احتجاجات في نيودلهي ضد التهجير القسري للمسلمين في آسام.

احتجاجات في نيودلهي ضد التهجير القسري للمسلمين في آسام.

ترجمة حفصة جودة

كتب هانا إليس بيترسون و شيخ عزيز الرحمن

كان ماينال حقو يحمل عصا من الخزيران في يده عندما أطلقت الشرطة النار عليه من مسافة قريبة، كانت المنازل من حوله في القرية التي نشأ فيها مدمرة أو مشتعلة بالنيران من الشرطة.

عندما سقط حقو على الأرض ضرب الضباط جسمه بالهراوات بشدة بينما عبر المصور - الذي عينته الشرطة لتوثيق الغارة - فوق جسده وداس عليه بقوة - ظهر هذا المشهد في مقاطع الفيديو -، وبمجرد أن مات حقو حمله الضباط وألقوا به في الجرافة.

تقول زوجته مامتاج بيجوم وهي تبكي: "لم يكن يحمل إلا عصا لكنهم أطلقوا النار على صدره، لقد قتلوه بطريقة وحشية، قتلت الشرطة العائل الوحيد لأسرتنا فكيف سنعيش من دونه؟".

كان حقو - 33 عامًا - أبًا لثلاثة أبناء ويعيش في دهالبور - مجموعة قرى شمال شرق ولاية آسام الهندية - ويكسب قوت يومه من زراعة الخضراوات في أرض خصبة بجوار نهر براهمابوترا ويبيعها في السوق.

هذه الحملة جزء من حملة واسعة في آسام لتصوير المسلمين البنغال كأجانب لا يستحقون حقوق المواطنة، ويجب عليهم العودة إلى بنغلاديش رغم أن معظمهم وُلد في الهند

مثل معظم سكان القرية - البالغ عددهم 25 ألف نسمة - فهو مسلم بنغالي - تعود أصوله للبنغال ويتحدث البنغالية - وقد عاش كامل حياته في هذا المجتمع الذي تأسس في سبعينيات القرن الماضي، جاء معظم المهاجرين إلى دهالبور من مناطق أخرى بآسام بعد أن فقدوا أراضيهم بسبب التعرية، وخلال خمسة عقود زرع المجتمع الأرض وبنى منازله وزرع الأرز وأنتجه بجوار ضفة النهر.

لكن في صباح يوم 23 من سبتمبر/أيلول، جاءت الشرطة لإبعاد سكان دهالبور، ووفقًا لحكومة ولاية آسام التي يديرها حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي القومي "BJP" الذي يحكم الهند أيضًا، فإن المجتمع البنغالي المسلم يعتدي على أراضٍ بشكل غير قانوني تعود للحكومة وأراضٍ أخرى تنتمى لمعبد شيفا القديم.

يعتقد الكثيرون أن حملة الإجلاء العنيفة التي تسببت بمقتل حقو والصبي شيخ فريد - 12 عامًا - بالإضافة إلى جرح العشرات من بينهم رجال شرطة، ليس لها علاقة باستعادة الأراضي العامة، إذ يرى السكان والنشطاء والباحثون أن هذه الحملة جزء من حملة واسعة في آسام لتصوير المسلمين البنغال كأجانب لا يستحقون حقوق المواطنة، ويجب عليهم العودة إلى بنغلاديش رغم أن معظمهم وُلد في الهند.

التعديل الذي أجرته الحكومة على قانون المواطنة يعني أن الهندوس خارج السجل القومي يستطيعون التقدم بطلب للحصول على المواطنة، بينما يواجه المسلمون حالة انعدام الجنسية أو الطرد أو الاعتقال

تقول أنغانا تشاترجي - عالمة أنثروبولوجيا في جامعة كاليفورنيا، بيركلي - التي كتبت دراسة مؤخرًا عن الانتهاكات في آسام: "هذا الإجلاء في دهالبور جزء من حملة حزب "BJP" لتسييس ونزع حقوق المواطنة عن المسلمين البنغال في آسام، وهو طريق خطير للغاية".

