في صيف عام 1925 اندلعت شرارة الثورة السورية الكبرى من جبل الدروز بقيادة سلطان باشا الأطرش، وسرعان ما عمت المدن السورية لتوحد مختلف الطوائف والمناطق في مواجهة الاحتلال الفرنسي، وقد تجسد هذا التلاحم في إسهام تجار دمشق وطلاب المدارس والفلاحين في دعم الثوار بالسلاح والمال والمؤن، حتى وصف أحد المراسلين الفرنسيين المشهد بدهشة: “سوريا كلها صارت جبهة واحدة”.
هذا المشهد الملحمي وثقه الرحالة اللبناني حنا أبو راشد (1886-1974) في كتابه جبل الدروز، مسجلًا ما عايشه بنفسه خلال تجواله في الجبل من أحداث وصور نادرة، ولعل قيمة كتابه الكبرى أنه وُلد من رحم اللحظة ذاتها، فقد صدر عام 1925 متزامنًا مع وقائع الثورة، وكاشفًا عن المزاج السياسي والفكري الذي عاشه أبناء جبل الدروز آنذاك.
اليوم، وبعد مرور قرن، يعود هذا التاريخ ليطرح سؤالًا ملحًا، هل يستطيع السوريون وسط جراحهم وانقساماتهم أن يستعيدوا تلك الروح التي جعلت من ثورة 1925 حدثًا وطنيًا جامعًا؟ فالتاريخ يذكرهم بأن طريق الخلاص ظل وسيبقى مرهونًا بالوحدة قبل أي شيء آخر.
انطلاقًا من تلك اللحظة، يقدم “نون بوست” قراءة لشهادة حنا أبو راشد عن جبل الدروز عام 1925، كاشفًا من خلالها ملامح المجتمع الدرزي وأوضاعه قبيل اندلاع الثورة السورية الكبرى، ودور سلطان باشا الأطرش في قيادتها ضد الانتداب الفرنسي.

جبل الدروز عشية الثورة السورية الكبرى (1925)
يعرض أبو راشد في كتابه رؤية شاملة لجبل الدروز قبيل اندلاع الثورة السورية الكبرى، مركزًا على السكان والجغرافيا، البنية الاجتماعية والسياسية، الاقتصاد والمعيشة، العادات والأدوار الاجتماعية، الأسلحة والمياه، إضافة إلى العقيدة والطقوس، وسنتناول هذه الجوانب لتسليط الضوء على الطابع الاجتماعي والثقافي للطائفة الدرزية في الجبل.
السكان والجغرافيا
يُبرز أبو راشد مسار استقرار الدروز في جبل حوران جنوب سوريا، الذي عُرف لاحقًا بجبل الدروز، حيث بدأت موجات هجرتهم المنظمة من جبل لبنان وجبل الشوف في أواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر نتيجة الصراعات الداخلية والضغوط العثمانية. ومع حلول القرن التاسع عشر ترسخ وجودهم هناك، وتوسعت قراهم تدريجيًا حتى أصبح الجبل مركز الثقل الديمغرافي للدروز.
ويصف أبو راشد جبل الدروز بأنه كتلة جرداء محاطة بسهول خصبة واسعة، تحده من الشمال غوطة دمشق، ومن الغرب اللجاة الوعرة وسهل حوران، ومن الجنوب الجبانة الممتدة حتى حدود شرق الأردن ووادي الحجاز، ومن الشرق الصفا والرحبة وجبال الحارة المتصلة ببادية الشام.
وتبلغ مساحة الجبل المعمورة في عام 1925 نحو 7920 كم²، بطول يقارب 120 كم من الشمال إلى الجنوب، وعرض نحو 66 كم من الشرق إلى الغرب، بينما تمتد مراعيه على مساحة تقدر بنحو 4572 كم².
وحتى عام 1925 ضم جبل الدروز 128 قرية، توزعت بين مراكز إدارية تقليدية وأخرى حديثة، ومثلت السويداء عاصمة الجبل، فيما كانت صرخد وشهبا مقري القائمقامية، أما المراكز ذات المكانة الخاصة فتمثلت في بلدة عرى التي احتضنت الرئاسة الجثمانية، وبلدة قنوات التي كانت مقرًا للرئاسة الروحية، وقد أحصى أبو راشد هذه القرى تفصيلًا ورتبها وفق التسلسل الهجائي.
