أثارت دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للأئمة المسلمين في فرنسا وضع "ميثاق للقيم الجمهورية" يتضمن تأكيدًا على الاعتراف بقيم الجمهورية ويشدد على أن الإسلام في فرنسا هو دين وليس حركة سياسية، وينص على إنهاء التدخل أو الانتماء لدول أجنبية، سخطًا واسعًا وسخريةً في الوقت ذاته، فالرجل يريد دينًا جديدًا تقريبًا، لا علاقة له بالسياسة، يحث على فضائل الطهارة ويهتم بأحكام الوضوء والصلاة. 

في الوقت نفسه، تعكس هذه الدعوة النظرة المادية الكلاسيكية التي تحكم السياسة الغربية التي تقترب من عقيدة السوق الليبرالية: الإسلام.. شركة ناجحة له وكلاء.. لنتفاوض معهم إذن، ومن يرفض تنتهي إقامته في أراضي الجمهورية!

إسقاط الماضي الكنسي على المستقبل الإسلامي

ما الذي يريده ماكرون تحديدًا؟ يريد فعل نفس ما حصل مع الكنيسة في القرون الوسطى، حين كانت الكنيسة تتحكم بكل شيء تقريبًا، تعين الأباطرة وتحرك الجيوش وتسن القوانين وتنفذ الأحكام، وكان ذلك يعني - بحكم الدين المسيحي - سلطة غير محدود للكهنة والقساوسة بحكم أنهم من يمثلون الدين، كان ما يقول البابا أو أي كاهن هو الدين المسيحي حتى لو لم يكن له أصل في النصوص الأصلية، كان البابا مثلًا يوزع صكوك الغفران مقابل المال - في العام 1517 مثلًا وزع البابا ليون العاشر صكوك الغفران على كل أوروبا للحصول على المال اللازم لبناء الكنيسة في روما -، وبالتالي، كان لا بد في عصر العلمنة والتنوير من إخراج هذه المنظومة بأكملها فكرًا وأفرادًا من المعادلة، وقصر الدين على الطقوس والعبادات وإخراجه من الحياة العامة، وكانت كيفية ذلك واضحة جدًا: اخرجوا الكنيسة.. سينتهي كل شيء. 

اليوم، تحاول فرنسا نفس الأمر، بعيدًا عن المصطلحات.. لا يشكل الإسلام في جزئه التعبدي والاعتقادي التوحيدي مشكلة بالنسبة للفرنسيين، لكن جانبه الحياتي والسياسي يمثل مشكلة كبرى، بالتالي على وكلاء هذا الدين حذف الجزء الخاص بالسياسة والحياة، تمامًا مثل ما يجب القيام به مع أي شركة تحتكر السوق، يتم تجزئتها أو تغريمها أو إرهاب وكلائها وابتزازهم لتغيير سياسة الشركة! وهنا تكمن المشكلة: هل يمكن تطبيق هذا الأمر؟ 

إن الإسلام ومنذ أفكاره الأولى لا يعرف الهيكلة السلطوية، بمعنى أن لا أحد وصي عليه، منذ أن تكفل الله بحفظ نصوصه من أي تغيير، أصبح القرآن هو المعيار، الفكرة ذاتها هي معيار القياس على الرجل، لا العكس! 

المروجون لفكرة إبعاد الإسلام عن السياسة وأغلبهم طغاة أو علمانيين متطرفين هم أول من يستخدم رموزه الشكلية في دعاياتهم

المتتبع للنصوص القرآنية يجد في الأمر وضوحًا كبيرًا، مسألة التوحيد مثلًا معيار يحكم الجميع، حتى الأنبياء أنفسهم لا يملكون استثناءً من ذلك: "ولو أشركوا لحبطت أعمالهم" يقول القرآن عنهم، بل إنه يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم صراحة: "لئن أشركت ليحبطن عملك"، بالتالي لا يملك أحد أن يحذف أو يغير شيئًا من الدين، ونقصد هنا جزءًا من أجزائه وليس الفهم التجديدي له.

وهو ما يقودنا إلى النقطة الثانية: الدين قطعة واحدة لا تتجزأ، وهو بطبيعته الأصلية جاء لأجل التداخل مع الحياة لا العكس، والدين هنا هو كل الرسالات السماوية التي بعثها الله للبشر، ربما حصل بعض التحريف في نسخ من تلك الرسالات السابقة، لكنه في النسخة الأخيرة محفوظ لا يمكن تغييره، بالتالي سيؤدي فهمه خطأ إلى خطأ في الاستنتاج، وهذا ما حصل في المنطقة العربية بعد احتلالها من القوى الغربية.

