في كل موسم أمطار، تتجدّد مأساة آلاف الأسر النازحة في اليمن، فمعاناتهم لا تقتصر على خيامٍ مهترئة أو نقصٍ في الغذاء والدواء، بل تتفاقم لتتحوّل المخيمات إلى بركٍ طينية تهدّد ما تبقّى من مأوى هشّ.
مخيم الحمراء بمديرية تبن في محافظة لحج ليس سوى نموذج واحد من عشرات المخيمات التي اجتاحتها السيول الأخيرة، إذ لم تكن مجرد مياهٍ عابرة، بل كارثة جديدة أُضيفت إلى سجلٍّ طويل من الألم، كشفت هشاشة أوضاع مئات الأسر وغياب التنسيق وضعف الاستجابة من الجهات الرسمية.
أم أحمد، وهي أم لطفلين، روت لـ”نون بوست” حجم الكارثة قائلة: “فقدتُ خيمتي بالكامل، وابتلّت جميع ملابسنا وأدواتنا. الأطفال يرتجفون من البرد، ولا نعرف كيف نجد مأوى آمنًا. في كل مرة ينزل المطر نواجه نفس المأساة. نزحنا بسبب الحرب، لكن الكوارث لا تتوقف، لا أحد يساعدنا، ولا أحد ينظر لحالنا”.
وأضافت: “حاولت أن أنقل الأطفال إلى مكان أعلى داخل الخيمة، لكن المياه غمرت كل زاوية. البطانيات المبللة لم تعد توفّر الدفء، والبرد يلسع أجسادنا”.
وعلى أطراف المخيم، يقف صالح، رجلٌ خمسينيٌّ نزح منذ سنواتٍ طويلة، يراقب المياه وهي تجرف بعض الممتلكات البسيطة التي جمعها طوال سنواته في النزوح، ويقول: “كل ما جمعناه طوال سنوات النزوح يذهب مع كل مطر، حتى الأشياء الصغيرة تذوب في هذه السيول، نقف عاجزين أمام المياه، لا مأوى ولا حماية، كل شيء يقف ضدنا”.
ويضيف صالح: “السيول اجتاحت كل شيء، الخيم تتساقط، والمياه تجرف ممتلكاتنا، وما لدينا من قوتٍ يوميٍّ يذهب مع السيول، نحاول البحث عن مكان آمن، لكن المطر لا يترك فرصة للراحة، كل مرة تمر السيول نشعر أننا نعود إلى نقطة الصفر”.
هشاشة المخيمات تهدد حياة الأسر
المسؤول في الوحدة التنفيذية للنازحين، حسام فضل السلامي، وصف المشهد لـ”نون بوست” قائلًا: “الأمطار غمرت المخيم بالكامل، والأسر الأكثر هشاشة، مثل المعاقين وذوي الجلطات، لم يكن بمقدورهم الانتقال أو حماية أنفسهم، حتى إن هناك امرأةً مسنةً مقعدةً في منزلها، والمياه تحيط بها من كل جانب. الوضع مأساويٌّ بكل المقاييس”.
وأضاف: “الأطفال وكبار السن هم الأكثر عرضةً للخطر، الشباب والرجال يستطيعون التحمّل جزئيًّا، لكن هؤلاء الفئات الضعيفة يعانون من البرد والظروف الصعبة بشكلٍ مضاعف”.
وأشار السلامي إلى أن استمرار الأمطار يزيد خطر فقدان المأوى والغذاء، ويترك آلاف النازحين في مواجهة يومية مع الطبيعة القاسية، في ظلّ ضعف البنية التحتية للمخيمات المؤقتة وغياب الحماية الكاملة للأسر، حيث يختلط البرد بالمياه، والخوف من المرض بالجوع، وتزداد الحاجة إلى تدخل عاجل وحقيقي من السلطات والمنظمات الإنسانية.