كما قدر أبو راشد عدد سكان الجبل في عام 1925 بحوالي 52 ألف نسمة وفقًا للسجلات الرسمية التي اطلع عليها، وكان المجتمع مؤلفًا من الدروز إلى جانب عشائر مسيحية مثل آل شحادة ودحدل وحداد الذين لعب بعضهم أدوارًا سياسية وقضائية، إضافة إلى عشائر سنية محدودة، وعشائر عربية بدوية تجاوزت ألفي بيت موزعة بين القرى والخيام.
الاقتصاد والمعيشة
يشير أبو راشد إلى أن سكان الجبل حتى عام 1925 اعتمدوا في معيشتهم على زراعة القمح والشعير، إلى جانب تربية الثروة الحيوانية التي قدرها بنحو 150 ألف رأس من الغنم، و50 ألفًا من الماعز، و40 ألفًا من الأبقار، فضلًا عن آلاف الخيول والجمال والحمير. ولم تكن هذه الثروة حكرًا على الدروز وحدهم، بل شاركتهم فيها العشائر البدوية المجاورة، ما عكس ترابطًا اقتصاديًا ملحوظًا.
أما النشاط التجاري بحسب أبو راشد فظل محدودًا، إذ اقتصرت الأسواق في الجبل على نحو 500 دكان صغيرة أغلبها بيد مهاجرين، في حين اقتصرت الصناعات المحلية في الجبل على النساء فقط، مثل صناعة السجاد والبسط والأطباق القشية، ويكشف وصف أبو راشد أن مجتمع الجبل كان مكتفيًا ذاتيًا، لكنه ظل بعيدًا عن الأسواق الكبرى ولم يكن لديه قاعدة صناعية.
السلاح والماء: بين الوفرة والندرة
سجل أبو راشد أرقامًا دقيقة عن تسليح أهالي جبل الدروز في عام 1925، فذكر وجود نحو 20 ألف بندقية، 5 آلاف مسدس، و10 آلاف سيف، إلى جانب الذخائر المتوفرة في معظم البيوت، ويرى أبو راشد أن هذه الأرقام تعكس حقيقة أن السلاح جزءًا من هوية دروز الجبل.
وعلى النقيض من ذلك، لفت إلى أن المياه مثلت التحدي الأكبر في حياة دروز الجبل اليومية، إذ أحصى نحو 95 ينبوعًا صالحًا للشرب، لكنه انتقد رداءة معظمها وغياب شبكات لنقل المياه إلى القرى، ورغم ذلك، لاحظ أبو راشد أن مناخ الجبل وهوائه النقي يعوضان جزئيًا هذه النواقص.
البنية الاجتماعية
يشير أبو راشد إلى أن العشيرة تشكل العمود الفقري للنظام الاجتماعي لدروز الجبل والقاعدة التي ترتكز عليها ثقافتهم وهويتهم، ويستعرض أبرز العشائر الكبرى مثل آل الأطرش وآل هجري، موضحًا المنافسات الداخلية بينهم على القيادة والنفوذ، والانقسامات التي دفعت بعض الفروع أحيانًا إلى اللجوء إلى قوى خارجية طلبًا للدعم والحماية.
كما يبرز أبو راشد خصوصية الدروز في رفضهم للسلطات الحاكمة عبر العصور، ويشير إلى أن قيادة الجبل في عام 1925 كانت موزعة بين زعماء متعددين لكل مجال، عائلي وسياسي وإداري وحربي، ويلتزم الجميع خلال النزاعات بالقيادة الحربية عبر مجلس شورى عسكري، ثم يعود كل طرف بعد انتهاء النزاع إلى مواقعه المعتادة.
ويُفصل أبو راشد في وصفه لمضافات دروز الجبل، فيُبرز دورها بوصفها ساحة للشورى وتبادل الرأي، ومكانًا تُحل فيه النزاعات وتُناقش القضايا العامة، كما كانت منابر تُستعاد فيها قصص البطولة ومآثر الأسلاف وأخبار الانتصارات والحروب، الأمر الذي جعلها ركيزة أساسية في تشكيل الذاكرة الجمعية والثقافة المشتركة لأبناء الجبل.
وفيما يخص الزواج، يذكر أبو راشد أن المجتمع الدرزي ميز نفسه بمنع التزاوج مع غير الدروز، وبالاقتصار على زوجة واحدة، مع حظر عودة المطلقين إلى بعضهم تحت أي ظرف.
