بعد سلسلة من الانتكاسات في معسكر المعارضة الإسرائيلي، وفي ظل الجدل الداخلي حول الأدوار والأولويات، حاول بيني غانتس العودة إلى واجهة المشهد عبر طرح مبادرة سياسية لتشكيل ما سماه “حكومة فداء الأسرى”، التي يفترض أن تدوم لستة أشهر فقط، رُسمت بجدول أعمال محدود يركز على إبرام صفقة شاملة تعيد الأسرى من غزة، إلى جانب تمرير قانون التجنيد الذي يمثل أحد أكثر ملفات التجاذب سخونة في السياسة الإسرائيلية.
لكن المبادرة لم تلقَ أي استجابة جدية من الأطراف المختلفة، وجرى التعامل معها باعتبارها محاولة من غانتس، الذي كان حتى وقت قريب منافسًا جديًا لنتنياهو في استطلاعات الرأي، لترميم صورته بعد التراجع الحاد في شعبيته، فالمشهد المعارض يشهد منذ أشهر تغيرات جوهرية، تراجعت معها أسهم قادته التقليديين وصعدت أسماء جديدة. ورغم أن استطلاعات الرأي ليست حاسمة، فإنها تبقى في الحالة الإسرائيلية مؤشرًا مهمًا على متوسط الأوزان الانتخابية للكتل السياسية.
في هذا السياق، وبينما تراجعت مكانة غانتس ويائير لابيد، برز الجنرالان يائير غولان وغادي أيزنكوت كوجوه صاعدة تحاول ملء فراغ القيادة داخل المعارضة، ويخوضان مهمة صعبة في مواجهة بنيامين نتنياهو، الذي ما زال اللاعب الأكثر تأثيرًا والقادر على تحطيم خصومه كما فعل سابقًا مع أفيغدور ليبرمان ونفتالي بينت.
ووسط هذا المشهد المركب، تتقلب توجهات الرأي العام الإسرائيلي، حيث يصعد نجم الجنرالات، ويتراجع زعماء المعارضة التقليديون، فيما يعود إلى السباق زعيم يميني منسحب سابقًا محمولًا على كاريزما شخصية أكثر من أي برنامج سياسي.
أفول نجم المترددين
قدّم بيني غانتس نفسه في مبادرته الأخيرة باعتباره رجل الدولة القادر على تجاوز الحسابات الحزبية الضيقة لمصلحة “الأولوية الأخلاقية” المتمثلة في إعادة الأسرى، مشددًا على أن حكومة الوحدة التي يقترحها يجب أن تكون محدودة الهدف والمدة (ستة أشهر فقط)، تنحصر مهمتها في إبرام صفقة التبادل ومعالجة ملف تجنيد الحريديم. كما اشترط استبعاد وزراء اليمين المتطرف، وعلى رأسهم بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، معتبرًا أن وجودهما يعرقل أي خطوة نحو التهدئة أو المفاوضات.
إلا أن غانتس، في الواقع، أعاد إنتاج صورته القديمة كـ”رجل الوحدة الوطنية” و”العاقل في الغرفة”، وهي صورة تُقدمه كحليف أو وصي على المبادئ أكثر مما تجعله قائدًا سياسيًا قادرًا على حشد مشروع بديل.
هذا التردد المستمر هو ما أدى إلى انهيار مكانته في استطلاعات الرأي؛ فبعد أن كان متصدرًا بتوقعات تصل إلى نحو 40 مقعدًا مع بداية الحرب، تراجع تدريجيًا إلى حدود 27 مقعدًا حين انسحابه من مجلس الحرب، قبل أن تهوي أسهمه أكثر إلى ما دون نسبة الحسم في استطلاع صحيفة معاريف.

وهو تراجع تفاقم مع انسحاب غادي أيزنكوت من حزبه، بعد أن سبقه جدعون ساعر بالعودة إلى كنف الليكود وائتلاف نتنياهو، ليجد غانتس نفسه يقاتل اليوم من أجل البقاء السياسي.
الأدهى أن مبادرته الأخيرة قوبلت برفض شامل من المعارضة والائتلاف على حد سواء، ما جعلها أقرب إلى مناورة للبحث عن أرضية تتيح له الانضمام إلى حكومة نتنياهو تحت شعار “المصلحة العليا”.
وهو السيناريو ذاته الذي مكنه من دخول مجلس الحرب سابقًا إلى جانب أيزنكوت، في خطوة اعتُبرت آنذاك انحيازًا للمسؤولية الوطنية خلال حالة الطوارئ بعد هجوم السابع من أكتوبر، لكنها في الوقت نفسه شرعنت قيادة نتنياهو ومنحته مظهر الزعيم الجامع، وفق توصيف المحللة السياسية داليا شيندلين، إذ خرج غانتس من مجلس الحرب أضعف مما دخله، من دون أن يترك أثرًا احتجاجيًا أو يهز استقرار الحكومة، وهو ما عكس هشاشة رصيده القيادي.