"لقد رأينا الحماسة القومية المخيفة التي تنتج عن عمليات الإجلاء تلك، فهي تكرر سياسة "فرق تسد" العنيفة: تقسيم المجتمعات وفقًا للدين لتأسيس مجتمع ذي أغلبية هندوسية في النهاية".

منذ عقود، ابتُليت آسام بمخاوف انقسامية من أن الغرباء خاصة من البنغال وبنغلاديش المجاورتين يستقرون بشكل غير قانوني، لكن التوترات ازدادت سوءًا منذ أن وصل حزب "BJP" إلى حكم ولاية آسام في 2016، فقد وجد المسلمون البنغال أنفسهم منبوذين ومشيطنين بوصفهم غرباء ومتسللين.

عانى المسلمون البنغال كثيرًا من سجل المواطنين القومي "NRC" وهو فحص أجرته حكومة "BJP" عام 2019 على جميع مواطني آسام لاكتشاف المهاجرين غير الشرعيين، وبينما وجد أكثر من مليون مسلم وهندوسي - من أصل بنغالي وكثير منهم مولود في آسام - أنفسهم خارج السجل، فإن التعديل الذي أجرته الحكومة على قانون المواطنة يعني أن الهندوس خارج السجل القومي يستطيعون التقدم بطلب للحصول على المواطنة، بينما يواجه المسلمون حالة انعدام الجنسية أو الطرد أو الاعتقال.

شدد حزب "BJP" هذا العام من لهجته بشأن طرد المتسللين من آسام، ففي تجمع انتخابي في آسام بشهر يناير/كانون الثاني قال وزير الداخلية آميت شاه الحليف المقرب لرئيس الوزراء ناريندرا مودي: "هل تريدون أن تصبح آسام خالية من المتسللين أم لا؟ وحده حزب "BJP" يستطيع القيام بذلك".

بينما ألقى يوغي أديتياناث - راهب هندوسي متشدد ورئيس الوزراء في ولاية أوتار براديش - خطابات في شهر مارس/آذار ذكر فيها المتسللين في آسام، وفي هذا الشهر نشر الحزب بيانًا في آسام يتعهد فيه باستعادة الأراضي من المتسللين غير الشرعيين وتسليمها لسكان آسام الأصليين.

كرر رئيس وزراء آسام هيمانتا بيسوا سارما - التابع للحزب - إشارته للمسلمين البنغال في الولاية بأنهم المغول، أي الغزاة المسلمون للهند.

أميت شاه
وزير الداخلية آميت شاه يتحدث عن جعل ولاية آسام خالية من المتسللين

في يونيو/حزيران تحول الانتباه بشكل خاص إلى دهالبور، ففي أثناء زيارة للمنطقة أعلن سارما أن الأرض احتلها المستوطنون غير الشرعيين، وأعلن أنهم سيستعيدون دهالبور من أجل مشروع زراعي لصالح السكان الأصليين الشباب، كجزء من تعهد الحزب بإنقاذ الأرض والهوية الآسامية من المعتدين والمتطفلين.

جاء هذا البيان رغم أن 80% من سكان دهالبور مسجلون في السجل القومي الأخير للمواطنين، ما يثبت أنهم مواطنون شرعيون لآسام.

بعد عدة أيام وقعت عملية الإجلاء الأولى في دهالبور باقتلاع 48 عائلةً بنغاليةً مسلمةً وأسرة واحدة هندوسية بنغالية، قدمت 246 أسرةً أخرى من المجتمع التماسًا للمحكمة العليا يطالبون بحمايتهم من الإجلاء.

لكن في 18 من سبتمبر/أيلول تلقى المزيد من القرويين في دهالبور تحذيرًا بضرورة تركهم منازلهم، وبعد يومين بدأت عملية الإجلاء الكبرى بإجبار 1100 أسرة على ترك منازلهم، لكن حملة الإجلاء في 23 من سبتمبر/أيلول كانت الأكبر، فقد وصلت قوة الولاية بأكملها لإجلاء 250 أسرة باقية في دهالبور - نحو 2000 شخص -، ورغم أن القضية ما زالت في المحاكم، قال المواطنون إن الشرطة وصلت مساء 22 من سبتمبر/أيلول وأشعلت النار في عدة منازل كتحذير.