كما قسم أبو راشد نساء الجبل عام 1925 إلى أربع فئات، العاقلات اللواتي شاركن الوجهاء في المشورة وصنع القرار، والجويدات المكرسات لتربية الأبناء، والراقيات ومن بينهن أديبات بارزات مثل صالحة الأطرش، ثم ما أطلق عليه الجاهلات اللواتي وقع على عاتقهن عبء الزراعة وجلب الماء ورعاية الماشية وإعداد الطعام.
العقيدة والطقوس
يركز أبو راشد بشيء من التفصيل على طبيعة العقيدة الدرزية السرية، موضحًا أن الانضمام إلى جماعة الموحدين يتم عبر ما أسماه طقوس طلب الدخول وسنوات من الاختبار، ثم أداء العهد القائم على البراءة من المذاهب الأخرى والولاء المطلق للحاكم بأمر الله، وحتى عام 1925 كانت تُقام شعائر العبادة في “الخلوات”، حيث يجتمع الأتباع مساء الجمعة لتلاوة المواعظ.
ويستعرض أبو راشد البنية الهرمية الداخلية لرجال الدين الدروز، والمكونة من العُقال والمتنزهين والرؤساء الروحانيين، مبرزًا دور أربعة من مشايخ العقل الكبار في الجبل آنذاك، أحمد الهجري، حسن جربوع، علي الحناوي، ومحمود أبو حر.
أما الكتب الدينية للدروز فهي ستة، نادرة ومبعثرة، وهي حسب أبو راشد، رسالة كشف الحقائق، التحذير والتنبيه، البلاغ والنهاية، السيرة المستقيمة، مجرى الزمان، السجل المعلق، ورسالة النساء، وقد وصفها أبو راشد بعقد مغمور في أعماق البحر، ما يعكس صعوبة جمعها وتداولها.
كذلك يبرز أبو راشد الطبيعة الباطنية للعقيدة الدرزية القائمة على الأسرار والرموز، مقارنًا إياها بالجمعيات السرية، وموضحًا ممارسات مثل استبدال الصوم بصدق اللسان، والصلاة بحفظ الإخوان، مع اعتبار خدمة الضيف ركنًا مقدسًا، كما يتناول نظام الميراث الذي يمنع المرأة من الإرث، إضافة إلى الاعتقاد بالتقمص.
ويرصد أبو راشد أيضًا انتشار المزارات الدينية في الجبل، مثل عين الزمان قرب السويداء، ومزار المسيح في تل أبو طميس، فضلًا عن مقام عمار بن ياسر، موضحًا أن هذه المزارات تشكل محورًا للهوية الدينية لدروز الجبل.
وفي ختام عرضه، ينقل أبو راشد أصواتًا إصلاحية داخل الطائفة الدرزية دعت آنذاك إلى العودة إلى القرآن الكريم وتنقية المذهب من الممارسات والخرافات الدخيلة، مما يعكس حراكًا فكريًا متصلًا بالتحديات السياسية والاجتماعية التي كانت تعصف بالمنطقة.
دولة جبل الدروز
مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، يذكر أبو راشد أن وجهاء جبل الدروز حاولوا تجنيب أبنائهم ويلات الحرب، لكن الانقسام سرعان ما ظهر بين فريق مؤيد للعثمانيين بزعامة سليم الأطرش، وآخر بقيادة سلطان باشا الأطرش الذي انحاز للحلفاء، خاصة بعد إعدام العثمانيين لوالده.
هذا الموقف لم يتوقف عند حدود الرفض، بل تُرجم إلى نشاط سياسي وعسكري، إذ شارك سلطان في لقاءات سرية مع الأمير فيصل بن الحسين وزعماء عرب لمناقشة مشروع الاستقلال، ثم مع تقدم الحلفاء في فلسطين عام 1918، بادر بمراسلة ممثلي القوى الدولية، مؤكدًا التزام الدروز بدعم الحلفاء وخوض المعركة ضد العثمانيين.
وفي صيف 1918، اتخذ الجيش العربي بقيادة الأمير فيصل معسكر الأزرق قاعدة له، وأوفد الأمير فيصل نسيب بك البكري للتفاوض مع زعماء الدروز، وتم الاتفاق على استقلال إداري وسياسي للجبل مع الاعتراف الرمزي للدروز بفيصل، لكن دون سلطة له على الجبل.
