في مشهدٍ يُجسّد قسوة الواقع الإنساني الكارثي في غزة، يتزاحم الآلاف من الشباب الغزيّين بشكلٍ يومي أمام نقاط توزيع المساعدات الأمريكية “الإنسانية”، بحثًا عن كيس طحين أو علبة طعام تحفظ لأطفالهم رُمق الحياة وسط المجاعة التي يعيشها أهالي قطاع غزة بسبب الحصار الإسرائيلي، ومنع الاحتلال دخول شاحنات المساعدات المُكدّسة على معابر القطاع.
وسط الدمار والجوع ومرارة العيش في الخيام، تحوّلت هذه النقاط إلى أمل هشّ في زمن المجاعة، وملاذٍ آخر لضحايا الحرب الذين فقدوا كلّ ما يملكون عدا كرامتهم وصبرهم، وإيمانهم بأن الفرج آتٍ لا محالة، لكنهم يدفعون حياتهم وأرواحهم ثمنًا لرغيف الخبز. إذ تحوّلت نقاط توزيع المساعدات في غزة، والتي تُشرف عليها المؤسسة الأمريكية أو ما تطلق على نفسها بـ”مؤسسة غزة الإنسانية”، لمصيدة قتل.
أشبه بأهوال يوم القيامة
يقول الشاب العشريني، ربيع سمحان، إن الظروف الصعبة وعدم تلقّي عائلته المكوّنة من 12 فردًا منذ أكثر من خمسة أشهر أي طرد غذائي أو أي معونة بسبب عدم دخول المساعدات لغزة، أجبره على الذهاب إلى النقطة الأمريكية لجلب ما يُمكن أن يسدّ جوع عائلته، إلا أنّ سمحان انصدم من هول الأعداد الكبيرة الوافدة من كلّ صوبٍ وحدبٍ من محافظات القطاع كافة، من شماله حتى جنوبه.
وصف المشهد بأهوال يوم القيامة؛ حيث يسمح الاحتلال بتجمّع أكبر عدد من المدنيين ثم يقوم بإطلاق النار عليهم من الدبابات، ومن الطائرات المسيّرة “الكواد كابتر”، ومن الطيران الحربي، والبوارج الحربية في عرض البحر.
وروى سمحان لـ”نون بوست” أنّه شاهد بأمّ عينه الاحتلال وهو يقوم بدفن عشرات الشبان ممّن ارتقوا شهداء وممّن أصيبوا بهذه المجزرة بواسطة جرافة إسرائيلية تحت الرمال، ويُضيف بصدمة أنّ بعض المصابين كانوا لا يزالون على قيد الحياة وكان يمكن إسعافهم، لكن الاحتلال دفنهم أحياء في نقطة المساعدات الأمريكية بمنطقة الشاكوش غربي مدينة رفح.
ويُضيف أنّ ذهابه إلى نقطة المساعدات مخاطرة كبيرة بحياته، فهو إمّا أن يموت من الجوع أو في مجزرة من المجازر التي ترتكبها “إسرائيل” بحقّ طالبي المساعدات، لكنه يحاول سدّ جوع أطفاله ولو ليوم آخر.
أما الشاب محمد العطار (35 عامًا)، فقد قهرته دموع طفلته ذات العامين وهي تبحث في أرجاء الخيمة عن الخبز، فيقول: “الأطفال في غزة في زمن المجاعة لا يبحثون عن السكاكر والحلويات الملوّنة، بل عن كسرة خبز تسدّ جوع بطونهم الصغيرة”.
ويسرد العطار لـ”نون بوست” بحسرة أنّ “إسرائيل” تمنع دخول حتى حليب الأطفال و”البامبرز” إلى القطاع، فهي تحارب الكل الفلسطيني، نساءً، وأطفالًا، وشبّانًا، وكبار سن. الجميع مستهدف عبر القتل، والإعدامات الميدانية، والتجويع، والحرمان من العلاج، والكثير من الأساليب الشنيعة التي ترتكبها بحق الغزيّين.
أما الشاب محمد العكلوك (37 عامًا) من سكان شمال قطاع غزة، فيقول إنه قضى قرابة ليلتين ينتظر تلك النقطة أن تفتح كي يتمكّن من الحصول على طرد غذائي لعائلته. وروى تفاصيل رحلته الشاقة من الشمال إلى الجنوب، حيث قضى نصف الطريق مشيًا على الأقدام نظرًا لعدم سماح الاحتلال للمركبات بالتحرّك عبر شارع الرشيد الساحلي. وبطبيعة الحال، فإن شارع صلاح الدين الذي يربط محافظات شمال غزة بجنوبها مغلق هو الآخر منذ استئناف “إسرائيل” حربها على القطاع بعد هدنة 19 يناير التي استمرّت قرابة 40 يومًا.
