ترجمة وتحرير: نون بوست

نؤيد تحليل العالم السياسي الأمريكي هال غاردنر الذي أكد لضرورة التوصل إلى حل محايد لأوكرانيا وموقف كلاوس لاريس والعديد من السياسيين الآخرين بما في ذلك هنري كيسنجر وستيف والت وأناتول ليفين وكاترينا فاندن هيوفيل والعديد من الزملاء الأوروبيين مثل هاينز جارتنر وآخرين في شبكة الدراسات المؤيدة الحياد الذين كانوا يدعون إلى حياد أوكرانيا منذ سنوات.

ليس من التهكم أن نطالب مرة أخرى بحل محايد للوضع الذي تحوّل من أزمة إلى حرب؛ حيث كان من الممكن تجنب هذه الحرب لو لم يسيء القادة في الغرب وفي كييف تفسير مطالب روسيا بضمانات أمنية وهيكل أمني مشترك ووقف توسع الناتو باعتباره تعديًّا على مجال نفوذها. ولا يهم ما إذا كان الناتو يشكل تهديدًا "حقيقيًا" لروسيا أم لا؛ الشيء الوحيد المهم هو ما يعتقده القادة الروس، وفي الوقت الحالي؛ نعتقد أنهم على استعداد لخوض الحرب حتى يصبح من المستحيل تمامًا على أوكرانيا أن تحلم بعضوية الناتو مرة أخرى.

ما يبدو واضحًا أن فلاديمير بوتين يرتكب جريمة؛ حيث يُعدُّ غزو أوكرانيا انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، وقواعد النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية،  وببساطة غير مبرر له. لن أبرر أبدًا حربًا عدوانية. كما أن ضم بوتين لشبه جزيرة القرم جريمة، لأنه يمثل خرقًا لمذكرة بودابست، ولا أكتب هذا المقال من أجل تقديم أعذار لتحركات بوتين بل مجرد تفسير لماذا تخوض روسيا حربًا على دولة مجاورة لها. في الحقيقة؛ تُعتبر مهاجمة روسيا لأوكرانيا منطقية مثل مهاجمة السويد للنرويج أو الولايات المتحدة لكندا، فعلى الرغم من أن هذه الحرب ستكون نتائجها مأساوية إلا أنها ما كانت اندلعت لو ما كانت هناك مشكلة خطيرة.

كان تأكيد الناتو أن لأوكرانيا وجورجيا الحق في عضويته في قمة بوخارست في سنة 2008 خطأً فادحًا، فلقد عززت تلك الخطوة الجبهات السياسية داخل الدولتين، مما دفع جورجيا إلى الاعتقاد بأن الناتو سيساعد في إعادة مناطقها الانفصالية، مما هيأ الأرضية للحرب الروسية الجورجية سنة 2008، ونحن نشهد تكرار ذلك السيناريو على نطاق أوسع بكثير في أوكرانيا. علاوة على ذلك؛ كان دعم الغرب الخطابي لانتفاضة الميدان خطأً آخر؛ حيث أدى ذلك على الفور إلى ضم شبه جزيرة القرم - التي تحتل موقعًا إستراتيجيًّا في البحر الأسود - وتركيز قاعدة بحرية روسية فيها، وهو الأمر الذي من شأنه أن يعرقل جهود الناتو؛ حيث يصبح جعل أوكرانيا قاعدة أمامية للحلف مخاطرة.

حتى ذريعة التدخل "لأغراض إنسانية" استخدمها الناتو لفرض منطقة حظر طيران صادرة عن الأمم المتحدة فوق ليبيا، لكنه استمر بعد ذلك في قصف المواقع العسكرية الإستراتيجية مما أدى إلى سقوط نظام القذافي.

كان فشل الغرب لمدة 7 سنوات في الضغط على أوكرانيا لتنفيذ اتفاقيات مينسك الثانية وبدء عملية الفيدرالية هو الخطأ الثالث؛ حيث لم يعترف بوتين بالمنطقتين الأوكرانيتين الانفصاليتين حتى أسابيع قليلة مضت لأن اتفاقية مينسك الثانية كانت ستوفر طريقًا لروسيا للحصول على ما تريد دون حرب ورد فعل دولي عنيف، لكن هذه الفرصة ضاعت مرة أخرى، فقد بدأ القادة الغربيون فقط في  التذكير بأهمية اتفاقية مينسك الثانية في شباط/فبراير من هذه السنة، عندما رمت روسيا بها عرض الحائط بعد أن طالبوا بتنفيذها لسنوات عديدة.