استنادًا إلى ذلك، انضم سلطان الأطرش مع قوة من مقاتلي الدروز إلى الجيش العربي، وفي أيلول 1918 دخلت القوات العربية والدرزية العاصمة. ورغم استمرار الانقسام بين أنصار سليم الأطرش الموالين للأتراك، وأتباع سلطان الملتفين حول الثورة، نجح الأمير فيصل على مصالحة الطرفين، وعين سليم حاكمًا لجبل الدروز.
غير أن اتفاقية سايكس-بيكو وضعت سوريا ضمن النفوذ الفرنسي، وهزم الفرنسيون قوات فيصل في معركة ميسلون 1920، مما أدى إلى انقسام الجبل بين مؤيد للاستقلال وآخر ميال للتسوية مع الفرنسيين، وثالث يريد الاندماج مع بقية الأراضي السورية.
في هذا السياق، عقد الدروز مؤتمرًا في السويداء في 20 كانون الأول/ديسمبر 1920، أقروا فيه استقلالًا للجبل تحت الانتداب الفرنسي، وفي نيسان/أبريل 1921 اعترفت فرنسا رسميًا بهذا الكيان، مانحةً الدروز امتيازات خاصة، كاستثنائهم من الخدمة العسكرية الإلزامية والسماح لهم بحمل السلاح، وانتُخب الأمير سليم الأطرش حاكمًا عامًا للجبل.
ورغم تقسيم جبل الدروز إلى 13 مقاطعة واعتماد علم خاص يضم خمسة ألوان و13 نجمة، واجه الكيان الوليد معارضة من سلطان باشا الأطرش وعدد من القرى التي رأت فيه أداة بيد الفرنسيين، لا سيما أن الانتداب الفرنسي احتفظ بهيمنته على الاقتصاد والتمثيل الخارجي والإشراف على الإدارة.
وتجسدت هذه المعارضة عمليًا حين لجأ المناضل اللبناني أدهم خنجر في تموز 1922 إلى دار سلطان الأطرش، فقبض عليه الفرنسيون، وهو ما اعتُبره سلطان إهانة لحرمة الضيافة، فأرسل برقيات احتجاج إلى المندوب السامي طالبًا إطلاق سراحه، مؤكدًا استعداده للتعاون في كل ما يرضي الفرنسيين، لكن دون جدوى.
ردًا على تجاهل طلباته، تحرك سلطان ورجاله إلى تل الحديد غربي السويداء واشتبكوا لأول مرة مع القوات الفرنسية، وتمكنوا من تعطيل ثلاث مدرعات وقتل وأسر عدد من الجنود، ما شكل صدمة للمحتل وبداية المواجهة المباشرة.
يشير أبو راشد إلى أن الفرنسيين حاولوا استغلال البُعد الديني في مواجهة سلطان الأطرش، فأصدروا بيانًا باسم عدد من مشايخ الدروز بهدف عزله، غير أن الخطوة جاءت بنتيجة عكسية وأحدثت انقسامًا واسعًا داخل الجبل.
وفي 24 تموز/يوليو 1922 شنت الطائرات الفرنسية غارة على دار سلطان ودمرت مضافته، لكن الأخير كان قد أرسل عائلته إلى شرق الأردن، ثم تواصلت المناوشات والاشتباكات بين الجانبين في الأشهر التالية، قبل أن يُعلن المندوب السامي الفرنسي عفوًا عامًا عن سلطان ورجاله في نيسان/أبريل 1923.
وبعد وفاة سليم الأطرش عام 1923، نقض الفرنسيون اتفاقهم بتعيين حاكم درزي للجبل، وعينوا المستشار الفرنسي كاربييه حاكمًا للجبل، وقد مارس سياسة قمعية استغل فيها الخلافات العائلية، وألغى استقلالية الإدارة المحلية، كما تجاوز قمعه حدود السياسة إلى الإذلال الاجتماعي، إذ كان يجبر القرى الدرزية على استقباله استقبالًا مهيبًا، واعتدى على زعماء الدروز، كما نهب آثار الجبل، وفتح بيتًا رسميًا للدعارة، ما أثار سخط الأهالي.
انهيار الثقة بين الدروز والفرنسيين
اعتبر أبو راشد أن الضرائب الباهظة التي فرضها الفرنسيون على أهل الجبل إلى جانب إذلال الزعماء وضرب القيم الاجتماعية، دفعت دروز الجبل إلى حافة الانفجار، ومهدت الطريق لاندلاع الثورة الكبرى في صيف 1925، والتي ربطها أبو راشد بتراكم الأخطاء الفرنسية، لا بتخطيط من الدروز وسلطان الأطرش.
