يعتبر زيلينسكي الهدف الأول للغزو الروسي

يعتبر زيلينسكي الهدف الأول للغزو الروسي

قبل سنتين من الآن، لم يكن فولوديمير زيلينسكي معروفًا إلا في الوسط الفني الأوكراني، فقد كان ممثلًا كوميديًا مشهورًا، لكنه استغل نقمة الأوكرانيين على رجال السياسة التقليديين وشهرته الفنية للتسويق لشخصيته باعتباره رجل المرحلة الذي سينقذ البلاد من الفساد، فكان له ما أراد وتقلد الرئاسة، إلا أن الأمر لم يكن كما صوره في أحد مسلسلاته الكوميدية، إذ سرعان ما وجد نفسه في وجه رجل المخابرات السوفيتي فلاديمير بوتين.

في هذا التقرير لـ"نون بوست"، سنحاول التعرف أكثر على شخصية فولوديمير زيلينسكي ورحلته من خشبة المسرح وإطار الشاشة إلى رئاسة أوكرانيا وحرب روسيا ضد بلاده.

زيلينسكي الممثل

أتى فولوديمير زيلينسكي من بلدة كريفي ريخ الصناعية قرب مدينة دنيبرو في وسط أوكرانيا، وهو أب لولدين، وينحدر من أسرة يهودية يعمل أغلب أفرادها في البحث العلمي، تخرج في جامعة كييف الوطنية للعلوم الاقتصادية التي حصل منها على شهادة في القانون، إلا أنه اختار طريقًا آخر بعيدًا عن مجال دراسته.

اختار أن يختص في التمثيل، فكانت مهنته الحقيقية على خشبة المسرح بين جمهوره، كما تولى زيلينسكي البالغ من العمر 44 عامًا الإدارة الفنية لشركة إنتاج "كفارتال 95"، وهو المؤسس المشارك لتكتل شركات متخصصة بالترفيه معروفة في أوكرانيا وروسيا ببرامجها وعروضها، كما شارك في شبابه بشكل منتظم في برنامج فكاهي تنافسي كان يبث من خلال التليفزيون الروسي.

كان جل اهتمام زيلينسكي منصبًا على عمله التليفزيوني والسينمائي، إذ شارك في العديد من الأفلام على غرار "الحب في المدينة الكبيرة" عام 2009 و"ريفسكي مقابل نابوليون" سنة 2012، إلى جانب مسلسل "خادم الشعب" الذي اشتهر به كثيرًا وكان مطيته لدخول معترك السياسة.

في أكتوبر/تشرين الأول 2015، عرضت الحلقة الأولى من مسلسل "خادم الشعب" للمرة الأولى عبر شبكة 1+1، أدى زيلينسكي خلاله دور فاسيلي غولوبورودكو الذي كان صعوده سريعًا إلى القمة وتقلد منصب الرئيس.

اتهمت موسكو كِييف بالذهاب للمعسكر الغربي والتحالف مع حلف الناتو، وهو ما يُهدّد سلامتها الترابية

كان غولوبورودكو مدرس تاريخ إلا أنه أصبح رئيسًا للجمهورية بعد انتشار فيديو له ينتقد فيه الفساد، إذ صوره أحد تلاميذه وهو يتحدث غاضبًا عن الفساد في أوكرانيا وينتقد الحكومة والنخبة بلهجة حادة، انتشر الفيديو الذي حمل عنوان "مدرس تاريخ يفقد صوابه" انتشارًا كبيرًا، وبدأ الناس بمطالبته بالترشح لرئاسة البلاد بسبب استيائهم أيضًا من الفساد والحكومة والنخبة.

ترشح مدرس التاريخ للرئاسة وحقق نجاحًا مبهرًا وفاز بنسبة 67% من الأصوات، وتنقلب حياته رأسًا على عقب، ويدلّه مساعدوه على كل شيء يحتاجه، بداية مما سيرتديه من الملابس والأحذية والساعات، إلى طريقة حديثه وتعبيرات وجهه وما سيقوله للصحافة والشعب، ويتحول بمرور الوقت إلى زعيم حقيقي يلتف الشعب حوله ويسانده لمحاربة الفساد وبذخ النخبة التي تحاربه.

بدأ هذا الرئيس في محاربة الفساد وهدم مراكز البيروقراطية ورموز السلطة الفاسدة، وفق ما يظهره المسلسل، غير أن المطاف انتهي به بالسجن وسيطرة القوميين المتشددين ورموز النظام القديم على الدولة التي تنقسم لاحقًا إلى 28 ولاية.

رئاسة الدولة

استثمر زيلينسكي شهرته وترشح للرئاسة منافسًا للرئيس المنتهية ولايته بترو بوروشنكو، وحتى في حملته الانتخابية لم يبتعد عن الفكاهة، إذ ارتأى تقديم عروض كوميدية مجانية يسخر فيها من منافسيه، ولجأت حملته إلى الدعاية عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشكل أساسي، وتجنب أي حوارات تليفزيونية سياسية أو أي نقاشات سياسية مع المنافسين.

