شهد حي بطال غازي في منطقة التنداغ الواقعة في العاصمة التركية أنقرة، مساء يوم الأربعاء الموافق لـ 11 أغسطس/ آب، اعتداء مجموعات من أهالي الحي الأتراك على بيوت ومحلات وممتلكات اللاجئين السوريين، على إثر مقتل فتى تركي بعد طعنه من أحد اللاجئين السوريين في الحي مساء يوم الثلاثاء. 

تدهور الأوضاع الأمنية دفعَ قوات الشرطة ومكافحة الشغب للانتشار في المنطقة، وفي وقت لاحق أعلنت مديرية الأمن في العاصمة أنقرة عن اعتقال 76 متهمًا بالمشاركة في التحريض على العنف عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما تضمّنت القائمة 38 متهمًا لديهم سوابق إجرامية. 

وفي السياق ذاته، دعا المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية، عمر تشليك، عموم الشعب التركي إلى الحذر من الأخبار الكاذبة وحملات التحريض، فيما أكّد رئيس حزب الشعب الجمهوري، كمال كلتشدار أوغلو، رفض حزبه العنف الذي جرى، مؤكّدًا قدرته على حلِّ أزمة اللاجئين عبر تحكيم العقل. 

 

 

جاءت هذه الأحداث كتتويج لحالة من التحريض على اللاجئين السوريين بدأت نهاية الشهر الماضي، بعد تصريحات رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض، كمال كليتشدار أوغلو، الذي وعد بحلّ أزمة اللاجئين السوريين خلال عامَين من توليه السلطة، وتلا ذلك تصريحات عنصرية من رئيس بلدية بولو، ولاحقًا ساهم تدفُّق الآلاف من اللاجئين الأفغان في زيادة الاحتقان تجاه وجود اللاجئين بشكل عام. 

وعلى مدار السنوات الماضية ازداد النقاش الداخلي في تركيا حول أزمة اللاجئين، التي يرى البعض أنها أحد الأسباب التي ساهمت في خسارة حزب العدالة والتنمية لمدن كبرى في الانتخابات المحلية الأخيرة، مثل مدينتي إسطنبول وأنقرة.

من هذا المنطلق، فإن حصر أزمة اللاجئين بشكل عام، والعرب والسوريين بشكل خاص، في تركيا بتوجهات عنصرية لدى شرائح من المجتمع التركي، أو محاولة أحزاب المعارضة توظيفها سياسيًّا -وعلى أهمية هذا العامل-؛ تقدير خاطئ لأزمة حقيقية تراكمت لسنوات بفعل عوامل عديدة، وعلى رأسها تراجُع الأوضاع الاقتصادية، وازدياد معدلات البطالة وفقًا للمركز الإحصائي التركي، التي بلغت نسبتها لشهر مايو/ أيار الماضي 13.4% بواقع 4.23 مليون عاطل عن العمل، فيما تصل هذه النسبة لدى الشباب إلى 24%، بالإضافة إلى سياسات خاطئة على مستوى دمج وتوزيع وتنظيم مجتمع اللاجئين في المدن التركية.

وكما تداخلت عوامل عديدة في الوصول إلى هذه الأزمة، فإن حلّها يقع على عاتق جهات عديدة، بدءًا من مجتمع اللاجئين مرورًا بالمجتمع المضيف وصولًا للدولة التركية بمؤسساتها المختلفة، التي يسعى هذا المقال إلى تناول بعض الخطوات التي يمكن اتخاذها من قِبلها، للتخفيف من آثار حالة الاحتقان الموجّهة نحو تجمعات اللاجئين. 

سردية إعلامية جديدة

شكّلت سياسة الأبواب المفتوحة، التي اتبعتها الحكومة التركية تجاه حركة اللجوء السوري منذ عام 2011، مصدرَ أمل وسببًا لنجاة ملايين السوريين الذين فرّوا من نيران نظام الأسد وقواته، فقد ركزت الحكومة التركية في بداية الأزمة على المبررات الإنسانية ومبدأ الأخوّة في استقبال اللاجئين، ومع ازدياد موجات اللاجئين تجاه الدول الأوروبية، وتحديدًا بعد العام 2015، لجأت الأخيرة إلى توقيع اتفاقية لإعادة استقبال اللاجئين مع الدولة التركية، والتي تنص بموجبها الدول الأوروبية على تقديم مساعدات مادية لتركيا وتسهيلات قانونية أخرى، مقابل مجهود تركي لمكافحة الهجرة غير الشرعية.

