تتعالى في الجزائر أصوات الأحزاب السياسية والمتابعين للوضع الداخلي للبلاد المنادية بإقالة حكومة الوزير الأول عبد العزيز جراد بسبب عجزها عن تحقيق ما وعدت به، ويأمل هذا القطب في أن يكون أول ملف يعطيه الرئيس عبد المجيد تبون أهميةً بعد أن عاد من ألمانيا عقب فترة علاجية قضاها هناك، هو إجراء التعديل الحكومي اللازم، وذلك قبل أيام معدودات من إطفاء الحراك الشعبي شمعته الثانية في 22 من فبراير/شباط الحاليّ.

واستطاعت حكومة عبد العزيز جراد أن تصمد لأكثر من عام، رغم إجراء تعديل عليها الصيف الماضي، تم الاحتفاظ فيه بأستاذ العلوم السياسية رئيسًا لها رغم الانتقادات التي وجهت لها.

عدم رضا

قبل سفره إلى ألمانيا في 10 من يناير/كانون الثاني المنقضي، أعلن الرئيس تبون صراحةً عدم رضاه عن أداء بعض الوزراء في الحكومة رغم عدم ذكر القطاعات المعنية، حيث اكتفى بالقول إن الحكومة "فيها وعليها".

وأجرى الرئيس تبون تعديلًا وزاريًا واحدًا كان في شهر يونيو/حزيران الماضي أبقى فيه على عبد العزيز جراد وزيرًا أول، غير أنه أنهى الشهر الماضي مهام وزير النقل هاني لزهر بعد صفقة استيراد جرت بالخطوط الجوية الجزائرية.

وانتقد الرئيس تبون في اجتماع مجلس الوزراء الذي عقد في 3 من يناير/كانون الثاني الماضي وخصص لتقييم الحصيلة السنوية 2020 لمختلف القطاعات الوزارية أداء بعض القطاعات، واعتبر تبون أن "التقييم والأداء الوزاري لسنة 2020 يتراوح عمومًا بين الإيجابي والسلبي".

وشدد تبون على ضرورة تفعيل القطاعات التي لها أثر مباشر على الحياة اليومية للمواطنين والانتقال إلى السرعة القصوى مطلع العام 2021، واكتفى الرئيس الجزائري بالإشادة بما وصفه "التقدم الملموس في القطاعات ذات الأهمية كالصناعة الصيدلانية والمؤسسات الناشئة ودعم تشغيل الشباب".

التعديل الوزاري المرتقب قد يطال وزارات الصناعة والرياضة والتجارة، بسبب الأداء الباهت لمن يتولونها

وانتقد أداء قطاع الداخلية، بسبب طريقة تسيير بعض الولاة لملف مناطق الظل أين حذر من استمرار ظاهرة جلب المياه بالطرق البدائية التي تعتبر مأساة راح ضحيتها الأطفال، كما انتقد وزارة المالية بسبب تأخر النظام البنكي، وأداء وزارة الثقافة جراء الضعف المسجل في مجال الصناعة السينماتوغرافية التي لم تصل بعد إلى مورد اقتصادي قادر على خلق آلاف مناصب الشغل، إضافة إلى عدم رضاه عن أداء قطاع الفلاحة الذي عاش فضيحة ثقيلة تتعلق باستيراد قمح مغشوش من ليتوانيا.

وتتحدث جهات غير رسمية أن التعديل الوزاري المرتقب قد يطال وزارات الصناعة والرياضة والتجارة، بسبب الأداء الباهت لمن يتولونها. 

خلاف؟

ولا يستثني المتابعون للشأن السياسي أن يطال التغيير الحكومي رأس الحكومة، بعد أن ترددت أنباء عن انزعاج الرئيس تبون من تحركات الوزير الأول عبد العزيز جراد خلال رحلته العلاجية الأولى لألمانيا.

وذكرت مصادر متطابقة أن اسم وزير الاتصال السابق عبد العزيز رحابي مطروح لخلافة جراد، وهو الذي طرح اسمه في أكثر من مرة لتولي إدارة الطاقم الحكومي، بالنظر لقربه من المعارضة ومشاركته في اجتماعاتها سواء خلال حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة أم بعد عزله.

وسبق للنائب البرلماني حكيم بري أن دعا في جلسة بالمجلس الشعبي الوطني صراحة لإقالة عبد العزيز جراد، وقال بري في رسالة موجهة للرئيس تبون: "الوضعية بالجزائر تزداد سوءًا يومًا بعد يوم خاصة في فترة غيابك التي استغلها الوزير الأول في الشروع فيما يبدو بحملة رئاسية مسبقة بدعم من بعض المقربين منك، ومنهم أحد مستشاريك".

وأضاف بري "كيف يعقل والجزائر تعيش في وضع صعب من الناحية المالية والاقتصادية ومشاكل دولية بجوار حدودنا، ولا نجد رد فعل من الحكومة؟ فالوزير الأول اكتفى بالتعازي والتهاني والتبريكات على صفحته في فيسبوك، حتى إنه لم يكلف نفسه تمني الشفاء لك (الرئيس تبون)، وهو أضعف الإيمان".