في المقابل، لم يكن يائير لابيد أفضل حالًا؛ فعلى الرغم من موقعه الرسمي كزعيم للمعارضة، أخفق في ترسيخ نفسه كقائد حقيقي قادر على منافسة نتنياهو أو تقديم بديل سياسي متماسك، إذ اقتصرت استراتيجيته على معارضة نتنياهو أكثر من صياغة رؤية بديلة، ما جعل خطابه يبدو سلبيًا ومجزوءًا.
كما فشل في بناء تحالفات متينة مع قوى الوسط واليسار أو مع الأحزاب العربية، فضلاً عن ارتباط صورته بسجل مالي تقشفي لا يزال يطارده منذ تولى حقيبة المالية، وهو ما انعكس في تراجع حزبه “يش عتيد” إلى حدود تسعة مقاعد فقط في الاستطلاعات الأخيرة، ما يجعله كتلة معتبرة لكنها عاجزة عن قيادة ائتلاف أو تشكيل معارضة قوية.
وفي هذا السياق، لخص الاستراتيجي السياسي ناداف شتراوكلر المعضلة بقوله إن المعارضة لم تقم بدورها في “خلق النزاعات والانقسامات داخل الائتلاف الحاكم”، مشيرًا إلى أن أداء لابيد وغانتس لا يُقارن بمرحلة نتنياهو في المعارضة عامي 2021-2022 حين اعتمد إستراتيجية مقاتلة ضد الحكومة.
وهكذا، أضحى التردد والضعف المشترك بين غانتس ولابيد عنوانًا للمعارضة، ما أفقدها تدريجيًا ثقة الجمهور، حتى بين الناقمين على نتنياهو، لتبدو بلا عنوان جامع ولا قيادة بديلة، فيما يواصل نتنياهو تكريس صورته كمرجعية سياسية وحيدة تسيطر على المشهد.
الجنرالات للواجهة من جديد
مع استمرار التحولات في المشهد السياسي الإسرائيلي، يعود الحديث مجددًا عن “زمن الجنرالات” والقيادات الكاريزماتية، حيث تتجه الأنظار نحو ضباط الجيش السابقين الذين باتوا يشكلون رافعة سياسية داخل معسكر المعارضة. وقد برز هذا الاتجاه بقوة خلال أزمة التعديلات القضائية التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول، حين قاد قادة الجيش والأمن المتقاعدين حراكًا جماهيريًا واسعًا ضد ما وُصف بـ”الانقلاب القضائي”، وأسهموا في تعطيل خطة الائتلاف اليميني بقيادة نتنياهو.
في تلك الأزمة، صعد نجم بيني غانتس مجددًا، لكنه لم يكن الوحيد؛ فقد برز إلى جانبه كل من غادي أيزنكوت (رئيس الأركان الأسبق) ويائير غولان (نائب رئيس الأركان الأسبق)، إضافة إلى يوآف غالانت وزير الحرب آنذاك – المقال لاحقا-، الذي اصطف في لحظة فارقة إلى جانب ما يُعرف بـ”موقف الدولة العميقة” ضد مشروع نتنياهو، مما ساهم في تعزيز صورة الجنرالات كحماة للطابع المؤسسي والليبرالي للدولة.
ورغم أن الحرب أضعفت أسهم غانتس وأفقدته الزخم الذي حازه، إلا أن حضور أيزنكوت ظل أكثر وضوحًا وثباتًا، فقد سعى إلى تحويل حزب “المعسكر الرسمي” من مجرد قائمة انتخابية إلى إطار سياسي مؤسسي قادر على حشد المعارضة من اليسار إلى الوسط، لكنه اصطدم بتردد غانتس وهيمنته على الحزب، ما دفعه إلى الانسحاب والبحث عن صيغة سياسية جديدة.
وبرغم أن مشروعه لم يكتمل بعد، إلا أن استطلاعات الرأي أظهرت تقدمه المستقل وحصوله على نحو عشرة مقاعد، وهو ما يجعله كتلة وازنة، ستكون أعظم وأكثر تأثيرًا بكثير إذا ما تحالف مع نفتالي بينت في أي انتخابات قادمة.
أما يائير غولان فقد اختار مسارًا أكثر وضوحًا، إذ تولى قيادة حزب “الديمقراطيين” الذي نشأ عام 2024 إثر اندماج حزبي “العمل” و”ميرتس” في محاولة لإنقاذ ما تبقى من اليسار الإسرائيلي بعد الانتكاسة التي أخرجت ميرتس من الكنيست، وحصدت للعمل الحد الأدنى عبر 4 مقاعد فقط. وبخلفيته العسكرية وخطابه الجريء، نجح غولان في إعادة ترميم حضور اليسار عبر أطروحات سياسية صريحة لا تُجامل اليمين، مستفيدًا من الفشل الحكومي في إدارة الحرب.