لم تقتصر السيول على جرف الخيام فحسب، بل خلّفت أضرارًا واسعة في المنازل والممتلكات الخاصة والعامة، وزادت من معاناة النازحين والأهالي. وفي هذا السياق، يوضح مدير الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين، عمر مقبل الصماتي، حجم الخسائر والاحتياجات العاجلة للأسر المتضررة، قائلًا لـ”نون بوست”: “إن السيول الجارفة خلّفت أضرارًا كبيرة على مستوى المخيمات والمنازل والممتلكات الخاصة والعامة”.
وأوضح الصماتي أن السيول طالت خمس مديريات هي: تبن، الحوطة، طور الباحة، الملاح، والحبيلين، مشيرًا إلى أن عدد المخيمات المتضررة بلغ نحو 18 مخيمًا للنازحين، تعرّضت أغلبيتها لانهيارٍ كليٍّ في المأوى وفقدان المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية.
وأضاف أن السيول لم تقتصر على المخيمات، بل اجتاحت بعض المنازل وجرفت سيارات وممتلكات مواطنين، وتسببت في وفاة أحد الأشخاص، وانهيار منزلٍ بشكلٍ كامل في طور الباحة، إلى جانب أضرارٍ طالت مشروع المياه في منطقة الخطابي، ما زاد من معاناة الأهالي.
وتابع: “هذه الأسر اليوم تعيش ظروفًا إنسانيةً صعبةً للغاية، وبعضها أصبح بلا مأوى، في حين أن الاستجابات الحالية محدودةٌ جدًّا ولا تغطي سوى جزءٍ يسيرٍ من حجم الاحتياج”.
وناشد الصماتي كافة المنظمات الدولية والمحلية، ورجال الخير، ورجال الأعمال داخل اليمن وخارجه، سرعة التدخل العاجل لتوفير الغذاء والمأوى والمساعدات النقدية والمواد غير الغذائية، نظرًا لأن الوضع الإنساني مأساويٌّ. كما أكّد استعداد الوحدة التنفيذية لتسهيل كل الإجراءات الإدارية وتوفير البيانات والمعلومات اللازمة، بما يضمن وصول المساعدات إلى المتضررين مباشرةً وفي أسرع وقتٍ ممكن.
لجنة الإنقاذ الدولية، كانت قد أعلنت أن أكثر من 100 ألف شخص تضرروا جراء السيول التي اجتاحت مؤخرًا عددًا من محافظات جنوب اليمن. وأشار البيان الصادر عن اللجنة إلى أن الأمطار والسيول تسببت في تدمير منازل ومخيمات الأسر النازحة، وغمرت مساحاتٍ زراعيةً واسعة، وألحقت أضرارًا جسيمةً بالطرق وخطوط الكهرباء ومرافق المياه والصرف الصحي، مما اضطر آلاف الأسر إلى النزوح بحثًا عن مأوى آمن.
وحذّر البيان من أن استمرار هطول الأمطار الغزيرة قد يؤدي إلى حدوث سيول جديدة، مما يهدد بتشريد المزيد من الأسر، وزيادة معاناة المجتمعات الضعيفة، خاصة تلك التي تعاني بالفعل من أزمة الجوع الحادة.
سيول غير مسبوقة منذ عقود
مع تسجيل أمطارٍ وسيولٍ غير مسبوقة هذا العام، تحوّلت معظم المحافظات اليمنية إلى مناطق منكوبة، وفي هذا السياق، يقول خبير الأرصاد اليمنية، المهندس رشيد عبدالرب العريقي، في حديثه لـ”نون بوست”: “إن اليمن شهدت هذا العام أمطارًا رعديةً غزيرةً وسيولًا جارفةً غير مسبوقةٍ منذ عقود، طالت العديد من المحافظات، وأدّت إلى سقوط عشرات الضحايا وخسائر كبيرة في الممتلكات العامة والخاصة”.
وأوضح أن السيول أثّرت على محافظاتٍ عدة، بينها الحديدة، حضرموت، شبوة، ريمة، تعز، المحويت، وغرب ذمار، مشيرًا إلى أن الحصيلة الأولية بلغت نحو 80 حالة وفاة، وأكثر من 100 إصابة، إلى جانب انهيار منازل وطرقات، وأضرارٍ واسعة في المزارع والبنية التحتية.
