ترجمة وتحرير: نون بوست

وصلت مساعدات ضخمة من دول الناتو إلى أوكرانيا في ظل المخاوف من غزو روسي وشيك، وقد وصف الرئيس الأمريكي جو بايدن أي هجوم محتمل بأنه قد أن يغير العالم إلى الأبد، مشيرا إلى أنه سيكون الحدث الأهم منذ الحرب العالمية الثانية.

مع ذلك، تم إحراز تقدم مهم وسط تصاعد التوتر، حيث اتفقت موسكو مع كييف على وقف إطلاق النار شرقي أوكرانيا بعد أكثر من ثماني ساعات من المفاوضات في باريس ضمن هيئة نورماندي الرباعية التي تضم فرنسا وألمانيا باستثناء روسيا وأوكرانيا.

تمثل هذه المحادثات إشارة إيجابية بعد شهور من التصريحات العدائية بين الجانبين، لكن أوكرانيا حصلت في الآن ذاته على كل الدعم من الولايات المتحدة وحلف الناتو، رغم فشلها في الانضمام بشكل رسمي إلى الحلف حتى اللحظة الراهنة.

في الواقع، كان دافع روسيا الرئيسي لحشد عدد كبير من قواتها على الحدود الأوكرانية هو الخطوات التي اتخذتها أوكرانيا للانضمام إلى الحلف. سنة 2021، أعلن الناتو ترحيبه بتطلعات أوكرانيا وجورجيا للانضمام إلى الناتو.

باعتبار أوكرانيا دولة ذات أراضي منبسطة ولا توجد بها حواجز طبيعية للدفاع ضد غزو بري، ترى روسيا أن زحف الناتو باتجاه الشرق يضر بأمنها. لكن رغم تنديد روسيا بهذه الخطوات، استمر الناتو بمنح العضوية لدول أوروبا الشرقية. وقد حذر الرئيس بوتين أوكرانيا في مناسبات عديدة من الانضمام إلى الناتو.

آخر تلك التحذيرات كانت عندما أدت المظاهرات المؤيدة للغرب إلى سقوط الحكومة الموالية لروسيا في أوكرانيا سنة 2014. أصبح انضمام كييف إلى الناتو حينها مسألة شبه حتمية، وأمر بوتين قواته بالزحف داخل البلاد وضم شبه جزيرة القرم، حتى يتمكن من الوصول بسهولة إلى ميناء سيفاستوبول. لم تستطع أوكرانيا الانضمام إلى حلف الناتو في ذلك الوقت، وتدهورت العلاقة بين روسيا والغرب بشكل غير مسبوق.

عندما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم، لم يتحرك حلف الناتو لنجدة أوكرانيا، وأدركت كييف أن الغرب عاجز عن مساعدتها على الرغم من أن الدب الروسي كان على حدودها. شجع هذا الأمر الرئيس بوتين على مواصلة التحرش بأوكرانيا، وكان أحد الأسباب التي دفعته إلى حشد أكثر من مليون جندي على الحدود في انتظار أوامره بالتقدم.

لكن الناتو تعهد هذه المرة الناتو بالدفاع عن أوكرانيا، وأرسل صواريخ ودبابات وطائرات مقاتلة وأسلحة الأخرى إلى كييف. كما أصدرت الولايات المتحدة تعليمات لبعض الوحدات في أوروبا بالتحرك استعدادا لردع روسيا، وفق ما ذكره موقع أوراسيان تايمز في وقت سابق.

في الوقت الحالي، تبدو دول الحلف المناهض لروسيا واضحة للعيان. من الضروري في المقابل تحديد الدول التي من المحتمل أن تدعم موسكو في حال اندلاع حرب بين روسيا وأوكرانيا. ورغم أن الخبراء يستبعدون اندلاع حرب واسعة النطاق، لا يمكن في الآن ذاته إقصاء هذا الاحتمال بالنظر إلى ضخامة الحشود الروسية على الحدود مع أوكرانيا.

