيان الخارجية الذي جاء ردًا على بيان نظيرتها الفرنسية، على الرفض المبدئي للتدخل الخارجي ومنه الفرنسي في الشأن الداخلي المصري، معتبرة أن باريس تحاول التأثير على التحقيقات القضائية التي تجريها جهات مصرية مستقلة مع مواطنين مصريين في أرض مصرية، مع تلويح القاهرة بأنها تلتزم بالقانون الدولي الذي يحتم عليها عدم التدخل السلبي في الشؤون الخارجية للدول الأخرى، ومن هذه الدول فرنسا.

البيان الصادر عن المتحدث الرسمي باسم الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كان الأكثر وضوحًا

ومع تطور الحملة المصرية ضد قيادات المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، تصاعدت موجة الإدانات الغربية، لنجد نشاطًا ملحوظًا من أشخاص نافذين متوقع أن يلعبوا دورًا مستقبليًا في إدارة الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن، أو على صلة بالحملة الانتخابية الخاصة به، يطالبون بالضغط على الحكومة المصرية، للإفراج عن النشطاء الحقوقيين، مثل السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز، ورئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الامريكي جيم ريتش، بالإضافة إلى تصريحات رسمية من الخارجية الأمريكية الحاليّة، ضمن فريق ترامب، بخصوص فتح قناة اتصال مع نظيرتها المصرية، لإطلاق سراح المعتقلين واحترام الحريات الأساسية للتعبير.

جهات أوروبية عديدة، أيضًا، مثل الخارجية البريطانية والسفير الإيطالي بالقاهرة، قالت إنها تشعر بالقلق من هذه الحملة الأمنية الأخيرة، وتطالب على إثره السلطات المصرية، عبر رسائل خطية أو اتصالات هاتفية مباشرة، بالإفراج عن قيادات المبادرة المصرية، لكن البيان الصادر عن المتحدث الرسمي باسم الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كان الأكثر وضوحًا، حيث أثنى خلاله على جهود المبادرة، التي قال إنها تسدي خدمات جليلة للشعب المصري، من خلال تعزيز معرفته بالحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية، كما أشار إلى أن "توفير مساحة للمجتمع المدني، هو التزام مشترك منصوص عليه كأولوية في علاقة الاتحاد الأوروبي مع مصر، وينص عليه الدستور المصري نفسه".

وبعد بيانات أخرى مشابهة، منها ما صدر عن وزارة الخارجية الكندية وقيادات في منظمة الأمم المتحدة مثل مفوض حقوق الإنسان والمتحدث الرسمي باسم المنظمة، اتهما خلالها النظام المصري، صراحة، باستخدام قوانين مكافحة الإرهاب لإسكات المعارضة والرجعية، إذ "لا يجب أن يكون هناك معتقلو رأي في القرن الحادي والعشرين"، كما قال المتحدث باسم الأمم المتحدة، عاودت الخارجية المصرية إصدار بيان آخر للرد على هذه الاتهامات، قال عنه محللون إنه مجرد اختصار للبيان الأول الذي صدر ردًا على الخارجية الفرنسية، في إشارة إلى عدم احتوائه على أي مضامين جديدة أو مقنعة لتبرير هذه الحملة.

أين الحقيقة؟

حاولت الخارجية المصرية في البيانين اللذين أصدرتهما على مدار الأزمة تبرير الحملة الأمنية ضد قيادات المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، بأنها بسبب مخالفة المبادرة لشروط عمل منظمات المجتمع الأهلي التي يحددها القانون المصري، فقالت نصًا في البيان الأول إن بيان الخارجية الفرنسية يحمل دفاعًا عن "كيان يعمل بشكل غير شرعي، في مجال العمل الأهلي، في ضوء أن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية مسجلة كشركة وتمارس أنشطة أخرى بالمخالفة لما يقضي به القانون رقم 149 لسنة 2019 من خضوع نشاطه لولايته".

لكن المؤسس الأول للمبادرة، الصحفي الاستقصائي حسام بهجت، فند هذه الرواية في تصريحات لموقع "مدى مصر"، نافيًا وجود علاقة بين الحملة الأمنية الأخيرة وعدم قانونية نشاط المبادرة في مصر، قائلًا: "لا مجال للتظاهر بأن المسألة لها علاقة بقانون الجمعيات الأهلية، فالقيادات الثلاثة المقبوض عليها لم توجه لهم أي اتهامات تتعلق بقانون العمل الأهلي، وتحريات الأمن الوطني ضدهم تقتصر على قائمة الاتهامات المضحكة المتكررة، وعلى رأسها الانتماء لجماعة إرهابية، ووزارة الخارجية، بعد صدور قانون العمل الأهلي، سبق وتفاخرت بخلوه من عقوبات الحبس، والآن يبرر حبس العاملين بالمخالفة لمواد هذا القانون".

هناك 3 أسباب مطروحة لتفسير الهجمة الأمنية الشرسة على قيادات المبادرة مؤخرًا، الأول أنها جاءت ردًا على اجتماع دار قبل أسبوعين من الاعتقالات بين قيادات المبادرة ومجموعة كبيرة من سفراء الدول الأوروبية

ليس هذا وحسب، بل إن المبادرة، بحسب نفس نص حوار بهجت: "كيان قانوني، ومسجلة كشركة للدراسات والاستشارات بالهيئة العامة للاستثمار، ولها سجل تجاري وضريبي، وتسدد جميع ضرائبها، وجميع العاملين فيها خاضعون لقانوني العمل والتأمينات، وتمارس عملها تحت مظلة القوانين المصرية منذ 18 عامًا، وكثيرًا ما دعتها وزارة الخارجية لاجتماعات في الوزارة، مع وفود أجنبية، وفي مؤتمرات برئاسة مصر، وفي جلسات مع الوزير نفسه"، ومن ثم فإن الرواية الرسمية للنظام المصري حيال حملة اعتقال قيادات المبادرة ليست دقيقة.