ودعا حكيم بري الرئيس تبون إلى إجراء تغيير حكومي مستعجل بعد عودته من رحلته العلاجية على أساس الكفاءة وليس الولاءات.

صعوبة إيجاد من يخلفه والمواعيد الانتخابية المنتظرة قد تجعل الرئيس تبون يؤجل قرار إجراء تعديل حكومي

ورغم هذه التبريرات التي تصب في خانة التخلص من عبد العزيز جراد وحكومته، فإن صعوبة إيجاد من يخلفه والمواعيد الانتخابية المنتظرة قد تجعل الرئيس تبون يؤجل قرار إجراء تعديل حكومي، بما أن هذه الحكومة سترحل  تلقائيًا عقب الانتخابات التشريعية المنتظرة.

نداء المعارضة

باشر الرئيس تبون الأحد بعد 24 ساعة من عودته من ألمانيا سلسلة لقاءات مع الأحزاب السياسية، فقد استقبل بقصر المرادية الرئاسي قادة أحزاب جبهة المستقبل وجيل جديد وحركة البناء الوطني.

وقال عبد القادر بن قرينة المرشح الرئاسي السابق الذي يرأس حركة البناء الوطني المحسوبة على التيار الإسلامي إنه دعا الرئيس تبون خلال اللقاء الذي جمعه معه أمس إلى "إعادة النظر في عمل الحكومة للتكفل بالحالة الضاغطة اقتصاديًا واجتماعيًا".

وكان بن قرينة قد قال في تجمع لإطارات حزبه الجمعة الماضية: "نرى أنه أضحى ضروريًا، مباشرة تعديل حكومي يستدرك الاختلالات المسجلة المتسببة في الاضطرابات الاجتماعية نتيجة عجز الوزراء القائمين على عدد من القطاعات التي بدأت تتوسع يومًا بعد يوم مما فتح الباب واسعًا أمام محاولات تُثير مخاوفنا من استغلال معاناة المواطنين والمتاجرة بأوجاعهم عبر صناعه التوترات وتعميمها".

وأضاف "سجلنا، وللأسف، قصورًا واضحًا للعديد من القطاعات الوزارية يصل بعضها إلى التوصيف بالفشل، وسط غياب حلول حقيقية وعجز عن توفير البدائل المتاحة أمام التحديات التي يعيشها المواطن، لا سيما تحدي الحفاظ على مناصب الشغل وتحدي ضعف القدرة الشرائية والأمن الغذائي والطاقوي وتحدي المحافظة على التوازنات المالية الداخلية والخارجية".

وبدوره دعا رئيس حزب صوت الشعب لمين عصماني أمس الرئيس تبون إلى تحمل مسؤولياته، وتقويم ما يجب تقييمه، وشدد عصماني على ضرورة إعادة تصحيح صناعة القرار بعدما لاحظ حزبه عدم تجانس حكومي، ووجود العديد من الوزراء خارج مجال التغطية. 

غير أن هذه الدعوات تبقى لحد اليوم تأتي من أحزاب صغيرة، إضافة إلى أن حراك 22 فبراير 2019 أثبت أن وزن الطبقة السياسية لم يعد له تأثير كبير وسط الشارع، ما يجعل الرئيس تبون غير مجبر على الأخذ برأيها أو الاستنجاد بها لتشكيل الحكومة الجديدة، بالنظر إلى أن سياسته مبنية بالدرجة الأولى على دعم المجتمع المدني وجعله بديلًا للأحزاب الغارقة في وحل النفاق السياسي.

ترضية

وجهت عدة انتقادات للرئيس تبون من خصومه تتعلق بتجاهله لمطالب الحراك الشعبي، خاصة مع عدم إطلاق سراح بعض معتقلي الرأي الذين شاركوا في مسيرات عزل الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، لذلك تذهب العديد من الآراء إلى إمكانية إجراء التعديل الحكومي قبل 22 من فبراير/شباط الحاليّ المصادف لإطفاء السنة الثانية من عمر الحراك، وذلك في خطوة من السلطة عنوانها أنها ما زالت حريصة على تحقيق ما تعهدت به.

التغييرات لا تقدم ولا تؤخر شيئًا في حال لم تتوافر الإرادة الحقيقية لإحداث التحول الجذري اللازم

وتعالت في الأيام الماضية دعوات ناشطين باستئناف مسيرات الحراك، بعد تناقص عدد الإصابات بفيروس كورونا في الجزائر، وكذا بسبب بقاء الوضع السياسي للبلاد متأزمًا مثلما كان.

ولهذا السبب، يطرح اسم عبد العزيز رحابي في تولي رئاسة الحكومة بكثرة، بالنظر إلى أنه قد يشكل بارقة أمل للحراكيين في تلبية مطالبهم، لأانه كان من المؤيدين الأوائل للانتفاضة ضد استمرار بوتفليقة وعصابته في الحكم.

وبعيدًا عن القراءات السياسية للقرارات التي سيتخذها الرئيس تبون بشأن طاقم الحكومة، يظل المواطن الجزائري البسيط غير مهتم بهذا الجدل، بالنظر إلى أن التجارب السابقة أثبتت له أن التغييرات لا تقدم ولا تؤخر شيئًا في حال لم تتوافر الإرادة الحقيقية لإحداث التحول الجذري اللازم.