وشهدت السنوات التالية لتوقيع الاتفاقية حالة من التراشُق الإعلامي، ما بين الحكومة التركية والاتحاد الأوروبي، على خلفية التزام الأخير بالدفعات المالية التي وعدَ بتقديمها للدولة التركية.

وفي هذا الإطار، برزت تصريحات الرئيس التركي ومسؤولي الحكومة بقيامهم بصرف ما يقارب 40 مليار دولار على اللاجئين، لكنهم لم يدركوا أن جمهورًا داخليًّا يستمع إلى تصريحاتهم الخارجية، التي سُرعان ما تحولت إلى مصدر للهجوم على حكومة الرئيس واللاجئين السوريين، من قِبل السياسيين والمواطنين الأتراك الذين بدأت تنتشر بينهم شائعات حول الوجود السوري، وحجم التسهيلات التي يحصل عليها من المؤسسات الحكومية.

وبهدف محاربة هذه الصورة الشائعة ومواجهتها بالحقائق، فإن الخطوة الأولى تتمثل في تحسين صورة مجتمع اللاجئين إعلاميًا، فمن الممكن أن تلعب أدوات الدولة الإعلامية أو المقرَّبة من الحزب الحاكم، ومؤسسات المجتمع المدني بانتماءاتها المختلفة، دورًا هامًّا في محاربة التصورات الخاطئة وتعزيز الحقائق حول واقع اللاجئين. 

ينقسم وجود اللاجئين السوريين في تركيا إلى قسمَين؛ الأول يسكن في مخيمات اللاجئين ويقدَّر بـ 1.5٪ من الوجود السوري في تركيا، فيما يسكن القسم الثاني في المدن التركية المختلفة.

وتشكّل هذه العملية خطوة تمهيدية للخطوات التالية، التي تركز على تعزيز الوعي الشعبي بقضايا اللاجئين، والأهم تقديم خطاب واضح لجمهور اللاجئين والجمهور التركي، يساهِم في تقديم إجابات حول مستقبل اللاجئين وما تنوي الحكومة فعله خلال السنوات المقبلة، بما يتلائم مع أوضاع اللاجئين وخياراتهم الضئيلة المتاحة، الأمر الذي قد يساعد في تهدئة مخاوف الجمهور التركي المحلي.

ولا بد ألا تكون هذه الخطوات شبيهة بالإجراءات التي اتخذتها الحكومة عام 2019، أي ترحيل غير حَمَلة بطاقات الهوية إلى المناطق المحرَّرة في الشمال السوري، دون مراعاة لظروفهم المعيشية والتزاماتهم الحياتية.

حماية وتنظيم الوجود السوري

ينقسمُ وجود اللاجئين السوريين في تركيا إلى قسمَين؛ الأول يسكن في مخيمات اللاجئين ويقدَّر بـ 1.5٪ من الوجود السوري في تركيا، فيما يسكن القسم الثاني في المدن التركية المختلفة، وعلى رأسها مدينة إسطنبول التي تضمّ العدد الأكبر من اللاجئين، الذين يتواجدون في العادة في أقل أحياء المدينة دخلًا، ما يجعلهم في بيئة أكثر توترًا وأقل استقرارًا.

وعلى مدار السنوات الماضية، شهدت المدن التركية أنماطًا معيّنة من العنف الجماعي في هذه الأحياء، وتبدأ الأحداث عادةً بشجار أو عراك ما بين مواطن تركي وأحد اللاجئين، ليتحولَ لاحقًا إلى هجوم واسع على محلات وممتلكات السوريين في الحي أو المنطقة، وتستمرّ هذه الأحداث عادةً ليوم أو يومَين وتبقى محصورة في نطاق الحي أو المنطقة الذي نشبت فيه.