لذلك، فإن هناك 3 أسباب مطروحة لتفسير الهجمة الأمنية الشرسة على قيادات المبادرة مؤخرًا، الأول أنها جاءت ردًا على اجتماع دار قبل أسبوعين من الاعتقالات بين قيادات المبادرة ومجموعة كبيرة من سفراء الدول الأوروبية المعتمدين لدى الحكومة المصرية، في الـ8 من نوفمبر/تشرين الثاني تحديدًا، وهم سفراء ألمانيا وإسبانيا وإيطاليا وسويسرا والدنمارك وبلجيكا وكندا والسويد والنرويج، بالإضافة إلى نائب سفير بريطانيا، وممثلين عن المفوضية الأوروبية في القاهرة، وقد أشار إلى كون هذا السبب وراء الاعتقالات الأخيرة مباشرة مسؤولون غربيون مثل دومنيك راب وزير الخارجية البريطاني وأنثوني بلينكن مستشار بايدن للشؤون الخارجية.

أما السببان الثاني والثالث، فيتعلقان، بشكل ثانوي، برغبة النظام في عقاب أشخاص معينين في المبادرة على جهودهم البحثية، وبالأخص كريم عنارة، الذي وردت في تحريات الأمن الوطني عنه الإشارة إلى إصداراته عن أوضاع السجون خلال أزمة كورونا، كما قال حسام بهجت، فيما يقول محللون إن النظام المصري بقيادة السيسي يريد أن يبعث، أيضًا، رسالة لأطياف المعارضة، مفادها أن ولاية بايدن لن تمنحهم الكثير من المكتسبات، وأن أكثر المعارضين اتصالًا بالخارج قد يكونوا عرضة للتنكيل بلا تخوف من العواقب.

الوضع الراهن

عقب ذلك، أعلن الصحفي الاستقصائي حسام بهجت، عودته لإدارة المبادرة التي أسسها عام 2002، بعد أن ترك هذا المنصب منذ ثمانية أعوام، مكتفيًا بدور تطوعي في مجلس الإدارة، مشيرًا إلى أنه اتخذ هذا القرار بالعودة إلى الإدارة مع الفريق الموهوب والشجاع، في المنظمة التي يعتبر تأسيسها أكثر ما يعتز به في حياته، لحين الإفراج عمن أسماهم "قياداتها الرهائن".

أحد أبرز "القيادات الرهائن"، كما وصف بهجت، وهو جاسر عبد الرازق، نجل حسين عبد الرازق، عضو لجنة كتابة الدستور الذي يحكم البلاد منذ عام 2014، ونجل الصحفية فريدة النقاش، عضو مجلس الشيوخ الحاليّ عن قائمة حزب "مستقبل وطن" المقرب من النظام السياسي، يعاني من أوضاع احتجاز مأساوية منذ القبض عليه، حيث يقبع في زنزانة انفرادية بسجن ليمان طرة، بعد أن صادرت أجهزة الأمن جميع متعلقاته وأمواله، وينام على سرير حديدي (دون "مرتبة")، أو ملابس شتوية، ولم يخرج من الزنزانة منذ فجر الجمعة الماضي، ويشعر بالبرد طوال الوقت، كما قال بهجت.

ووفقًا لمحللين، فقد يكون السيسي قد نجح بالفعل في إرسال رسالة إلى خصومه من المعارضة عن قدراته في استغلال الوقت الضبابي، بين نجاح بايدن في الانتخابات وقبل توليه مقاليد الحكم رسميًا، لتوجيه ضربة قوية لكل من تسول له نفسه الاعتقاد بأن تغيرًا نوعيًا قد يحدث في طريقة إدارة القاهرة لشؤونها الداخلية إثر تغير منظومة الحكم في واشنطن.

لكن هذه الخطوة الغاشمة، بحسب نفس التحليل، قد تكلفه خسائر كبيرة على المدى الزمني المتوسط، وهو الوقت اللازم لنجاح بايدن في احتواء أزمة كورونا واعتماد مجلس الشيوخ الأمريكي لفريقه الخارجي، فكل أعضاء فريقه الخارجي قد عملوا سابقًا مع إدارة أوباما، ومعظمهم يشعر بالحنق على طريقة إدارة السيسي للحكم في مصر منذ يوليو/تموز 2013. 

وفضلًا عن افتقاد مصر كثيرًا من أوراق اللعبة السياسية بعد صعود النفوذ الخليجي، بديلًا عنها، سواء في السلام مع الاحتلال أم إدارة إمدادات الطاقة بالمنطقة ومشاريع الربط المستقبلية الكبرى، مما يوفر شروطًا موضوعية أمام تفكير واشنطن في "القيمي" أكثر من "المصلحي"، مع تراجع هذا "المصلحي" فعلًا، في علاقاتها مع القاهرة، فإن أحد أبرز المرشحين لحقيبة الخارجية، أنثوني بلينكن (58 عامًا) يؤمن ذاتيًا، حقًا، كما يقول بنفسه وتقول سيرته الذاتية، بضرورة دعم الولايات المتحدة للديمقراطية وحقوق الإنسان، ضمن ما يسمى "التدخل الخارجي الإيجابي"، أي بفاعلية دون تورط، لتحقيق هذه الأهداف، قدر الإمكان، وهو ما قد يعني أن تصرفات السيسي الحاليّة، من الممكن أن تضعه في أزمة حقيقية مع الإدارة الأمريكية خلال الفترة القادمة، بحسب هذا التحليل.