أكثر من 1200 ضابط شرطة وصلوا إلى دهالبور - بعضهم بالجرافات - وبدأوا في هدم المنازل والمساجد والمدارس في القرية

في اليوم التالي، وفقًا لشهادات الشهود ومقاطع الفيديو فإن أكثر من 1200 ضابط شرطة وصلوا إلى دهالبور - بعضهم بالجرافات - وبدأوا في هدم المنازل والمساجد والمدارس في القرية، يقول نور حسين - مواطن من دهالبور -: "بدأ رجال الشرطة بهدم وإشعال النار في بعض الأكواخ، ما ترك أهل القرية غاضبين للغاية، لقد سمعنا أيضًا أصوات طلقات نارية".

بدأ آلاف السكان في دهالبور بالتظاهر ورفض بعضهم الانصياع لعمليات الإجلاء، وفقًا لعين الدين - شقيق حقو - فقد حمل حقو عصاة وحاول طرد الشرطة خارج منزله، فردوا بإطلاق النار على صدره وقتلوه في الحال، نتيجة هذا العنف جُرح العشرات - بينهم رجال شرطة - وقُتل صبي عمره 12 عامًا يُدعى شيخ فريد.

قال إن سي أسانثا - ناشط اجتماعي وضابط شرطة متقاعد - إن هذا الإجلاء ينتهك معايير بروتوكول الشرطة، ووصف أفعالهم بأنها ظالمة وجائرة وفوق كل ذلك غير مهنية.

أنكر روبام غوسوامي - قائد كبير في حزب "BJP" في آسام - وجود أي دوافع دينية خلف عمليات الإجلاء، وقال إن الشرطة ردت بالقوة فقط بعد أن هاجم 10 آلاف شخص الشرطة بالعصي والسيوف في دهالبور.

حصل بعض السكان المبعدين على أراضٍ للانتقال إليها من الحكومة، لكنها عرضة للفيضانات، لم تمنحهم الحكومة كذلك أي وثائق رسمية للتوطين وتركتهم عرضة للإجلاء في المستقبل

يقول غوسوامي: "هؤلاء الذين تعرضوا للإجلاء كانوا معتدين، كانوا يحتلون الأرض بشكل غير قانوني، هذه هي الحقيقة، يقول البعض إن هناك قضية دينية في حملة الإجلاء لكنها ليست كذلك، فمنذ أن وصل حزب "BJP" للسلطة في آسام 2016 وهو يحاول إبعاد كل المعتدين عن الولاية، فحتى المعتدين الهندوس تعرضوا للإجلاء".

في هذا الأسبوع، أصدرت المحكمة العليا في آسام أمرًا للحكومة بتقديم إفادة خطية بشأن عمليات الإجلاء، حصل بعض السكان المبعدين على أراضٍ للانتقال إليها من الحكومة، لكنها عرضة للفيضانات، لم تمنحهم الحكومة كذلك أي وثائق رسمية للتوطين وتركتهم عرضة للإجلاء في المستقبل دون أي إثبات لحقوقهم، هناك آخرون لم يحصلوا على أي شيء، فقد أصبح هناك 2000 شخص بلا مأوى.

لا تزال عمليات الإجلاء مستمرة، ففي الأسبوع الماضي تلقت أكثر من 500 أسرة بنغالية مسلمة في دهالبور والقرى المجاورة تحذيرًا بالإجلاء، في الوقت نفسه، بدأ المقاولون في العمل بحراثة الأرض التي عاش فيها جيرانهم يومًا ما، بالنسبة لسكان دهالبور السابقين، فهذا الأمر تذكير صارخ بمكانتهم المتزعزعة في مجتمع آسام.

يقول ماجد علي - 58 عامًا وأحد سكان دهالبور -: "إننا مواطنون هنود مثلهم، ومع ذلك فإنهم يطردوننا من أرضنا، أليس لنا حقوق كمواطنين في الهند".

المصدر: الغارديان