لم يتمكن الشاب يوسف ناجي (23 عامًا) من مواصلة تعليمه، واضطر إلى تعليق دراسته الجامعية بعد عام من التحاقه بكلية التجارة جامعة إب وسط اليمن، بسبب عجزه عن توفير تكاليف الدراسة، ويراوده شعور بالمرارة والقهر مثل مئات الطلاب اليمنيين الذين أوقفوا تعليمهم الجامعي خلال سنوات الحرب في البلاد.

وخلال السبع سنوات الماضية، أجبرت الحرب وتردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، مئات الطلبة اليمنيين على إيقاف وتعليق دراستهم الجامعية، وأصبحوا عُرضة للاستقطاب والتجنيد من أطراف النزاع المسلح في البلاد، بينما فضل بعضهم الذهاب إلى أسواق العمل بحثًا عن العمل لمساندة أهاليهم وتغطية نفقاتهم اليومية.

وفي ظل أزمة إنسانية تعيشها البلاد، شهدت الأشهر الماضية تصعيدًا عسكريًا في جبهات القتال بين قوات الحوثيين الموالية لإيران، والقوات الحكومية المدعومة من السعودية والإمارات في جبهة مأرب وشبوة والبيضاء وتعز، بالتزامن مع تكثيف التحالف العربي لضرباته الجوية على صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين، ما انعكس سلبًا على حياة المواطنين وتفاقمت معاناتهم اليومية وعلى وجه الخصوص طلبة الجامعات الحكومية.

وخلال الأسابيع الماضية تضاعفت معاناة المواطنين المتفاقمة والمثقلة أصلًا بمعاناة وأزمات اقتصادية، فقد تضاعفت أزمة المشتقات النفطية، خصوصًا في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث وصل سعر 20 لترًا من البنزين إلى نحو 40 ألف ريال يمني أي ما يعادل نحو 70 دولارًا أمريكيًا، وتضاعفت أجور المواصلات والنقل، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية بشكل غير مسبوق.

يقول ناجي الذي أجبرته الظروف المعيشية على تعليق دراسته: "الأوضاع المعيشية تزداد قسوة يومًا بعد آخر"، مضيفًا لنون بوست "وجدت نفسي عاجزًا عن توفير تكاليف الدراسة الجامعية، فاضطرت إلى تعليقها لأجل غير مسمى وفضلت البحث عن عمل لتوفير متطلبات الحياة"، لافتًا إلى أنه يعمل حاليًَّا بمحل تجاري في مدينة إب الواقعة تحت سيطرة الحوثيين منذ خريف 2014.

ومع ارتفاع أسعار الوقود في اليمن خلال الفترة الماضية ارتفعت أجور المواصلات والنقل في البلاد بشكل كبير، فيقول ناجي إن تكاليف النقل من منطقته التي يسكنها بريف السياني إلى المدينة وصلت إلى نحو 3 آلاف ريال، وبالنسبة لناجي فإن هذا المبلغ يُمثل عبئًا ماليًا كبيرًا عليه، بالنظر إلى عمل والده بالأجر اليومي وتدني دخله، فلم يكن أمامه سبيل إلا إيقاف الدراسة والالتحاق بسوق العمل.

طلاب خارج الجامعات

في ظل استمرار الحرب من الصعب معرفة عدد الطلاب المحرومين من التعليم الجامعي في اليمن بشكل مباشر، لكن الدكتور محمود البكاري أستاذ علم الاجتماع بجامعة تعز اليمنية يقول: "الحرب حرمت أعدادًا كبيرةً من طلبة الجامعات الحكومية من مواصلة تعليمهم، فهناك طلاب وطالبات لا يتمكنون من الدراسة بسبب عدم مقدرتهم على توفير المواصلات للجامعة أو وجبة الإفطار".

"الحرب أثرت على عملية التحصيل العلمي وتردي العملية التعليمية بشكل كبير، فتم تدمير أعداد كبيرة من المنشآت التعليمية، بالإضافة إلى نزوح عدد كبير من الطلاب"، مشيرًا إلى أن ذلك يؤثر على طموح الطلاب ومعنوياتهم.