من سيدعم روسيا؟

هناك رأي سائد في الغرب حول بوتين، يفيد بأنه رجل أفعال أكثر منه سياسي محنك استراتيجيا. عندما تولى جو بايدن الرئاسة، وصف فلاديمير بوتين بأنه "قاتل"، ما أثار غضب الروس في ذلك الوقت. مع ذلك، لا ينبغي للرأي العام العالمي أن يعتقد أن بوتين لا يحسن التخطيط الاستراتيجي وأنه يتخذ قراراته بشكل متهور.

صورة
رئيس تركمانستان قربانقلي بردي محمدوف مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

تملك موسكو العديد من المجموعات الموالية لها في المنطقة، منها قوات في منطقة دونباس في أوكرانيا التي طالما اتُهمت بالتسبب في زعزعة الاستقرار. تتحدث غالبية هذه القوات اللغة الروسية، وفي حال نشوب حرب، من المتوقع أن تكون أول من يقف إلى جانب روسيا.

علاوة على ذلك، من المنتظر أن تقف منظمة معاهدة الأمن الجماعي (وهي تحالف عسكري شبيه بحلف الناتو) إلى جانب روسيا. تعد المنظمة في الأساس تحالفا أمنيا مكونا من جمهوريات سوفياتية سابقة، و إذا تعرضت روسيا للهجوم، فإن الدول الست التي تشكل منظمة معاهدة الأمن الجماعي (روسيا وأرمينيا وبيلاروسيا وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان) من المنتظر أن تقف إلى جانب موسكو.

بسبب الانسحاب الأمريكي المفاجئ من أفغانستان واستقديلاء طالبان على السلطة، ازدادت المخاوف الأمنية بين دول غرب آسيا، مما جعلها تسعى للتقرب من روسيا.

استغل بوتين الفرصة التي أتيحت له عندما اندلعت احتجاجات واسعة النطاق في أكثر دول المنطقة ازدهارًا، كازاخستان، من خلال حشد قواته لدعم الحكومة. وقد ساهم ذلك في استعادة ثقة دول منظمة معاهدة الأمن الجماعي في روسيا ومصداقية التحالف بشكل عام.

ورغم أن المنظمة ليست مصممة للتعامل مع المشاكل الداخلية، فإن بعض هذه الدول أو جميعها سوف تسارع بلا شك إلى مساندة الرئيس بوتين إذا قرر غزو أوكرانيا.

ومن المتوقع أيضا أن تقف دولة أخرى من منطقة القوقاز، وهي أذربيجان التي ليست عضوا في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، إلى جانب روسيا، وتتجاهل أي دعوات للوقوف ضد موسكو في حال نشوب صراع.

سنة 2020، توسط الرئيس الروسي لعقد هدنة بين أرمينيا وأذربيجان في ظل الصراع حول منطقة ناغورني كاراباخ. ورغم محاولات عدة دول لوقف الصراع، كان تدخل بوتين هو التدخل الحاسم الذي نتج عنه اتفاق لوقف إطلاق النار، واعتبر ذلك انتصارا لأذربيجان.

تمركزت القوات الروسية عقب ذلك في المنطقة المتنازع عليها وحولها لتجنب نشوب صراع عرقي جديد، لذلك من شبه المؤكد أن أذربيجان لن تقف مع أي أطراف ضد روسيا حتى لو لم تدعمها علانية.

بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط، ستكون إيران من بين الدول التي تدعم روسيا بطريقة أو بأخرى. بعد انهيار الاتفاق النووي، دأبت روسيا على دعم إيران. وبينما تصاعدت التوترات على مر السنين بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، وإيران من جهة أخرى، زودت روسيا إيران بالأسلحة ولا تزال تتعاون معها على الساحة السورية.