وحتى هذه اللحظة تُظهر الدولة التركية حزمًا في احتواء ومنع أي عمليات عنف جماعي ضد اللاجئين في الأحياء التركية، لكن التخوفات تنبعُ من إمكانية تطور حالة الاحتقان والتحريض القائمة إلى حالة عنف جماعي أكبر وأوسع من الحالات الماضية، ما يستلزم من الدولة وأجهزة الأمن التركية المزيد من الإجراءات، التي تساهم في حماية اللاجئين من العنف الفردي والجماعي. 

ويعدّ غياب المؤسسات والهيئات الوسيطة ما بين المجتمع المضيف وأجهزة ومؤسسات الدولة ومجتمعات اللاجئين، من أهم الإشكالات التي يعاني منها الوجود العربي بشكل عام، والوجود السوري بشكل خاص.

وتلاحَظ الآثار السلبية لهذه الظاهرة بدءًا من أزمة التواصل ما بين المجتمعات المضيفة واللاجئة، وصولًا إلى افتقاد اللاجئين لهيئات قادرة على تمثيلهم، ولعب دور الوسيط ما بينهم وبين مؤسسات الدولة، التي يمكن لها أن تلعب دورًا هامًّا في تنظيم هذه المجتمعات.

حيث من الممكن أن يتم إنشاء مجالس خاصة باللاجئين، تلحق بالمحافظات أو البلديات أو المجالس المحلية، وتضمّ شخصيات اعتبارية من مجتمع اللاجئين في تلك المناطق، وتتولّى مهام التنسيق والتواصل ما بين الدولة وأجهزتها ومجتمع اللاجئين. 

لا بديل عن التعايُش 

لا يُظهر الأفق القريب أي تحسُّن أو تغيُّر في الأوضاع السياسية والأمنية في البلدان العربية بشكل عام، وسوريا بشكل خاص، ما يجعل البقاء في بلدان اللجوء الخيار الأنسب لملايين اللاجئين العرب والسوريين.

وأظهرت دراسة بحثية، شملت عيّنة من المواطنين الأتراك واللاجئين السوريين، أجراها مدير مركز الاندماج والهجرة في الجامعة الألمانية التركية في إسطنبول، البرفيسور مراد أردوغان، لصالح المفوضية السامية لحقوق اللاجئين في أنقرة؛ أن نسبة 51.8% من اللاجئين السوريين لا يفكر في العودة إلى سوريا بعد أن كانت 16.7% عام 2017، فيما عبّر 30.3% من العيّنة عن رغبته في العودة في حال انتهاء الحرب، في حين كانت هذه النسبة 59.6% عام 2017، وعبّر 5.9% من العيّنة عن إمكانية عودته إلى المناطق الآمنة.

وتواجهُ عملية التعايُش ما بين المجتمعات المضيفة ومجتمعات اللاجئين، مجموعةً من التحديات والصعوبات، بدءًا من العنصرية والانغلاق وتبايُن الثقافات، إلا إن تدخلَت الحكومة ومؤسساتها بشكل يساعدُ في تدعيم وتعزيز عملية التعايُش، فوفقًا لإحصاءات العام 2019، ينتظم في المدارس التركية 680 ألف طالب سوري، فيما تضم الجامعات التركية ما يقارب 37 ألف طالب جامعي، حققت هذه الفئة معرفة متقدمة بلُغة وعادات المجتمع المضيف، بطريقة يمكن للدولة أو أي من المؤسسات المعنية الارتكاز عليها، لتكون نواة أي برامج أو سياسات تساهِم في تعزيز التعايش والتواصل ما بين المجتمعَين.

ختامًا: في ضرورة العمل 

أقل من عامَين يفصل تركيا عن الدخول من جديد في أجواء الانتخابات، مع اقتراب استحقاق الانتخابات العامة والمحلية، وعلى غرار الاستحقاقات السابقة من المتوقّع أن يشكل وجود اللاجئين القضية الأولى على جدول أعمال السياسيين والأحزاب التركية، ما يفتح المجال أمام الأصوات والخيارات الشعبوية.

وفي ظلِّ وجود حزب وحكومة يمتلكان تصورات إيجابية حول قضية اللاجئين، فمن الضروري استغلال هذا الأمر عبر تعزيز الحوار والتواصل مع مؤسسات الدولة، وصولًا لإنتاج مسارات عمل تساهم في حماية وتحصين وجود الملايين من اللاجئين العرب والسوريين في تركيا.