يشير الكاتب ديفيد فرومكين في كتابه "سلام ما بعده سلام" أن الدول الأوروبية عقب دخولها المنطقة حاولت استبدال الإسلام بهوية جديدة قائمة على القومية والولاء للأرض، فيقول: "شرع قادة الحلفاء في التخطيط لضم بلدان الشرق الأوسط إلى دولهم، ثم أدركوا أن سلطة الإسلام على المنطقة هي الخاصية الرئيسية للخريطة السياسية للشرق الأوسط، ولذلك سعوا إلى خلق ولاءات منافسة للوحدة الإسلامية، بيد أن فهم هؤلاء الساسة الأوروبيين للإسلام كان محدودًا، حيث ظلت هناك دومًا خاصية معينة للمنطقة بعد تنحية مرجعيتها الدينية التاريخية ألا وهي غياب الإحساس بالشرعية، فلا يوجد إيمان واحد يشترك فيه جميع الفاعلين السياسيين، ولا ثمة قواعد واضحة للعبة السياسية".

ورغم أن الكثير من المفكرين الإسلاميين يتفقون أن هناك حاجةً لإنتاج عقل إسلامي جديد بدل استنساخ عقل إسلامي سابق يسبب تقديسه وإلزامه للناس مشكلة فكرية - لا تزال حتى يومنا هذا -، فإن باحثين رأوا أن محاولات تغيير جوهر الإسلام أو المساس بأصوله، ناتج عن جهل بحقيقة ارتباط الإسلام بالحياة نفسها، وارتباط تلك القيم بحياة المجتمعات التي أنشأها الإسلام نفسه، وشكل قيمها ومبادئها وجذورها، وهو أمر غير موجود في المجتمعات الأخرى كما يتفق في ذلك برنارد لويس والفيلسوف الفرنسي أندري ميكيل وكلود كاهن. 

الإسلام السياسي: هل هو موجود فعلًا؟ 

مع طرح الأسئلة عن الإسلام السياسي، يتم النقاش غالبًا - عن قصد - بخصوص الجماعات الإسلامية المتداخلة في السياسة، ولا يتم نقاش الفكرة نفسها، لأن الحديث عنه يقودنا لسؤال محوري: ما هو الإسلام غير السياسي أصلًا؟!

إن المروجين لفكرة إبعاد الإسلام عن السياسة وأغلبهم طغاة أو علمانيين متطرفين هم أول من يستخدم رموزه الشكلية في دعاياتهم: شيخ الأزهر في خطاب انقلاب السيسي، هيئة كبار العلماء امع محمد بن سلمان، مفتي سوريا الذي يسبح بحمد الأسد في كل ظهور له!

إن كان لا بد من مراجعة، فليس الإسلام المعني بها بقدر ما إننا المعنيون بها

إن هؤلاء المنادين بإبعاد الدين عن الحياة، هم أول من يبارك قرارات القمع ويوزع صكوك الشهادة على جيوش جل ضحاياهم من عامة الشعب!

دعاة إبعاد الإسلام عن السياسة بحجة فشل من يمثلونه يقعون في مغالطتين رئيسيتين: 

أولًا: من شرع الدين قد وضعه بطبيعته لأجل أن يدخل في حياة الناس ويتداخل معها بل وأن يدخلهم فيها لا أن يخرجهم منها ليكون مجرد عبادات ورهبنة ما كتبها الله! بالتالي فالسياسة جزء أصيل من الدين ولا وجود لشيء اسمه إسلام سياسي، هناك إسلام وضعه الله ورجعية جديدة يراد لها أن تلبس ثوب الدين وتستخدمه في القمع وتبعده عند الإصلاح! 

وثانيها: إن كان لا بد من مراجعة، فليس الإسلام المعني بها بقدر ما إننا المعنيون بها، إن الإسلام واضح بعدم وجود وصي عليه، تكمن المشكلة في عقلية بعض الثقافات العربية الراكنة للبطل المخلص أكثر منها نحو التطوير الفكري والاستنتاج العقلي، فنحن من نصب الرجال معيارًا للدين في حين أنه يخبرنا بالعكس من ذلك، ومعيار أداء حركة أو حزب أو شخص هي ما يخضع للإسلام ومعاييره لا أن تُقاس صلاحية الدين بنتائج انتخابات حركة النهضة أو سياسة الإخوان في مصر أو تطرف داعش وأو فتاوى الجامية عن السمع والطاعة للحاكم.. حتى لو زنا نصف ساعة أمام الجمهور في التليفزيون!