"نحن نطرح قضية من وجع الناس، فالقضايا المطروحة في المسرح هي قضايا بصلب ضمير المجتمع"، بهذه الكلمات حاول إبراهيم سرميني مخرج مسرحي ومدير فرقة "الحلم" المسرحية، تفسير الإقبال الكثيف على المسرح بعيد إنهاء عرض مسرحية "تحت الصفر" وهو ينزل من على خشبة مسرح إدلب الوطني وسط هتافات الجمهور بحرية المعتقلين وبإسقاط نظام الأسد.

قال إبراهيم السرميني لنون بوست: ""تحت الصفر" يتكلم للمرة الثانية عن قضية المعتقلين والسبب الرئيسي عدم وجود أي تحرك باتجاه 128 ألف معتقل في أقبية نظام الأسد يتعرضون يوميًا لأقسى أنواع التعذيب، لمجرد أنهم خالفوا الجلاد بالرأي أو طالبوا بالحرية"، معتبرًا أن علاقة المسرح بالحياة العامة علاقة تكامل، فهو يعيد تكثيف الحياة الواقعية من عرض أو مشهد نقدمه كممثلين على خشبة المسرح، فنختصر سنوات، فعشرة أعوام ثورة يمكن اختزالها بعرض مسرحي يكثف أهم النقاط والتحولات بحياة السوريين من قتل وتهجير واعتقالات تعسفية إلى آخر معاناة السوريين اليومية.

من قبل لم تكن مسرحية "تحت الصفر" الأولى في مدينة إدلب، فقد سبقها عرض مسرحي آخر هو "سرداب الموت" الذي قدم عام 2018 وسلط الضوء على قضية المعتقلين عبر تقديم قصة ثلاث شخصيات مختلفة ضمن زنزانات وسراديب الموت الموجودة لدى نظام بشار الأسد. 

صورة

بدوره تحدث مجد هامو، ممثل مسرحي في الفرقة السورية للفنون المسرحية، لنون بوست عن إصلاح صورة المسرح وربط المسرح بالناس بطرح قضايا المجتمع سواء التهجير أم اللجوء وغيرها، لكسر نمطية ارتباط الفن والأدب بالسلطة من خلال التسبيح بحمد النظام وتمجيد رموزه الديكتاتورية، كما يحاولون كسر الصورة النمطية التي يحاول النظام ترويجها عن المحافظة الخارجة عن سيطرته، كما تظهر الأعمال الفنية حالة الاندماج بين أبناء المحافظات السورية المختلفة التي اجتمع أبناؤها في إدلب نتيجة موجات النزوح والتهجير القسري من جميع المحافظات السورية لمحافظة إدلب، كما نحاول كمسرحيين إيصال الرسائل لمخاطبة شعوب العالم لمناصرة قضية الثورة السورية ضد الحكم الديكتاتوري. 

وتواجه التجارب المسرحية في مدينة إدلب الباحثة عن أفق جديد، معوقات عدة، كالوضع الأمني والخوف من القصف بالإضافة لغياب التمويل والدعم، وبحسب المسرحي محمد الزير مدير العلاقات العامة بفرقة "بيدق المسرحية" فإن العمل المسرحي بإدلب يواجه صعوبات كبيرة كانعدام الدعم المادي والمعنوي، فلا وجود لمن يدعم المسرحيات بلباس وديكور وسينوغرافيا وأجور سواء للممثلين أم لأماكن العرض والتدريب.

ومن الصعوبات غياب دور النساء بالعمل المسرحي، ما أثّر كثيرًا على عروض مسرحية تحتاج لنساء، فمشاركة النساء تفتح الباب أمام إيصال رسائل كثيرة، كما يواجه المسرحيون خوف دائم من قصف طيران النظام ومدفعيته القريبة من مدينة إدلب، إضافة لعدم وجود اللوجستيات الضرورية واللازمة للأعمال المسرحية، فنضطر للجوء لحلول بديلة من خلال صناعة اللوجستيات يدويًا للحصول على السينوغرافيا اللازمة، بالإضافة لعدم وجود اختصاصين أكاديميين لتدريب الكوادر المسرحية وغياب المنظمات والمؤسسات المختصة بدعم بالفن والمسرح. 