ومع تصاعد امتهان فرنسا لزعماء جبل الدروز وفشل الوفد الدرزي في بيروت، اجتمع أكثر من أربعمائة شاب درزي في السويداء برئاسة سلطان باشا الأطرش وأسسوا الجمعية الوطنية الدرزية، ملتزمين بالدفاع عن حقوق الدروز، وكما يلاحظ من شهادة أبو راشد فحتى ذلك الحين كان اعتراض غالبية الدروز ينطلق من الاعتراض على استبداد كاربييه وليس على مبدأ الانتداب الفرنسي.
ويروي أبو راشد أنه في تموز 1925 وجه وجهاء الدروز تحذيرًا للسلطات الفرنسية من مغبة الإبقاء على الضابط كاربييه، وسعت نخب الجبل إلى تثبيت الكابتن رينو الذي حظي باحترام واسع من أهل الجبل، حتى من قبل سلطان الأطرش نفسه.
غير أن الجنرال ساراي تمسك ببقاء كاربييه، معتبرًا عزله مظهر ضعف لفرنسا، وفي 11 تموز دعا نسيب بك الأطرش إلى الثورة إذا أعيد كاربييه، فاجتمع قادة الدروز وأقسموا على الاتحاد، لكن القوات الفرنسية سارعت في 13 تموز إلى اعتقال هؤلاء الزعماء، ما شكل الشرارة المباشرة للانتفاضة.
رد سلطان على الاعتقالات بمهاجمة الجنود الفرنسيين في الكفر في 16 تموز، وكانت هذه هي نقطة البداية لاندلاع الثورة السورية الكبرى في الجبل، ومن ثم في انتشارها في معظم أنحاء سوريا، وبعدها حوصرت قوة تومي مرتان في 21 تموز وخسرت معظم جنودها، فحاولت فرنسا مواجهة الثوار بحملة واسعة بقيادة الجنرال ميشو، لكنها انهزمت في معركة المزرعة الثانية ليلة 3 آب.
ذاع صيت الثورة في أرجاء البلاد، وشعر الفرنسيون أن خطرًا يحيق بهم، فلجأوا إلى المفاوضات، وسعوا إلى الوصول إلى اتفاق مع ثوار الجبل، وفي هذه الأثناء التقى وفد دمشقي مع سلطان باشا لتعميم الثورة في أنحاء سوريا، ومن ثم قُطعت المفاوضات وانتقلت الثورة إلى مرحلة جديدة شملت عددًا من محافظات القطر السوري.
وفي 15 آب، استقبلت السلطة الفرنسية وفدًا من وجهاء الدروز لمعرفة شروطهم، والتي تضمنت إبعاد كاربييه، وانتخاب الحاكم بموافقة الأهالي، وعدم معاقبة المتمردين أو مصادرة السلاح، ووضع دستور خاص للجبل، في حين طالبت فرنسا تسليم السلاح المغتنم، وهو ما رفضه سلطان باشا الأطرش قائلًا، “لقد اشترينا سلاحنا بدمنا، ولن نفرط به”.
في المقابل، ردت فرنسا بالقصف الجوي العنيف على قرى الجبل، ما أدى إلى تدمير نحو 80 قرية بحسب ما يروي أبو راشد، فيما أصدر سلطان باشا منشوره التاريخي في 23 آب معلنًا أن الثورة تهدف إلى وحدة سوريا واستقلالها الكامل، وقيام حكومة شعبية منتخبة.
يذكر أبو راشد أنه التقى خلال تلك الفترة بسلطان الأطرش، الذي أوضح له تطلعه بقيام جمهورية ديمقراطية مستقلة، ورفضه فكرة النظام الملكي، وفي الوقت نفسه، لم يُبدِ سلطان اعتراضًا على مبدأ الانتداب بحد ذاته، شرط أن يكون على النمط البريطاني القائم على قدر من الحرية، لا على الأسلوب الفرنسي القائم على الهيمنة المباشرة.
وفي أواخر آب/أغسطس 1925، تحركت قوة من 1500 من الدروز والبدو نحو دمشق، لكن الطيران الفرنسي وكتيبة السباهيين المغاربة باغتهم عند العدلية، ما أجبرهم على الانسحاب. وبعد هذا الفشل انتقلت فرنسا إلى الهجوم فكانت معركة المسيفرة يومي 16 و17 أيلول/سبتمبر والتي انتهت بهزيمة الثوار، وبعد ذلك دخلت القوات الفرنسية إلى مدينة السويداء.