وبفضل شخصيته التي تجمع بين الرصيد العسكري والصلابة السياسية، استطاع الحزب تحت قيادته أن يحافظ على حضور انتخابي في الاستطلاعات يراوح حول عشرة مقاعد، ليصبح شريكًا رئيسيًا في أي معادلة معارضة أو ائتلاف قادم.
وهكذا، وبينما يتراجع حضور قادة المعارضة التقليديين كغانتس ولابيد، واصل الجنرالات السابقون تعزيز مكانتهم باعتبارهم البديل الأكثر وضوحًا وواقعية في نظر قطاع من الرأي العام الإسرائيلي، الباحث عن قيادة قوية قادرة على إعادة ضبط “بوصلة الدولة” في مواجهة تغوّل اليمين.
التحالفات العابرة للأيدولوجيا
رغم التغيرات المتسارعة في خريطة المعارضة الإسرائيلية، يبقى التنبؤ بمستقبل الكتل وإمكانية إطاحة بنيامين نتنياهو عبر ائتلاف متماسك أمرًا معقدًا وغير محسوم. فنتنياهو، الذي نجح بعد نحو عامين من الحرب في ترميم حضوره وإعادة تجميع جمهور اليمين حوله، ما زال يمسك بخيوط اللعبة ويملك رصيدًا انتخابيًا ثابتًا يصعب تجاوزه.
إلا أن صعود أسماء مثل غادي أيزنكوت، واستقرار أفيغدور ليبرمان، وعودة نفتالي بينت إلى المشهد بخطاب يميني معتدل نسبيًا، يفتح الباب أمام إمكانية تشكّل تحالف واسع يتجاوز الاصطفافات الأيديولوجية التقليدية، هدفه الأساسي إقصاء نتنياهو.
ويشير المحلل الحزبي في هآرتس يوسي فيرتر إلى أن مثل هذا التحالف قد يشكّل فرصة استراتيجية لإبعاد أحزاب اليمين المتطرف، “عظمة يهودية” بزعامة إيتمار بن غفير و”الصهيونية الدينية” بزعامة بتسلئيل سموتريتش عن دائرة التأثير، عبر جذب ناخبين يمينيين تقليديين لا يرغبون في التطرف القومي والديني.
لكن فيرتر يرى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في عدد المقاعد فحسب، بل في قدرة المعارضة على توحيد صفوفها، واجتذاب ناخبي الوسط-اليمين، وتقديم قيادة متفق عليها قادرة على إدارة حكومة مستقرة.
ومن جانبها، ترى المحللة السياسية في يديعوت أحرونوت موران أزولاي أن المشهد الإسرائيلي يتجه نحو إعادة اصطفاف غير مسبوقة منذ سنوات، مشيرة إلى أن الاستقالات من “المعسكر الرسمي –حزب غانتس” ليست نهاية مسار بل بداية مرحلة جديدة من التحالفات والمفاوضات داخل المعارضة.
وتؤكد أن نجاح المعارضة مشروط بقدرتها على تجاوز الانقسامات الشخصية بين قياداتها وصياغة برنامج سياسي واضح، وهو ما قد يحدد مستقبل نتنياهو ومكانة أحزاب اليمين المتطرف.
وتكشف نتائج استطلاع معاريف الأسبوعي الصادر في 22 آب/أغسطس 2025 عن صورة دقيقة لهذه التحولات؛ إذ تُظهر النتائج أن معسكر المعارضة مجتمِعًا بات يملك ما بين 61 إلى 63 مقعدًا، مقابل 47 إلى 48 مقعد للائتلاف الحاكم، وهو ما يشير إلى إمكانية تغيير ميزان القوى إذا ما نجحت المعارضة في استثمار اللحظة وتقديم بديل موحد.
ومع ذلك، يظل التقييم الموضوعي أن الساحة السياسية الإسرائيلية متحركة وهشة، خصوصًا مع استمرار الحرب واستثمار نتنياهو لها لبناء سردية متماسكة لجمهوره اليميني الصلب. وحتى إن كان جزء من هذا الجمهور يتجه للتصويت لمرشحين يمينيين آخرين من معسكر المعارضة كـنفتالي بينت، فإن مهارة نتنياهو في إدارة المشهد الانتخابي تمنحه فرصة دائمة لإعادة خلط الأوراق.
ويبقى واضحًا أن الرتبة العسكرية أو الكاريزما الشخصية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لتحقيق الانتصار السياسي، كما يبرهن المثال الصارخ لبيني غانتس الذي انتقل من صدارة الاستطلاعات إلى صراع مرير على عتبة الحسم.
وبالتالي يبدو مستقبل الحكم في “إسرائيل” مفتوحًا على احتمالات متعددة، لكن الثابت أن المعارضة لن تتمكن من ترجمة قوتها التي تعكسها الاستطلاعات إلى تغيير سياسي حقيقي ما لم تنجح في بلورة قيادة واضحة وبرنامج جامع يُقنع الجمهور بأنها بديل جاد وموثوق لنتنياهو وحكومته.