خلال العروض الكوميدية، كان زيلينسكي يُردّد دائمًا جملة ساخرة من منافسه الأبرز بترو بوروشينكو وهي "لماذا يترشح بوروشينكو لفترة رئاسية ثانية؟ حتى لا يقضي هذه الفترة في السجن"، في إشارة إلى تورطه في ملفات فساد.

استغل الممثل الكوميدي أيضًا التطورات التي حصلت في بلاده وضم الروس لشبه جزيرة القرم وتنامي الدعوات الانفصالية في شرق البلاد فضلًا عن خروج الأوكرانيين للشوارع رفضًا للفساد، مؤكدًا قدرته على قيادة البلاد والقيام بإصلاحات ومكافحة الفساد والقضاء عليه ووضع حد للنخب السياسية التقليدية، حتى تنهض أوكرانيا وتتقدم وتسترجع وحدتها الترابية، خاصة أنه مرشح من خارج النظم السياسية التقليدية.

فاز فولوديمير زيلينسكي في الانتخابات، فقد حصد نسبة تصويت عالية وصلت إلى 73.15% من الأصوات في دورة الاقتراع الثانية مقابل 24.52% من أصوات الناخبين للرئيس المنتهية ولايته صاحب الـ53 عامًا، ما اعتبر حينها انتصارًا مهمًا للشعبوية في أوروبا وتقهقرًا للنخب السياسية التقليدية.

العلاقة مع روسيا.. المشكلة الكبرى

بدأ زيلينسكي رحلة الحكم وانتقل من ممثل كوميدي إلى رئيس جمهورية أوكرانيا، وأبدى في بداية رئاسته رغبته في إطلاق مفاوضات مع روسيا بمشاركة الولايات المتحدة، لحل النزاع القائم بين البلدين منذ انتفاضة سنة 2014 التي أطاحت بالرئيس الموالي للكرملين وضم الروس شبه جزيرة القرم إلى سلطتها.

لكن الكوميديا عكس الواقع، فسرعان ما تفاقم صراع أوكرانيا مع روسيا رغم العلاقة الودية بين الرئيس الجديد وموسكو في بداية الحكم، خاصة مع الضغوط الروسية المتزايدة خارجيًا على بلاده ما حال دون تحقيق السلام في دونباس.

بعد أن كان همه مُنصبًا على المسرح وصياغة سيناريو مسلسل يُضحك المشاهدين، أصبح همّ زيلينسكي الآن كيفية حشد الدعم لبلاده لمواجهة العدو الروسي

اتهمت موسكو كِييف بالذهاب للمعسكر الغربي والتحالف مع حلف الناتو، وهو ما تراه يُهدّد سلامتها الترابية، لذلك بدأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أواخر سنة 2021 بنشر أعداد كبيرة من القوات الروسية بالقرب من حدود أوكرانيا، فيما عززت أوكرانيا قوة قواتها المسلحة وطلبت مساعدة الغرب للتصدي لعدوان روسي مرتقب.

رجل حرب

ألغى بوتين هذا الأسبوع اتفاق سلام أُبرم سنة 2015 في الشرق واعترف بالمناطق الخاضعة لسيطرة الانفصاليين على أنها مناطق مستقلة، وأعلن عن عملية عسكرية واسعة اعتبرتها كييف غزوًا واضحًا وسعيًا للإطاحة بالنظام.

مع انتهاء اليوم الأول من الغزو الروسي لأوكرانيا قال زيلينسكي في خطاب له: "سأبقى في العاصمة، عائلتي أيضًا في أوكرانيا، وبحسب المعلومات التي بحوزتنا، فقد حددني العدو على أنني الهدف رقم 1 وعائلتي هي الهدف رقم 2".

كما ذكر المتحدث باسم الخارجية الأمريكية نيد برايس، في تصريح لشبكة "سي إن إن" أن زيلينسكي يظل "الهدف رقم 1 للعدوان الروسي"، مضيفًا "إنه يمثل بطرق عدة، بل ويجسد حتى، التطلعات والطموحات الديمقراطية لأوكرانيا، للشعب الأوكراني".

خلال هذه الأيام، اكتشف الأوكرانيون شخصية جديدة في زيلينسكي، فلم يعد الممثل الكوميدي ولا الشعبوي الذي يعادي المؤسسات والنظم السياسية التقليدية، بل أصبح رجل حرب في مواجهة أشرس عدو خارجي في العهد المعاصر.

بعد أن كان همه منصبًّا على المسرح وصياغة سيناريو مسلسل يُضحك المشاهدين، أصبح همّ زيلينسكي الآن كيفية حشد الدعم لبلاده لمواجهة العدو الروسي والمحافظة على وحدة أراضي بلاده وسلامة المدنيين الذين يتعرضون للقصف الروسي العنيف.