تتصرف روسيا بعقلانية تامة، مثل المجرم، ولكن كمجرم عقلاني. ودعوني أوضح أن تحركات روسيا الحالية لا تعد الأولى من نوعها، فلقد كان الغرب يتصرف بشكل إجرامي منذ سنوات؛ حيث فسح المجال لموسكو لتُقدم على ما فعلته في الوقت الحالي. بالأحرى؛ مكنتها من الحصول ذريعة ملفقة لغزو بلد بطريقة غير مشروعة من خلال ادعاءات كاذبة؛ على غرار الادعاءات دفعت أمريكا لغزو العراق مثل "أسلحة الدمار الشامل".

إن تغيير الوضع الإقليمي دون موافقة الدولة ذات سيادة المعترف بها دوليًا - مثل كوسوفو - قد تحقق، كما أن شن غزو عسكري دون تفويض من الأمم المتحدة - مثل حرب العراق - أمر تحقق، إضافة إلى أن الاعتراف من جانب واحد بالتغييرات الحدودية التي حدثت من خلال الحرب - مثل اعتراف الولايات المتحدة بمرتفعات الجولان - تحقق، ولهذا فإن روسيا لا ترحم في استخدام كتاب قواعد اللعبة الغربية لخدمة مصالحها الخاصة، هي فقط لا تملك المهارات الكافية لحشد الدعم الدولي.

حتى ذريعة التدخل "لأغراض إنسانية" استخدمها الناتو لفرض منطقة حظر طيران صادرة عن الأمم المتحدة فوق ليبيا، لكنه استمر بعد ذلك في قصف المواقع العسكرية الإستراتيجية مما أدى إلى سقوط نظام القذافي.

وفي حالة أوكرانيا؛ سوف يستغرق الأمر سنوات لتحديد من أطلق النار أولًا، وكم عدد مواطني دونباس الذين قُتِلُوا على يد القوات الأوكرانية وكم عدد المواطنين الذين قُتِلُوا على يد القوات الروسية، ومن نفذ عمليات القصف، وما إذا كانت مزاعم روسيا بارتكاب فظائع جماعية في دونباس صحيحة، فيما تتمثل المأساة في أن هذه الحرب مسمار آخر دُق في نعش معايير منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ومبادئها التي كنا نأمل أن تضمن السلام في القارة الأوروبية الآسيوية.

كان من الممكن أن يكون الحياد الأوكراني بإرساء نظام فيدرالي حلاً ينزع فتيل التوترات القائمة بين البلدين منذ سنوات عديدة؛ فحتى قبل أشهر فقط، كانت مسودة معاهدات بوتين المؤرخة 17 كانون الأول/ديسمبر من السنة الماضية مطلبًا أساسيًا للحياد الأوكراني. لم تذكر المعاهدات السياسة، ربما لتجنب إعطاء الغرب فرصة مسبقة لرفض تحييد أوكرانيا. في الوقت الحالي؛ بعد أن هاجمت روسيا، اقترح بوتين عودة أوكرانيا إلى مادة الحياد التي كان ينص عليها دستورها قبل سنة 2014، وتحدث عن ذلك مرة أخرى في خطاب متلفز، كما وردت تقارير عن عرضه مناقشة تحييد القيادة الأوكرانية وتجريدها من السلاح. في مرحلة ما؛ سمعنا أن أوكرانيا من المحتمل أن تكون على استعداد لقبول وضع الحياد

لا يعتبر الحياد الدائم حلًّا سيئًا، فهو يعتبر حل ذو طابع أوروبي للغاية لمشكلة تهدد أمن أوروبا للغاية وتشكل تهديدًا جيوسياسيًّا متبادلًا مستمرًا؛  ففي سنة 1815، تم تحييد سويسرا لإبقاء النمسا وفرنسا منفصلتين، وفرضت بلجيكا ولوكسمبورغ مسافة بين فرنسا وألمانيا

لسوء الحظ؛ لم تسفر المحادثات عن وقف إطلاق النار حتى اللحظة الراهنة، لكن من الواضح أن شرط حياد أوكرانيا يعتبر عنصرًا أساسيًّا في إستراتيجية التفاوض الروسية؛ حيث أشار سيرغي ناريشكين، رئيس جهاز الاستخبارات في موسكو، لمسألة الحياد خلال مقابلة أجراها يوم الخميس 3 آذار/مارس، وتطرق بوتين للموضوع ذاته في 5 آذار/مارس، كما أوضح أنه يرى إمكانية انضمام أوكرانيا إلى الناتو باعتبارها تهديدًا مميتًا لشبه جزيرة القرم ولروسيا.