ويؤكّد العكلوك أنّ الجنود الإسرائيليين والأمريكيين يتعمّدون القتل المباشر للأطفال عبر استهداف الرأس أو البطن، بهدف القضاء على جيل كامل من طالبي المساعدات. وأضاف أنّ “إسرائيل” بذلت جهدًا كبيرًا في ذلك من خلال القصف المتعمّد للأطفال، وتدمير المدارس، حتى صار شغل الأطفال الشاغل اليوم هو الحصول على الماء ووجبة من طابور التكيّة الطويل، بدلًا من الجلوس على مقاعد الدراسة التي غابوا عنها لعامين.
مجزرة الاختناق
في السادس عشر من يوليو الماضي، استيقظ أهل غزة على مجزرة اختناق 15 شابًا نتيجة إطلاق الغازات على المجوّعين والتدافع الذي تلا ذلك في مركز توزيع المساعدات الأمريكية في نقطة الطينة شمال مدينة رفح.
وقال شهود العيان، ومنهم محمد اسليم (45 عامًا)، إنه ذهب إلى نقطة المساعدات في منطقة الطينة الساعة السادسة صباحًا للحصول على طرد غذائي لعائلته، حيث تجمّع الآلاف من الشبان على البوابة في انتظار الجنود لفتحها والتوجّه نحو النقطة التي تتواجد فيها المساعدات. وأضاف أن الجنود قاموا برشّ غاز الفلفل على الشبان، ما أدّى إلى اندفاعهم وسقوطهم أرضًا بين من استُشهد فورًا ومن أُصيب نتيجة التكدّس الكبير، الأمر الذي أدّى إلى دهس الشبان بعضهم بعضًا.
وأوضح اسليم أن عدد الطرود الموجودة قليل جدًا مقارنة بأعداد الوافدين للحصول على المساعدات، بسبب شبح المجاعة الذي يُطارد أمعاء الغزيّين بعد أكثر من خمسة أشهر من الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة.
فيما أكدت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة حينها أن الاحتلال الإسرائيلي والمؤسسة الأمريكية يتعمدان ارتكاب المجازر بطريقة ممنهجة وبأساليب متنوّعة بحقّ المجوّعين.
وأوضحت أنّ هذه المؤسسة ليست جهة إنسانية ولا تحمل أيّة معايير مهنية أو أخلاقية للعمل الإغاثي، بل هي أداة أمنية واستخباراتية خطيرة تمّ تصميمها لخدمة أجندات الاحتلال الإسرائيلي، وتُدار بطريقة قاتلة، حيث تُشكّل في ممارساتها نموذجًا لمصائد الموت الجماعي تحت غطاء مزيف للعمل الإنساني.
يوم مخصص للنساء
في جملة الاستهدافات التي تشنّها “إسرائيل” على طالبي المساعدات في النقاط الأمريكية، نشرت مؤسسة “غزة الإنسانية” بيانًا استهدفت فيه نساء غزة لتوسيع بؤرة الاستهدافات وشمولها. جاء في بيانها على حسابها في منصة (إكس): “نرحّب بالنساء فقط للمجيء واستلام صندوق غذائي، وسيحرص طاقمنا المحلي على توجيه النساء إلى منطقة مخصصة حيث سيتم إعطاء كل واحدة منهنّ صندوقًا. يجب على الرجال تجنّب الموقع خلال هذا التوزيع”.
إلا أنّ “إسرائيل” لم تحترم خصوصية النساء، وضربت بكل المواثيق الدولية والإنسانية عرض الحائط؛ حيث اعتدى الجنود على النسوة برشّ غاز الفلفل والرصاص الحي وقذائف المدفعية، دون أيّ حساب أو مساءلة قانونية.
وتقول روان دقّة (31 عامًا) إن فقدها لزوجها المعيل لها ولأبنائها، والمجاعة المدقعة، وصرخات أطفالها الجوعى، دفعتها للذهاب إلى نقطة المساعدات. ووصفت المشهد بالجحيم، حيث يقوم الجنود الأمريكيون والإسرائيليون برشّ الفلفل والغاز المسيل للدموع تجاه النساء طالبات المساعدات.
وتُضيف أنّ الجنود قاموا باستقبال النسوة اللواتي كنّ في الصفوف الأولى بصورةٍ إنسانية، ليتمّ تصويرهنّ ونشر صورهن للعالم على أنهم “إنسانيون”، في صورة مزيّفة تعكس عكس الواقع الحقيقي الذي ترتكب فيه “إسرائيل” أبشع المجازر بحقّ جميع الفئات في غزة، لا سيما النساء على وجه الخصوص. وأشارت إلى أنّ عدد الشهيدات منذ بدء حرب الإبادة بلغ 12,400 شهيدة، فضلًا عن عشرات الآلاف من الإصابات.