وفي بداية تشرين الأول، شن الجيش الفرنسي هجمات على قرى خربا والمجيمر وعرى، لكن الدروز صمدوا في تل المجيمر وتل غسان، وكبدوا الفرنسيين خسائر فادحة، وبين 4 و8 تشرين الأول، انسحب الجنرال غاملان نحو حوران، لكن الكمائن عند كناكر والشعلة والمزرعة حولت الانسحاب إلى هزيمة للفرنسيين.
في 17 تشرين الأول، اندلعت اضطرابات في دمشق، فاستعملت القوات الفرنسية الدبابات والقصف المدفعي والجوي، ما أدى إلى دمار واسع في الأحياء والأسواق والمنازل، وخسائر مادية لدمشق قدرها أبو راشد بمليونَي ليرة ذهبية.
انتهت الثورة السورية الكبرى عام 1927 بعدما تمكنت القوات الفرنسية من قمعها باستخدام القوة العسكرية المفرطة، إلى جانب ما واجهته الثورة من تحديات لوجستية وإنسانية أبرزها نقص الموارد والسلاح مقارنة بتفوق الفرنسيين، غير أن هذا الإخماد لم يُفقدها رمزيتها، إذ بقيت الثورة محطة جامعة في الذاكرة الوطنية السورية، ورسخت مكانة سلطان الأطرش كرمز للمقاومة والاستقلال.
دلالات الكتاب في السياق الراهن
يشكل كتاب “جبل الدروز 1925” مصدرًا نادرًا يوثق أجواء الجبل الاجتماعية والسياسية عشية اندلاع الثورة السورية الكبرى، مركزًا على شخصية سلطان باشا الأطرش، والمعارك ضد القوات الفرنسية، وتكتسب مادته أهمية مضاعفة لاحتوائها على شهادات ورسائل وأشعارًا شعبية عكست حرارة اللحظة التاريخية كما عاشها أهلها.
يمزج أبو راشد بين التوثيق المباشر والروايات الشفوية والأدب الشعبي، ما يمنح عمله بعدًا أدبيًا مميزًا، غير أنه يميل إلى تمجيد دور الدروز في الثورة الكبرى، وتقليل حضور بقية الفئات السورية، مع إغفال الجوانب البنيوية المتعلقة بالانقسامات الاجتماعية ودور الفرنسيين في إعادة تشكيل البنى العشائرية الدرزية، مما يحد من شمولية الرؤية ويجعلها محصورة ضمن نطاق محدد.
مع ذلك، يعرض أبو راشد نموذجًا لهوية وطنية جامعة تتجاوز الطائفية، تتجلى في نصوص سلطان باشا ونداءات الثورة التي كانت تتحرك ضمن إطار جامع، ومن هنا تتقاطع شهادة أبو راشد مع أسئلة معاصرة حول دور الأقليات في السياسة، وحدود تأثير الزعامات المحلية في مواجهة القوى الخارجية أو مهادنتها، وكيفية توظيف ورقة الأقليات في خدمة مصالح فئوية، وهي قضايا ما زالت ماثلة في المشهد السوري الراهن.
في السويداء، أي قبول بالحكم الذاتي أو الفيدرالية يجب أن يكون خطوة أولى نحو الاستقلال الكامل. ببساطة لأن أعداءنا -حين تتغيّر الموازين- سيستغلون ذلك لتغيير الاتفاقات وإعادتنا إلى الحكم المركزي.
ما شهدناه من ح قد طا ئفي علينا -ليس له أي مبرّر إلا الذهنية الدينية التكف يرية- أعطانا…— ماهر شرف الدين (@mahersharafeddi) August 23, 2025
كما تكشف شهادة أبو راشد عن نقد غير مباشر للسياسات الاستعمارية، إذ يوضح أن ما سُمي بـ“سياسة حماية الدروز” لم يكن سوى أداة للهيمنة والسيطرة، لا شراكة حقيقية، وقد أفضت هذه السياسة إلى نتائج عكسية عمقت الانقسامات بدل أن تعالجها.
وهنا تبرز القيمة المزدوجة لشهادة أبي راشد، فهي من جهة وثيقة تاريخية وثقافية، ومن أخرى تحمل نقدًا لآليات النظام الاستعماري وأساليبه، بما يجعلها دعوة لاستخلاص العبر وتجنب الوقوع مجددًا في فخ الانقسامات التي توظفها القوى الخارجية.