من الهراء أن تحاول روسيا إعادة بناء الاتحاد السوفيتي، ويعد نشر مثل هذه الادعاءات من أجل بث الذعر والخوف في قلوب الغرب، فليس هناك ما يُثبت في  إستراتيجية التفاوض الروسية أو خطابها أنها تخطط لذلك، وتجدر الإشارة إلى أن أي زعيم سوفييتي لن يقبل أن يضم مجال نفوذه مناطق حيادية، وخير مثال  على ذلك ما حدث للمجريين عندما حاولوا أن يصبحوا محايدين في سنة 1956. في الواقع؛ تمارس روسيا لعبة مختلفة تمامًا، فهي تريد ببساطة إنشاء منطقة عازلة غير معادية حول أراضيها.

من هذا المنطلق؛ لسائل أن يسأل ما إذا كانت إستراتيجية الحياد ستنجح على أرض الواقع. نحن نعلم أن روسيا تريد ذلك وتقبله، فعندما أعلنت منغوليا حيادها في سنة 2015، قبلت كل من روسيا والصين ذلك لأنه وضع منطقي؛ حيث يُعتبر المحايدون عبارة عن دول عازلة تفرض مسافة مادية بين خصوم حقيقيين تساعد على تهدئة المعضلة أو المأزق الأمني. في المقابل؛ من شأن تعزيز أحد الأطراف بأسلحة من أجل "الدفاع" عن نفسه أن يؤدي بالطبع إلى انعدام الأمن لدى الطرف الآخر وتعزيزه لقوته النارية بدورهم، فتمثل الدول المحايدة المسلحة الذين لا يشكلون تهديدًا خطيرًا عوازل مثالية، وهذا بالضبط ما يبدو أن بوتين يريده؛ أي فرض حواجز بين قلب روسيا وحلف الناتو.

بالإضافة إلى ذلك؛ قبلت روسيا حياد مولدوفا وتركمانستان. يريد بوتين أوكرانيا محايدة، وهذا شرط منطقي لجميع الأطراف المعنية، وفي الوقت الحالي لم يعد هناك خيار آخر؛ حيث سيكون على أوكرانيا إعلان حيادها الدائم أو فرض تقسيمٍ دائمٍ عليها، أو في أسوأ الأحوال، فرض احتلالٍ دائمٍ على أراضيها.

من جانب آخر؛ قد يكون تحويل أوكرانيا لدولة فيدرالية منزوعة السلاح ومحايدة السبيل الوحيد للمضي قدمًا نحو السلام، مع بعض الفرص لأوكرانيا لاستعادة دونباس إذا كان ذلك النظام الفيدرالي سيكون على غرار نظام بلجيكا ولكن ذو مناطق فردية تتمتع بسلطات قوية بشأن مسائل السياسة الخارجية مطروحًا على طاولة المفاوضات.

في الحقيقة، لا يعتبر الحياد الدائم حلًّا سيئًا، فهو يعتبر حل ذو طابع أوروبي للغاية لمشكلة تهدد أمن أوروبا للغاية وتشكل تهديدًا جيوسياسيًّا متبادلًا مستمرًا؛  ففي سنة 1815، تم تحييد سويسرا لإبقاء النمسا وفرنسا منفصلتين، وفرضت بلجيكا ولوكسمبورغ مسافة بين فرنسا وألمانيا، وتم تحييد النمسا في سنة 1955 لاستعادة استقلالها دون أن تصبح تهديدًا في الناتو لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية. وقد نجح ذلك المخطط، ويمكن أن ينجح الأمر مرة أخرى مع أوكرانيا لأنه من الواضح أنه بالضبط الحل الوسط الذي تريد روسيا تحقيقه إذا قبل به الغرب وأوكرانيا. إذا أعلنت أوكرانيا حيادها الدائم ووقع شركاؤها الأمنيون على ذلك، فسيعمّ السلام من جديد.

المصدر: مودرن ديبلوماسي