أنس حمود (24 عامًا) اسم مستعار حُرم من تحقيق حلمه في التعليم، واضطر للسفر إلى مدينة مأرب للالتحاق بصفوف القوات الحكومية، لكنه مؤخرًا فضل العودة للعمل بأحد مطاعم العاصمة صنعاء، لمساندة والده في تأمين الغذاء، والوقوف إلى جانب عائلته، ولسان حاله يقول: "خسرنا أحلامنا وحُرمنا من الدراسة".

يعمل والد أنس في التربية والتعليم بصنعاء، وهو بلا راتب منذ سبتمبر/أيلول 2016 وحتى اللحظة، إذ يعيش أوضاعًا قاسيةً على غرار مئات آلاف الموظفين الحكوميين المنقطعة رواتبهم في مناطق سيطرة الحوثيين.

قبل انقطاع راتب والده كان أنس يحلم بدراسة الهندسة والعمارة عندما كان في مراحل دراسته الأساسية، وبالفعل حصل على الثانوية العامة عام 2019، وحصّل علامات تمكنه من تحقيق حلمه الذي رسمه مبكرًا، لكن وضعه المعيشي المتعسر كان عائقًا أمام تحقيق ذلك الحلم.

يتحسر أنس لعدم تمكنه من تحقيق حلمه، واصفًا وضع طلاب الجامعات في اليمن بأنه صعب للغاية، لافتًا إلى أنه يعمل بجد في المطعم ويدعو الله أن يتمكن من الاستمرار في دعم والده ويجد الفرصة لتحقيق حلمه بالالتحاق بكلية الهندسة.

توافقه الرأي الصحافية اليمنية عهد ياسين التي وصفت وضع الطالب الجامعي بالـ"صعب"، بسبب التحديات التي يواجهها من أبرزها غلاء المعيشة وسوء الخدمات الأساسية والصحة النفسية.

وقالت الصحافية ياسين: "أثرت الحرب بشكل كبير وسلبي على الطلاب اليمنيين"، لافتة إلى أن مستقبل الطلاب مجهول في ظل هذه الأوضاع والتحديات التي لا تنتهي، مشيرة إلى أن ذلك ينعكس بشكل سيئ على أسرهم، لأنه يشعرهم بأن مستقبل أبنائهم سوف يتوقف.

رئيسة قسم الصحافة بكلية الإعلام بجامعة صنعاء، الدكتورة سامية الأغبري تقول لنون بوست: "أثرت الحرب سلبًا على الغالبية العظمى من الطلاب، فأضحى البعض منهم تائهًا محتارًا يفكر فيما بعد الدراسة، فكثير منهم فقدوا أبويهم أو أحدهم أو تعرض منزلهم للتدمير أو النزوح، والبعض منهم أُصيب بحالة نفسية صعبة للغاية ولم يعد بإمكانهم التعبير عن معاناتهم ولا يجدون أدنى رعاية واهتمام من أقربائهم أو أصدقائهم".

"مستقبل الطلاب في ظل استمرار الحرب مظلم وكئيب وسيعرض أولئك الشباب للأمراض النفسية، بعضهم سوف يحالفه الحظ وينقذ نفسه بالهجرة لأي بلد صالح للحياة الكريمة، إذ استمرت الحرب في اليمن"، تقول الدكتورة الأغبري.

وحذرت الأغبري من ظاهرة إيقاف الدراسة الجامعية لبعض الطلاب، معتبرة أن إيقافها ليس حلًا وتدعو إلى مبادرات مجتمعية لدعم هؤلاء الطلاب على أن يمتنعوا عن تعاطي القات والسجائر والمنبهات ويجدون جهات تدعمهم مقابل العمل في وقت مناسب وساعات محددة، وتحث على أهمية حصر عدد الطلاب المتضررين بشكل كبير ومساعدتهم من خلال إيجاد صناديق اجتماعية.