رغم الصعوبات الكثيرة لكنها لم تمنع انتعاش المسرح بإدلب خلال الفترة الماضية، وذلك بسبب إصرار المسرحيين على إنقاذ المسرح وخوفهم من اندثار المسرح والثقافة بمجتمع أثرت فيه التكنولوجيا على أجيال صغيرة لم تعرف المسرح بسبب ظروف الحرب التي يشنها بشار الأسد على الشعب السوري منذ عقد من الزمن. 

وجدت تجربة المسرح تفاعلًا كبيرًا من الأهالي، وبحسب القائمين على العمل المسرحي فإن الناس هنا متعطشون للمسرح ولديهم فضول وشوق لرؤية عروض مسرحية، فكانوا يتفاجأون من عدد الحاضرين للعروض المسرحية، ففي عرض "تحت الصفر" كانت طاقة المسرح الاستيعابية نحو 500 بينما وصل عدد الحضور لـ700 شخص.

قال محمد حاج قدور لـ"نون بوست" بعد مشاهدته عرض تحت الصفر: "كان شيء ملفتًا انطلاق المسرح من جديد رغم كل ما تتعرض له إدلب، العرض كان جميلًا ومعبرًا كونه يتكلم عن قضية المعتقلين التي تعد الجرح النازف في الثورة، لكن لاحظت قلة الموسيقى الموجودة بالعرض بسبب شروط حكومة الإنقاذ في إدلب، ورغم ذلك كان العرض ذا تأثيرًا إيجابيًا وعظيمًا لأنه يبعث شعورًا في النفس ببدء عودة الحياة لطبيعتها ويعيد ذاكرة الناس للجزء الجميل من الماضي المتمثل بالفن والمسرح ويعيد تذكير الناس بقضيتهم.

صورة

وأكد حاج قدور قائلًا: "أي عمل مسرحي أو فني ذي أبعاد أكبر من كونه مجرد عمل بكل سلبياته أو إيجابياته، وبغض النظر عن تقييمنا كمواطنين له أنا شخصيًا كنت سعيدًا بالعمل وأتمني أن يتكرر ويكون هناك أعمال أخرى".

قبيل اندلاع الثورة السورية عام 2011 كان في مدينة إدلب خمس فرق مسرحية استطاعت إثبات حضورها على الساحة الفنية السورية، إذ قدمت عشرات العروض المسرحية، لكنها توقفت مع بداية الثورة بسبب مضايقات النظام ونزوح غالبية  المسرحيين إلى خارج المدينة خوفًا من الاعتقال، إثر ملاحقة النظام لهم.

بعد تحرير مدينة إدلب من سيطرة النظام عام 2015 وعودة المسرحيين إليها، أقيم في المدينة أول عرض مسرحي عام 2016، وكان مخصصًا للأطفال، لكن العروض المسرحية توقفت لعدة أعوام بسبب القصف على المدينة واستهداف طيران النظام الحربي للمسرح والمركز الثقافي بعدة غارات جوية أخرجته من الخدمة، وما منع من تقديم عروض مسرحية أيضًا هو الخوف من استهداف قوات النظام لمكان العرض.

وبعد اتفاق خفض التصعيد الذي شمل مدينة إدلب أطلقت فرقة "حلم" من خلال منظمة بنفسج دورة إعداد ممثل لـ25 شابًا، وأنتجت الدورة عملًا مسرحيًا لم يعرض بسبب الحملة العسكرية لقوات النظام على إدلب وقتها وما تبعه من تهجير سكان مناطق خان شيخون ومعرة النعمان وسراقب. 

صورة