وأضاف: “كانت الأمطار هذا العام أكثر توسعًا وغزارةً، والسيول أشدّ خطورةً مقارنةً بالسنوات السابقة. بعض المناطق، مثل لحج وعدن، لم تشهد مثل هذه الكميات من السيول منذ العام 1982، ما جعل الأضرار أعمق وأوسع”.
وأشار العريقي إلى أن مركز الأرصاد أصدر نشراتٍ تحذيريةً متتاليةً منذ الأحد الماضي، تجاوز عددها سبع نشرات، أُرسلت إلى الجهات الرسمية، وجرى تعميمها عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، بهدف حماية الأرواح والممتلكات.
وأكد أن أكثر المناطق تضررًا، والتي شهدت نزوحًا واسعًا، شملت محافظتي لحج وعدن، إضافةً إلى أجزاءٍ من حضرموت وشبوة وريمة وتعز وغرب ذمار وحجة، حيث تسبّبت السيول في تهدّم منازل وجرف ممتلكات، إلى جانب خسائر مباشرة في الأرواح.
وشدّد على ضرورة إيجاد برامج توعويةٍ مستمرةٍ حول مخاطر السيول والأمطار الغزيرة، وعدم الاكتفاء بالتوعية المناسباتية بعد وقوع الكوارث، داعيًا إلى إدخال هذه المفاهيم في المناهج التعليمية، وتعزيز قنوات التواصل بين السلطات والمواطنين.
كما دعا إلى إنشاء أطرٍ تنسيقيةٍ بين الجهات المعنية بالكوارث الطبيعية، بما في ذلك منظمات المجتمع المدني، وعقد اجتماعاتٍ منتظمةٍ لمناقشة البرامج والخطط الكفيلة بمواجهة الكوارث الجوية والأعاصير المدارية، محذرًا من أن غياب هذه الآليات سيؤدي إلى المزيد من الخسائر في الأرواح والممتلكات.
وكان الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر قد قام بتفعيل خطة الاستجابة المبكرة لمواجهة الفيضانات في اليمن، وذلك بعد صدور توقعاتٍ بهطول أمطارٍ غزيرة على محافظة حجة، شمال غرب البلاد. وجاء هذا الإجراء بعد تأكيدات هيئة الطيران المدني والأرصاد الجوية في صنعاء بتجاوز معدلات الأمطار المتوقعة الحد المسموح به (20 ملم خلال 24 ساعة) في عدة مناطق بغرب اليمن، مع توقعاتٍ بهطول أمطارٍ قد تصل إلى 120 ملم خلال الفترة من 18 إلى 25 أغسطس/ آب.
أضرار واسعة واستجابة متأخرة
مدير العلاقات العامة والتوجيه المعنوي في وزارة الداخلية، العميد الركن عبد القوي باعش، أكد لـ”نون بوست”: “العاصمة عدن شهدت أضرارًا كبيرة جراء السيول الأخيرة، حيث تضرر أكثر من مئتي منزل، وتم إنقاذ خمس عشرة أسرة، إضافةً إلى إجلاء خمسٍ وأربعين أسرةً أخرى بعد تهدّم منازلها وتأمين مأوى لها بالتنسيق مع السلطات المحلية واللجان المجتمعية”.
وأوضح باعش أن السيول تسببت أيضًا في وفاة شخصٍ غرقًا في سيلة بمحافظة لحج، فيما لا تزال فرق الإنقاذ تواصل أعمالها للبحث عن أيّ مواطنٍ بحاجة إلى المساعدة. أما في محافظة شبوة، فقد توفّي أربعة أشخاصٍ غرقًا أثناء السباحة في أحد الأودية، في حين هناك حالتا وفاةٍ في محافظة حضرموت.
وانتقد باعش غياب التنسيق بين وحدة إدارة مخيمات النازحين والسلطات المحلية، مؤكّدًا أن هذه الفجوة في العمل المؤسسي تؤثّر سلبًا على سرعة الاستجابة في حالات الطوارئ، وداعيًا إلى توحيد الجهود لخدمة المواطنين والتخفيف من معاناتهم.