وعندما تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران بعد اغتيال الجنرال قاسم سليماني، أدانت موسكو الهجوم علانية. ومع استمرار تعرّضها للعقوبات الاقتصادية التي تفرضها الولايات المتحدة، من المتوقع أن تدعم إيران روسيا بقوة.

وعلى رأس هذه الدول نجد الصين، وهي الشريك الرئيسي لروسيا. وقد عمقت موسكو شراكتها مع بكين على مر السنين في ظل تصاعد التوتر بين الغرب والصين.

في الواقع، تربط بين روسيا والصين شراكة متعددة الأبعاد، تتراوح بين التجارة والتعاون العسكري والفضاء، لذلك طلبت الصين من الولايات المتحدة التخلي عن "عقلية الحرب الباردة" وأخذ مخاوف روسيا الأمنية على محمل الجد، ومن المنتظر أن تدعم روسيا في حال نشوب أي نزاع.

صورة
فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جين بينغ

على مقربة من الصين، توجد دولة معزولة لكنها تحظى بأهمية استراتيجية، وهي كوريا الشمالية. نظرا لأنها دولة شيوعية، هي الحليف الرئيسي لبكين وشريك الاتحاد السوفياتي السابق، تظل الدولة الأكثر عدوانية تجاه الولايات المتحدة وحلفائها. في الواقع، عرقلت الصين وروسيا مؤخرا محاولة الولايات المتحدة فرض عقوبات على كوريا الشمالية في الأمم المتحدة بعد سلسلة من التجارب الصواريخية في البلاد. لذلك، ما من شك في أن كوريا الشمالية ستدعم روسيا بكل قوة في حال اندلاع حرب واسعة النطاق.

وتعدّ الهند واحدة من أكثر الدول أهمية في آسيا من الناحية الجيوسياسية، وهي معروفة عادة بأنها دولة غير منحازة، رغم علاقاتها القوية مع روسيا والغرب. حتى خلال الحرب الباردة، كانت الهند من أولى الدول التي رفعت راية حركة عدم الانحياز.

لن يكون من السهل على الهند أن تقرر إلى أي جانب ستنظم، بالنظر إلى حقيقة أن لديها علاقة وثيقة للغاية مع كل من روسيا والولايات المتحدة.

تتميز الشراكة بين الهند وروسيا بالتعاون في المجال الدفاعي، أما السبب الرئيسي لتعاونها مع الولايات المتحدة فهو خوفها من الأطماع الصينية، وقد اتبعت نيودلهي نهجا شديد الصرامة من أجل تجنب أي نوع من العداء مع البلدين. لذلك، من غير المرجح أن تدعم الهند أي هجوم ضد روسيا، بغض النظر عن الضغوط الغربية.

صورة
بوتين ورئيس وزراء الهند مودي

أما بالنسبة للقارة الأمريكية، تعد كوبا أحد أقدم شركاء روسيا، وتعرف هذه الدولة الشيوعية بتعاونها الوثيق سابقا مع الاتحاد السوفياتي. ناقش الرئيس فلاديمير بوتين والرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل مؤخرا خطّة "التعاون الاستراتيجي" وتعهدا بـ"تعزيز العلاقات الثنائية"، مما أثار التكهنات بأن كوبا ستقف إلى جانب روسيا في حال نشوب أي نزاع. وقال نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، لشبكة التلفزيون الروسية "آر تي في إي" إنه لا يمكنه "تأكيد أو استبعاد" إمكانية إرسال روسيا معدات عسكرية إلى كوبا إذا لم تستجب الولايات المتحدة وحلفاؤها لمطالب موسكو.

قد تكون القائمة أطول مما ذكر أعلاه، لأن الولاءات و الاصطفافات يمكن أن تتغير بسرعة اعتمادا على عوامل مختلفة.

ورغم أن جميع الدول تعارض علنا نشوب أي حرب، إلا أن غزو أوكرانيا يمكن أن يؤدي إلى حرب عالمية ثالثة كما يتوقع العديد من المحللين.

المصدر: أوراسيان تايمز