ظروف قاسية

أمجد أمين (25 عامًا) طالب بقسم المحاسبة بكلية التجارة والاقتصاد بجامعة صنعاء، يكافح ويبذل جهودًا كبيرةً لتأمين متطلبات الدراسة، لافتًا إلى أنه اقترب من التخرج بعد مشقة، وفكر مرات كثيرة بايقاف الدراسة الجامعية خصوصًا عندما كان يذهب مشيًا على الأقدام إلى الجامعة.

يقول أمجد: "معظم من كانوا معي في القسم لم يتمكنوا من إكمال دراستهم، فتركوا الدراسة وتوجهوا إلى أسواق العمل، وبعضهم انضم إلى صفوف الحوثيين والقتال في جبهات القتال، مضيفًا "الطالب الجامعي في اليمن يعيش أسوأ أيامه بسبب غلاء الأسعار وارتفاع تكاليف المواصلات والمستلزمات الدراسية، بالإضافة إلى رفع الجامعات الحكومية الرسوم، فكل ذلك انعكس سلبًا على الطلاب وعائلاتهم".

تقول الدكتورة سامية الأغبري: "الطالب الجامعي في اليمن يعاني بشكل عام من مشكلات عديدة من أهمها الظروف المادية الصعبة، فالغالبية العظمى من الطلاب لا يجدون قوت يومهم إلا بصعوبة بالغة، علاوة على أزمة السكن وقلة منهم تمكنوا من الالتحاق بالسكن الجامعي، لكنه أيضًا يدفع مقابل سكن غير صالح للسكن".

"لا يوجد اهتمام يذكر بتوفير رحلات علمية وترفيهية للطلاب والطالبات، ولا يجدون إمكانية للتطبيق العملي سواء في الكليات أم خارجها ولا رعاية صحية جسدية ونفسية، ولا يجدون إلا مكتبات عتيقة ينقصها الأرشفة الإلكترونية والإمكانات في الاطلاع، فلا نشاطات ثقافية ورياضية وفنية تساعدهم على تفريغ الطاقات السلبية وتنمية مواهبهم وقدراتهم الإبداعية إلا فيما ندر"، تقول الأغبري.

تشير الدكتورة الأغبري إلى أن "تعليق الدراسة عند غالبية الطلاب سوف يؤثر على صحتهم الجسدية والنفسية لأن البعض منهم سيبحث عن عمل غير مجدٍ وسيعمل ليل نهار، لكن ستظل الحسرة والقلق والاكتئاب مسيطرين عليه، لأنه سيجد أقرانه ممن يمتلك أهاليهم السلطة والجاه والنفوذ يدرسون، وهم في وضع لا يحسدون عليه، فلا تعليم ولا فرص عمل ولا سفر ومصيرهم مجهول".

تدهور الأوضاع الاقتصادية

يقول الباحث في الشؤون الاقتصادية عبد الواحد العوبلي: "في ظل الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية، أصبح الطالب اليمني عاجزًا حتى عن دفع تكاليف المواصلات للذهاب إلى الجامعة، فالطالب الذي يستقل ثلاث حافلات يحتاج يوميًا إلى نحو 1200 ريال، وذلك مبلغ يتجاوز قدرة وإمكانية أي طالب".

وأضاف العوبلي لنون بوست "النفقات تضاعفت بسبب تدهور الوضع الاقتصادي، الأمر الذي دفع الكثير من الطلاب إلى ترك دراستهم والارتماء في أحضان الميليشيات".

ويشهد اليمن أسوأ أزمة إنسانية في العالم، حيث تشير أحدث التقديرات إلى أن نحو 50 ألف شخص يعيشون حاليًّا في ظروف تشبه المجاعة، ويشتد الجوع في المناطق المتضرِّرة من الصراع، ويحتاج ما يقارب 21 مليون شخص، أي أكثر من 66% من إجمالي عدد السكان، إلى مساعدات إنسانية وحماية.

بالمحصلة، فإن مشكلات اليمن الكثيرة بما فيها مشكلة التعليم والأزمة الاقتصادية، ناتجة عن الحرب والانقسام السياسي ومن شأن التوصل لحل سياسي بين الأطراف المتنازعة أن ينهي دفعة واحدة جملة من المشكلات وأن يخفف معاناة المواطنين المستمرة منذ سبع سنوات.