مصيدة اعتقال
لا تقتصر مأساة توزيع المساعدات الأمريكية في غزة على سقوط الشهداء والجرحى، بل تمتدّ إلى فقدان عشرات المدنيين الذين انقطعت أخبار عائلاتهم عنهم، ففي السادس من يونيو/ حزيران 2025، خرج الشاب عبد الله أبو عليان (20 عامًا) من خيمته في مواصي خان يونس متوجهًا إلى نقطة المساعدات في منطقة الطينة شمال غرب رفح، لجلب كيس طحين لعائلته، لكنه اختفى وفُقدت آثاره.
تقول والدته، أم محمد، إنها لم تعرف مصير ابنها، إذ توجهت إلى المستشفيات والنقاط الطبية تبحث عنه بين الشهداء والجرحى فلم تجده، ثم تواصلت مع الهيئة الدولية للصليب الأحمر للسؤال عمّا إذا كان معتقلًا. وجاءها الجواب الذي “يطمئن قلبها المكلوم”، كما تقول، لا سيما وأنها أرملة وفقدت أحد أبنائها شهيدًا؛ إذ أكّد الصليب الأحمر أن نجلها عبد الله معتقل في سجون الاحتلال الإسرائيلي منذ شهر، دون أيّ معلومات عن وضعه الصحي.
وفي الحديث عن مصير الأطفال المعتقلين من نقاط المساعدات، قال الأسير المحرَّر كرم عبد الرحمن حسين (18 عامًا) من شمال قطاع غزة، إنه اعتُقل من أمام بوابة المساعدات في الشاكوش، في ظروف وصفها بـ”الجهنمية” في سجن سديه تيمان، بسبب شدّة التعذيب الذي تعرّض له خلال فترة اعتقاله التي استمرت شهرًا.
وأوضح أنّه بقي طوال تلك المدة مربوطًا بأوصاد بلاستيكية، وكان يُسمح لهم بتناول وجبة واحدة لا تكفي عصفورًا، وقبل ساعة النوم كانوا يتعرضون للضرب بالدبّاسات، إضافةً إلى تحقيقات طويلة الساعات. وأكّد أن المرضى لم يُسمح لهم بتلقي العلاج سوى بشرب الماء.
إعلان المجاعة
أعلنت الأمم المتحدة وخبراء دوليون رسميًا وللمرة الأولى تفشي المجاعة على نطاق واسع في قطاع غزة. فيما أصدرت منظمة الصحة العالمية، وصندوق الأمم المتحدة للطفولة “يونيسيف”، وبرنامج الأغذية العالمي، ومنظمة الأغذية والزراعة “الفاو” بيانًا صحفيًا مُشتركًا بجنيف أكدت فيه أن أكثر من نصف مليون شخص في غزة عالقون في مجاعة شديدة.
وقالت المنظمات إن على “إسرائيل” ضمان توفير الغذاء والإمدادات الطبية لسكان غزة دون عوائق للحد من الوفيات الناجمة عن الجوع. وأضافت أن عدد الأشخاص الذين يعانون من نقص الغذاء في قطاع غزة تضاعف 3 مرات، ودعت إلى وقف فوري لإطلاق النار.
حيث تُعد هذه المرة هي الأولى من نوعها التي تُعلن فيها المنظمات الدولية المجاعة بمنطقة الشرق الأوسط.
فيما اعتبرت حركة حماس استمرار ما وصفته بـ”جريمة التجويع” بأنه “وصمة عار على جبين المجتمع الدولي الذي يواصل صمته المخزي أمام واحدة من أفظع جرائم العصر”، على حد تعبيرها. وقالت الحركة في بيان لها إن “سياسة التجويع والتعطيش الممنهجة والمُعلنة التي تمارسها حكومة نتنياهو في قطاع غزة، والتي اشتدت حدّتها منذ نحو خمسة أشهر، تشكّل عارًا على المجتمع الدولي الشاهد الصامت على هذه الجريمة الوحشية المروّعة”.
ودعت الأمم المتحدة إلى اتخاذ “إجراءات عملية وملزمة تُجبر الاحتلال على إدخال المساعدات فورًا، دون شروط أو تحكّم، وبما يضمن إنقاذ المدنيين من خطر الموت جوعًا وعطشًا”، محمّلًا الإدارة الأمريكية “مسؤولية مباشرة عن استمرار جريمة الإبادة والتجويع ضد المدنيين الأبرياء في قطاع غزة”.
كما وسجلت وزارة الصحة في غزة أكثر من 900 فلسطيني استشهدوا أثناء محاولتهم الوصول إلى مراكز توزيع الغذاء منذ بدء عمل الآلية الأمريكية، وأُصيب وفُقد العشرات، بعد خروجهم بحثًا عن الطعام بحسب وزارة الصحة في غزة ومؤسسات حقوقية.