مع قرب إحياء ذكرى أربعينية الحسين في كربلاء الأسبوع الجاري، ما زالت الحدود العراقية الإيرانية تشهد توافدًا كبيرًا لأعداد الزائرين القادمين من إيران وأفغانستان وباكستان، بعد أن سمحت السلطات العراقية لهم الدخول من دون تأشيرة، بحسب ما تمَّ الاتفاق عليه بين الجهات الأمنية في البلدَين في وقت سابق.

ورغم التحضيرات والاستعدادات الكبيرة التي قامت بها الحكومة العراقية، والتي أعلنت الأسبوع الماضي عن رصدها ميزانية قيمتها 3 مليارات دينار عراقي لهذه الزيارة، إلا أن الانتقادات الإيرانية لم تتوقف، إذ عبّر وزير الداخلية الإيراني، أحمد وحيدي، عن امتعاضه من التقصير العراقي في التحضير لها.

لم تتوقف انتقادات وحيدي عند حدود الإعلام فحسب، بل قَدِمَ إلى العراق نهاية الأسبوع الماضي للإشراف المباشر على ملف الزيارة، وتبعه بعد ذلك وزير الاستخبارات والأمن الوطني الإيراني إلى بغداد.

ورغم التفاعل العراقي الرسمي والشعبي مع الزائرين القادمين من الخارج، إلا أن سهام النقد ظلت مستمرة، وكان آخرها ما صدرَ عن مجلس الوحدة الإسلامية الباكستاني، وهو أحد الأحزاب الشيعية في باكستان، حيث حمّلَ العراق وحكومته مسؤولية الفشل الذريع في إدارة ملف هذه الزيارة.

دوافع خفية

ممّا لا شك فيه أن إيران عادةً ما تثير العديد من الإشكالات خلال مواسم الزيارة، منها ما يتعلق بالجوانب السياسية، ومنها ما يخصّ ملف إدارة الزيارة، وفيما يخص الجانب الثاني، تحاول إيران دائمًا التقليل من شأن المبادرات التي تقوم بها الجهات العراقية، وتحديدًا الشيعية منها، وهي في ذلك تمهّد لانتزاع ملف إدارة المناسبات الشيعية من يد السلطات العراقية، وتحديدًا الوقف الشيعي والعتبة العلوية، بل الاستحواذ المباشَر على ملف إدارة المراقد الشيعية في العراق، وتحديدًا كربلاء والنجف.

لا تتعلق الدعوات الإيرانية بهذا الخصوص بالحالة الشيعية فحسب، وإنما سبقت ذلك مطالبات إيرانية بتدويل الحج، وجعل مسألة الإشراف على مكة المكرمة والمدينة المنورة مسؤولية تختص بها العديد من دول العالم الإسلامي، وليس السعودية وحدها، فهي رغم تأثيرها السياسي والعسكري في الشرق الأوسط، إلا أنها حتى اللحظة عاجزة عن توفير أساس مشروع لأدوارها.

ولعلّ سعيها للاستحواذ على إدارة المراقد الدينية في العراق، وتحديدًا في ما يتعلق بإدارة المناسبات الشيعية، هو من أجل تقديم نفسها كدولة مركزية في العالم الشيعي، وتنهي بالمقابل الصراع التاريخي بين النجف وقُم، وتقدّم نفسها أيضًا في موقع موازٍ للسعودية، وإظهار ملف إدارتها للمناسبات الشيعية في كربلاء كنموذج مقابل لإدارة السعودية لملف الحج في مكة المكرمة.

والأكثر من ذلك، تحاول إيران عبر الدفع بأعداد كبيرة من الزوار، وتحديدًا من فئة الشباب، في ظل غياب أي إجراءات أمنية عراقية على الحدود، تشجيعهم على البقاء والعمل داخل العراق، في ظل وضع اقتصادي صعب تعيشه إيران اليوم، وما زاد الأمر تعقيدًا اضطرار العراق قبول زائرين من باكستان وأفغانستان دخلوا من دون تأشيرة دخول تحت غطاء الزيارة، وتداولت مصادر أمنية عراقية معلومات عن مخطط مسبَق مع مافيات العمالة غير الشرعية، لاستغلال المراسم الدينية كغطاء لإدخال عمّال من جنسيات آسيوية مختلفة بلا تراخيص.

وقال ضابط أمني إن عناصر استخبارات عراقية تراقب تدفُّق الزائرين على الجانب الإيراني من الحدود، مشيرًا إلى أن عدة آلاف من العمالة الأفغانية تستعدّ للدخول، ومن المتوقّع حصول اعتقالات في صفوفهم بعد انتهاء المراسم، لكن ذلك سيخلق مشكلة للعراق إذ لا توجد حتى الآن علاقة دبلوماسية مع نظام طالبان، كي يتمكّن من إعادة المتجاوزين الأفغان لبلادهم.

اهتمام إيران بأدق التفاصيل والتدخل في أبسط الجزئيات، لا يعني عدم ثقتها بالعراقيين، وإنما تحاول إرساء فكرة أن الحسين جزء من ثقافة دينية إيرانية وليست دينية عربية.

وفضلًا عمّا تقدّم، تمكّنت السلطات الأمنية العراقية في الأيام الماضية، من إيقاف العديد من العربات التابعة لزوار إيرانيين تحمل أسلحة ومواد مخدرة تحاول عبور معبر زرباطية الحدودي مع إيران، كما تتمثّل الخشية الأخرى في العدد الهائل من الزوار، والذي قاربَ حسب المصادر الإيرانية الـ 8 ملايين زائر إيراني.

ومن ثم إن دخول هذا العدد الهائل، مع الوضع السياسي المرتبك، قد يخلق مشاكل أمنية سيعاني منها العراق في الأيام المقبلة، وهو سيناريو مماثل لما حصل في المناطق المحيطة من مرقد السيدة زينب في دمشق، إذ أدّى سماح السلطات السورية دخول اللاجئين الأفغان بحجّة الزيارة الدينية، إلى استيطان أعداد كبيرة منهم هذه المناطق، وعدم عودتهم مرة أخرى لبلادهم، بل أصبح العديد منهم عناصر في ميليشيات مسلحة تقاتل في سوريا.

يمكن القول إن إيران تتعامل مع زيارة الأربعين في العراق ببُعد ثقافي وتاريخي دقيق، فاهتمامها بأدق التفاصيل والتدخل في أبسط الجزئيات لا يعني عدم ثقتها بالعراقيين، وإنما تحاول إرساء فكرة أن الحسين جزء من ثقافة دينية إيرانية وليست دينية عربية، وكذلك تعزيز الدفاع عن المقدسات لدى الشباب الشيعي وتحديدًا الولائي، وتوظيفها في خدمة أجندتها الخارجية، والأهم تقديم هذه الزيارة على أنها جزء من تظاهرة إيرانية عالمية، وليست مجرد مناسبة دينية رمزية.

وأكّدَ هذا النائب الأول للرئيس الإيراني، محمد مخبر، بأن زيارة الأربعين هي أكبر وأوسع تظاهرة جماهيرية في تاريخ العالم الإسلامي، لافتًا إلى إرسال حافلات إيرانية إلى العراق للمساهمة في نقل زوار الأربعينية إلى كربلاء، وأكّد أن وزارة الداخلية وسائر الوزارات والمؤسسات المعنية، إلى جانب الوحدات الشعبية الإيرانية، ماضية في جهودها لخدمة الزوار وسط التحديات الراهنة، لا سيما حرارة الطقس المرتفعة وحشود الزوار الكبيرة التي لم يسبق لها نظير.